اللاجئون الفلسطينيون في جمهورية المجر
 

 إصرار على التمسك بفلسطين والعودة
 
 
محمود كلّم / بودابست
 
 
(1)
تقع المجر التي تعرف أيضاً بهنغاريا في وسط شرق أوروبا في حوض جبال الكاربات، وهي محاطة بسبع دول، وليس لها أيّ منفذ على البحر، وتبلغ مساحتها93000 كم مربع ويبلغ تعداد سكانها عشرة ملايين نسمة، عاصمتها بودابست وعملتها الفورنت.

يعتبر نهر الدانوب أكبر الأنهار في المجر على الإطلاق، وهو يقسمها إلى قسمين، غربي وشرقي، ويلقب بنهر العواصم لكونه يمرّ في 8 دول أوروبية، ينبع نهر الدانوب من الغابة السوداء في ألمانيا، ويواصل النهر جريانه لمسافة 2850 كم حيث يصب في البحر الأسود جنوباً.

انتهى النظام الشيوعي في المجر في 23/10/1989، وفي 1/5/2004 انضمت المجر إلى الاتحاد الأوربي. أما نظام الحكم في المجر فهو نظام جمهوري، وأعلى جهاز تشريعي فيه هو المجلس النيابي.

تشتهر المجر بمعهد الرياضيات في بودابست الذي خرّج علماء حاز بعضهم على جائزة نوبل، كما يرجع الفضل لعلماء المجر في اختراع القنبلة الهيدروجينية، ومكعب روبيك، ولغة الكومبيوتر بيسك، وهندسة الرياضيات غير الإقليدية.

وللمسلمين في المجر الكثير من المساجد، ففي مدينة بودابست وحدها هناك ستة مساجد: مسجد دار السلام الذي يقع في الحي 11، وهو أقدم المساجد في المجر وأشهرها، ومنبره من أهم منابر المساجد في العاصمة بودابست، ومسجد المركز الإسلامي الذي يقع في الحي 11، ومسجد التوبة ويقع في الحي 8، ومسجد الأتراك في الحي 8، ومسجد الهيئة المجرية ويقع في الحي 4، ومسجد تركي يقع في الحي 6، وفي مدينة دبرتسن هناك مصلى في جامعتها، وهناك مسجد في مدينة سجد وآخر في مدينة مشكولتس.
 
الفلسطينيون في المجر
 
 
لا توجد أية إحصائية تشير إلى عدد اللاجئين الفلسطينيين في الجمهورية المجرية، لكن من الواضح أنها الجالية الأقل عدداً في دول الاتحاد الأوروبي (يضم 24 دولة حتى الآن)، وصل بعضهم إلى المجر في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لكن مرحلة الذروة كانت في الثمانينيات زمن النظام الاشتراكي، حيث كان يقدم منحاً دراسية للشعب الفلسطيني. ويتركز تواجد الفلسطينيين في مدينتي بودابست ودبرتسن. ويعمل بعضهم في التجارة والفنادق والبعض الآخر يملك عيادات طبية ومطاعم.

الدكتور تيسير جودت صالح، من مواليد فلسطين، بلدة سيلة الظهر قضاء جنين عام 1962 وصل إلى المجر عام 1985 بهدف دراسة طب الأسنان، متزوج من مجرية مسلمة، وهو طبيب أسنان ناجح يستقبل في عيادته في مدينة بودابست كل فلسطيني أو مسلم أو فقير عادي في مقابل رمزي أو مجاني. كما أنه مدير جمعية السلام الخيرية.

حق العودة إلى فلسطين، بالنسبة له، فهو حق ديني مقدس وأرض فلسطين وقف إسلامي وملك للمسلمين، وكل مسلم مكلف بأن يعمل على إعادتها وهي أرض الأنبياء. الدكتور تيسير صالح دفع ثمناً غالياً من حريته منذ زمن قريب من أجل مواقفه الثابتة وغير القابلة للمساومة، وهو من دعاة التمسك بالحق.

