2008-03-13     
"إسرائيل" تدخل طرفاً مكشوفاً في أزمة دارفور  - محمد أبو الفض 

محمد أبو الفض 
 

أمقت الكتابات التي تضع “إسرائيل” وراء كل أزمة عربية، لأن ذلك يضفي عليها قوة مادية ومعنوية مبالغا فيهما، ويعزز الكلام عن ضعفنا ويعطي ايحاءات بالتسليم بالأمر الواقع وفقدان الأمل، لكن ما كشف عنه في آخر شهر فبراير/شباط الماضي يؤكد التكهنات والتخمينات التي راجت بشأن دور “إسرائيل” في أزمة دارفور، وبالتالي امتداد أياديها إلى كثير من مشكلات السودان ووضع العراقيل في طريقها، فقد اعترف عبدالواحد محمد نور زعيم أحد أجنحة “حركة تحرير السودان” النشطة في دارفور بافتتاح مكتب لحركته في تل أبيب مؤخرا، وفي السادس من مارس/آذار الجاري أعلنت الخرطوم إحباط محاولة لإدخال جهاز استخبارات “إسرائيلي” متطور لزرعه في إحدى مناطق إنتاج النفط الجنوبية، وإذا كانت الحالة الثانية حولها غيوم وضباب كثيف واعتبرتها الحركة الشعبية تستهدف النيل منها، فإن الخطوة الأولى بدت جلية، حيث دافع عبدالواحد عنها بضراوة، واتخذتها الحكومة كدليل مادي على أن قضية دارفور “تحرك بأيد أجنبية”، وبدأت تفاعلاتها تثير علامات استفهام متعددة. 

 

تكمن قيمة مكتب عبدالواحد في الرسائل التي حواها، وأبرزها أنه أخرج ما كان يتردد في السر إلى العلن، بشأن العلاقة التي تربط “إسرائيل” وبعض حركات التمرد في دارفور، ولم تعد المسألة تنحصر في نطاق الشائعات بل تحولت إلى شواهد وحقائق، الأمر الذي يعيد الاعتبار لاتهامات سودانية مبكرة في هذا الاتجاه، وقتها حسبها البعض بمثابة نوع من الدعاية السودانية للتنصل من المسؤولية الأساسية عن الأزمة وتوابعها. ففي 8 أغسطس/ آب 2004 أشار مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية الأسبق إلى أن المعلومات التي لدى بلاده تؤكد وجود دعم “إسرائيلي” وأن “الأيام المقبلة ستكشف عن كثير من الاتصالات “الإسرائيلية” مع المتمردين” موضحا أنها دخلت إلى قضية دارفور من عدة جوانب “سواء من خلال تواجدها النشط في إريتريا أو من خلال نشاطات بعثاتها في المناطق التي التهبت مؤخرا”.

 

بالفعل أثبتت الأيام صدق هذا الكلام إلى حد بعيد، حيث قام ما يعرف ب”تحالف إنقاذ دارفور” المدعوم من منظمات يهودية بدور مهم في تصعيد الأزمة أمريكيا وأمميا والتحريض على السودان لحسم الموقف عسكريا بزعم أن هناك “إبادة جماعية” في الإقليم، وبدأت أصابع “إسرائيل” تظهر في استقطاب وإغراء عناصر من أهالي دارفور للإقامة فيها، وفي 5 سبتمبر/أيلول الماضي أكد مائير شيريت وزير الداخلية أن “إسرائيل” ستمنح الجنسية إلى نحو 300 لاجئ سوداني من دارفور، وهو ما استثمرته في تحقيق ثلاثة أهداف، أولها الضغط على مصر لتشديد عملية ضبط حدودها مع فلسطين، فوصول لاجئي دارفور إليها عبر صحراء سيناء يفيد بإمكانية إدخال أسلحة إلى غزة، الأمر الذي يدعم الدعاية “الإسرائيلية” في هذا المجال، وثانيها إظهار وجه إنساني يخفف من وطأة إجرامها المستمر في حق الفلسطينيين، وفي الوقت الذي تقاعس فيه العرب عن مساعدة إخوانهم من المسلمين في دارفور قدمت هي الدعم المادي والمعنوي، حتى لو كان على حساب رغبتها في دولة يهودية خالصة، وثالثها محاولة دحض ما يتردد حيال عنصريتها، فإذا كانت إجراءاتها متعسفة بحق فلسطينيي 48 وتطردهم من أرضهم فكيف تستقبل هذه الأعداد من اللاجئين الأفارقة وغالبيتهم من غير اليهود؟

 