كذلك الطالب حسن المحمود مواليد 1984، من عشيرة عرب السمنية - قضاء عكا، الطالب في كلية الطب البشري، سنة ثالثة في جامعة semmelwise في بودابست، نظرته إلى حق العودة نظرة دينية، وهو يعتبر ذلك وعداً إلهياً، ويعتبر أن حق العودة هو جوهر القضية الفلسطينية، كما أنه حق لكل فلسطيني.

الدكتور نبيل عبد الرحمن أحمد، أبو عمر، فلسطيني من حيفا، عاش مع عائلته زمناً طويلاً في العراق. حاصل على شهادة دكتوراه في الرياضيات من المجر، يملك عيادة لطب الأسنان سمّاها عيادة حيفا، تقع بالقرب من ساحة بلاها لويزا في بودابست، يقابلها في الشارع نفسه محل إنترنت له أيضاً، سماه (حيفانت).

يكفي عنده أن تكون فلسطينياً حتى يصبح علاج أسنانك مجانياً. الدكتور نبيل يعدّ صورة مشرقة للإنسان الفلسطيني المثالي الملتزم بقضيته، وهو أشبه بالجندي المجهول الذي يعمل من أجل قضيته الوطنية، إنه عنوان لكثير من الفلسطينيين والعرب في المجر، هو وأبناؤه الثلاثة سعد وعلي وعمر الذين يملكون بدورهم عدداً من المطاعم في العاصمة (بودابست).

صلاح يونس، 43 عاماً، لاجئ فلسطيني من سكان الجليل الغربي قضاء عكا شمال فلسطين، لجأت عائلته إلى لبنان عام 1948، قال لي بحزن عميق: ((أنا لا أفهم كيف شعب جبار وصاحب تضحيات مثل الشعب الفلسطيني والذي تآمر عليه العالم كله ولم يستطع أن يهزمه، يرضى بهيك قيادة تتفاوض باسمه وتمثله في المحافل الدولية لا أعرف من اختارهم يفاوضوا باسم الشعب الفلسطيني، لا المجلس الوطني اختارهم ولا الشعب الفلسطيني اختارهم.. ما يدمي القلب أن هناك بعض الفلسطينيين ما زالوا يثقون بأمريكا راعية للسلام في الشرق الأوسط، وهي نفسها التي تتولى قتل وتشريد الملايين في العراق وفلسطين، وهي نفسها التي قتلت الأطفال في السودان والجماهيرية الليبية شيء غريب لا يصدق...)).

صلاح متزوج من فلسطينية له منها أربعة أولاد، تعيش مع أسرته في مدينة دبرتسن ويعمل في أحد مطاعمها، سألته هل تعتقد أن حق العودة هو جوهر قضية فلسطين؟ أجاب: ((إن الشعب الفلسطيني حافظ على حق العودة خلال 59 سنة، فلسطين تعيش في قلب كل إنسان فلسطيني حر شريف.. فلسطين ستعود لنا مهما طال الزمن ومهما تآمروا عليها.. فلسطين أكبر من كل الفاسدين، سنعود إليها لأن الحق لنا هي أرضنا أرض الآباء والأجداد..)) ثم أردف قائلاً: ((نحن لسنا بؤساء.. إن على الفلسطيني أن يتمسك بحق العودة أينما تواجد)).
 
 (2)
 
ساحة (بلاها لويزا) هي عنوان مهم لكثير من الفلسطينيين والعرب الوافدين إلى جمهورية المجر، ومنها يمكنك الانتقال إلى جميع الأحياء في العاصمة (بودابست)، ونهر الدانوب يمر بالقرب منها مخترقاً العاصمة (بودابست) ويقسمها إلى قسمين: (بودا- وبست)، ومعهد الرياضيات، المشهور عالمياً، يقع بينها وبين نهر الدانوب قرب محطة (أستورية) ومن ساحة (بلاها لويزا)، يمكنك أن تتوجه إلى محطتي القطار في (الكلن فولد) و(الكلتي)، ويمكنك أن تستقل المترو، والـ(فيلاموش) يمرّ عبر هذه المحطة. بودابست مدينة تضم شبكة مواصلات قل نظيرها في العالمين العربي والأوروبي.
 
كان هدفي الوصول إلى ((مدرسة الوحدة العربية))، الشخص المعني الأول في هذه المدرسة هو الدكتور صالح الشيباني الذي لا تربطني به معرفة سابقة، استقبلني بحرارة ثم رافقته إلى المدرسة؛ أعني مدرسة الوحدة العربية. وفي الطريق حدثني كثيراً عن فلسطين والفلسطينيين، وعن الفنان الشهيد ناجي العلي، وعن الأديب غسان كنفاني، وعن الدكتور أنيس صايغ وعن مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت وأهميته، وكانت ملفتة معرفته بالتفاصيل الدقيقة عن أوضاع الفلسطينيين، وحدثني عن الزعيم الصيداوي مصطفى سعد حيث كانت تربطهما علاقة صداقة ومودة وأخوة. الدكتور صالح الشيباني صاحب تصميم وثبات، قوي العزيمة، وذو تواضع وأخلاق رفيعة.
حق العلم والمعرفة
 
العلم والمعرفة حق طبيعي لكل إنسان، فإن معظم الأطفال الفلسطينيين في المجر، إن لم نقل جميعهم، يتلقون تعليمهم في مدرسة ((الوحدة العربية)) الواقعة في الحي الخامس عشر من العاصمة المجرية ((بودابست)) في نهاية شارع ((كفيتش كوز))، وهم من مختلف الأقطار العربية، مثل: ليبيا وسورية والسودان واليمن والعراق وفلسطين والجزائر ومصر..
 
 
 
 
المدرسة تضم نخبة من المعلمين، فيها عشرون معلماً ومعلمة من مختلف الأقطار العربية، وصفوفها من الصف الأول من مرحلة التعليم الأساسي إلى الصف الثالث الثانوي، وهي واحدة من اثنتي عشرة مدرسة عربية، فروعها موزعة في مختلف القارات. وتتبع أكاديمياً لوزارة التعليم في ليبيا، وإدارياً تتبع وزارة الخارجية الليبية. أما المناهج والامتحانات، فيطبق فيها ما يطبق على المدارس الليبية. أسس مدرسة ((الوحدة العربية)) في (بودابست) الزعيم الليبي معمر القذافي في عام 1981، وكلّف السفارة الليبية هناك بالإشراف عليها والاهتمام بها. وقد تم الاعتراف بها في المجر، ومنحتها الدولة إذن العمل وقامت بتسجيلها بتاريخ: 7/4/1997.

لغة التدريس في مدرسة (الوحدة العربية)، هي اللغة العربية والإنكليزية والمجرية. ومناهج التدريس فيها، ولمختلف المراحل، تتحدث عن تاريخ وجغرافية فلسطين، في الوقت الذي غاب فيه تاريخ وجغرافية فلسطين عن الكثير من المناهج في العديد من الدول العربية. تعتبر مدرسة ((الوحدة العربية))، قلعة علمية خارج الجماهيرية ينبغي تعزيزها وتطويرها، وهي عربون وفاء ومحبة من الشعب الليبي، في سبيل خدمة أبناء جميع الجاليات العربية والمسلمة في جمهورية المجر. وتكمن أهمية هذه المدرسة في الحفاظ على العادات والتقاليد العربية، كما أنها تقوم بنشر المبادئ الوحدوية الهادفة، ولا يعرف أهميتها إلا من هو بحاجة إليها في أوروبا. ورغم أهمية هذه المدرسة في (بودابست)، ورغم حاجة الجاليات العربية والمسلمة إليها، إلا أن مدير المدرسة، الاستاذ (منصور عبد الونيس بوكائش)، المعيَّن حديثاً، قال: بالرغم من أهمية المدرسة لكافة الجاليات العربية والمسلمة، فهي المدرسة العربية الوحيدة في المجر، إلا أنها تعاني من ضعف إمكانياتها المادية.