الحاصل أن كل طرف من الأطراف الرئيسية، “إسرائيل” والسودان وعبدالواحد ومنافسوه من المتمردين، حاول الاستفادة من عملية افتتاح المكتب كل على طريقته، “فإسرائيل” لم تصدر عنها تعليقات واضحة وكأن المسألة عادية، لكنها حصدت بهذه الخطوة مكاسب عدة، أهمها نجاحها في تطوير علاقاتها مع كثير من الحركات والدول الإفريقية، الأمر الذي يساعدها على تلافي، كما قال حاييم لاسكوف رئيس هيئة الأركان الأسبق، نقاط الضعف الاستراتيجي المتمثلة في إحاطتها بطوق عربي محكم والوصول إلى الظهر العربي المكشوف في ميدان لا يتوقعه العرب، كما أنها عززت كسرها للربط السابق بين وجود تسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية وتطبيع العلاقات معها، من قبل دول أو حركات أو أحزاب سياسية عربية وإسلامية، ومهما كانت هامشية حركة عبدالواحد فالضجة التي صاحبت افتتاح المكتب أعطت للحركة والخطوة وزنا سياسيا كبيرا، وربما تسعى “إسرائيل” لبلورة أفكار لدعم عبدالواحد عبر منظمات دولية أو تخفيف الضغوط الدولية عليه، بما يجعله يحصل على مزايا نوعية، تؤكد قدرتها على التأثير وتجذب بها آخرين.

 

أما من ناحية الحكومة السودانية، فقد حاولت استثمار خطوة عبدالواحد في تأكيد الأدوار والمؤامرات الخارجية عليها، وكسب تعاطف عربي وإسلامي معها، والتشكيك في كثير من تقارير المنظمات الإنسانية التي حملت الحكومة السودانية مسؤولية واضحة في تعثر الحلول السلمية، وجاءت هذه الخطوة لتعطي الخرطوم تبريرا ظاهرا لإخفاقاتها المتوالية للحرب والسلام في دارفور، علاوة على النيل من تصورات بعض فصائل المتمردين ودمغها بالعمل لحساب أجندات خارجية وإضعاف توجهاتها الوطنية والقومية، لذلك أعلنت معظم فصائل المتمردين بانتماءاتها القلبية والحركية تنصلها من خطوة عبدالواحد، لأنها تدرك مدى الخسارة الفادحة التي يمكن أن تنعكس عليها، خاصة أن الحكومة اتخذتها ذريعة للتشكيك في ولاءاتهم جميعا.

 

رغم الانتقادات والاتهامات الداخلية التي وجهت لعبدالواحد نور، إلا أنه ظل متشبثا وممتدحا خطوته، قائلا “إن مكتب الحركة هناك “مثل” مكاتبنا في مصر وليبيا وكينيا وأمريكا وبريطانيا وغيرها من الدول، خاصة أن لدينا لاجئين ذهبوا “لإسرائيل” نتيجة الحرب الدائرة في دارفور ووجدوا أنفسهم قادرين على تقديم العون لأهلهم فقاموا بفتح مكتب للحركة، وربما تكون الحملة التي تعرض لها أفادته من حيث لا يحتسب، وقد تجلب إليه المزيد من المساعدات الغربية، لأنه حاول العزف على وتر الوجه الإنساني وتصوير “إسرائيل” كغيرها من الدول، غافلا عن تصرفاتها التي تفوق بمراحل تصرفات حكومته التي ينتقدها ليل نهار، والراجح أن تهب المنظمات التي نجحت في تغذية عوامل الصراع في دارفور لنجدته والتضخيم من حركته، وبدلا من كونه رقما في معادلة سودانية مليئة بالأرقام الصغيرة سوف يتحول إلى زعيم تصنعه أياد لها أغراض في أن تتدخل “إسرائيل” في دارفور وتحرك خيوطها لمصالحها.

 

على هذا الأساس، يمكن فهم جوانب مهمة من التعقيدات التي دخلتها أزمة دارفور، فكلما بدت في الأفق حلول واعدة ظهرت عوامل سلبية من هنا وجاءت نكسات من هناك تعيدها إلى سيرتها الأولى، ولا يعني أن ضلوع “إسرائيل” بأي طريقة هو البند الوحيد المسؤول عن استمرارها مشتعلة، لكن ثمة مصالح لأطراف داخلية وخارجية تفرض مواصلتها الدوران في حلقة مفرغة، وعلى الحكومة السودانية والقوى الوطنية في دارفور تعجيل الدخول في عملية سياسية صادقة، لأن الأزمة وتفاعلاتها على أعتاب منحنى مخيف وحقل مليء بالمزايدات، فقد يتخذ البعض العلاقة مع “إسرائيل” مدخلا لخلط الأوراق ووسيلة لجذب الأزمة إلى طريق آخر من الحسابات، وفي بيئة سودانية حافلة بالمشكلات والتعقيدات يصبح الخيار الأمثل هو محاولة التوافق وتقديم تنازلات لإنقاذ البلاد.