حلم العودة لأطفال فلسطين
 
في مدرسة (الوحدة العربية)، هناك أطفال فلسطينيون، بعمر الورد، لم يجربوا حياة المخيمات ولا بؤسها ولا انقطاع المياه والكهرباء فيها، ولم يتمرّغوا في وحولها ويضيعوا في زواريبها، وهم اعتادوا الدخول والخروج من دولة أوربية إلى أخرى بواسطة بطاقة الهوية الشخصية لا يحتاجون أكثر من ذلك، وهم لا يعرفون أن المواطن العربي عندما يريد التنقل من دولة عربية إلى أخرى يحتاج إلى (فيزا)، حيث يكون الحصول عليها مستحيلاً أحياناً! وهم لا يعرفون، أيضاً، أن كثيراً من الدول العربية تغلق حدودها في وجه الفلسطيني! وهم لا يعرفون، أيضاً، بأن الهند والبرازيل وتشيلي استقبلت لاجئين فلسطينيين من العراق بعدما ناموا في العراء على حدود أكثر من دولة عربية! كل ما يعرفه هؤلاء الأطفال، أن المواطن الأوروبي يقول لك: ((أنت عربي)) ولا يسألك عن جنسيتك (فلسطيني، سوري، أردني، لبناني..)، العرب يفرقون فيما بينهم، ربما لأن كثيراً منهم ما زال وفياً (لسايكس بيكو).

أحمد أبو حاتم
 
 
الطفل أحمد أبو حاتم 10 سنوات في الصف الخامس من مرحلة التعليم الأساسي، هو الطفل الوحيد في المدرسة الذي ولد وعاش فترة من الزمن في أحد مخيمات اللجوء. هو الطفل الوحيد بينهم الذي يعرف ماذا تعني أزقة المخيم الضيقة المعتمة في وسط النهار، وشبكة الأسلاك الكهربائية المتداخلة التي تغطي سماء المخيم هي منظر مألوف لديه. ولكنه ليس الوحيد بينهم الذي يحفظ أغاني الشاعر الشعبي الفلسطيني ابن قرية الشجرة، إبراهيم الصالح (أبو عرب)، ربما لأن فلسطين تجري مع الدم في عروق كل فلسطيني، سواء ولد في فلسطين أم في الشتات، وسواء عاش في المخيمات أم خارجها، سألته ماذا تعني لك كلمة ((مفاوضات)). ضحك مطولاً وقال لي: ((سمعت بها كثيراً من قبل، ربما في التلفاز))، وأردف: ((لا افهم معناها، وهذا الشيء لا يهمني كثيراً..)). وقال ذلك بعفوية الطفولة، ثم أشار لي بيده إلى لوحة كان قد رسمها حديثاً، هي لوحة تعني له الكثير، وهي عبارة عن علم فلسطين وبوسطه خريطة، كتب تحتها بخط يده (عائد إلى حيفا.. إلى عكا.. إلى اللد.. إلى الناصرة.. إلى المثلث.. عائدون..).

اعتقدت، في بداية الامر، أنه سمع أو قرأ رواية الأديب غسان كنفاني ((عائد إلى حيفا))، ولكن يبدو، أن سنوات عمره لم تسمح له بعد بالتعرف إلى عالم الأدب والأدباء، وكل ما يعرفه، أن هذه المدن هي مدن فلسطينية من بلاده، وقال: ((جدي أخبرني كان عندهم شجر زيتون وتين وعنب في فلسطين في عكا، وكان يجري بالقرب من أراضيهم نهر اسمه نهر القرن وآخر اسمه نهر وادي كركرا..)).

طفولة أحمد البريئة، لم تسمح له، بعد، بسماع التصريحات التي تدعو إلى ضرورة التنازل عن حق العودة، ومن شخصيات فلسطينية كبيرة! وهو لا يهتم، كثيراً، بدعوات أصحاب القرارات المؤلمة، حول حق العودة ومعادلة الأرض والتطبيع والسلام مقابل الكلام، لا تهمه كثيراً هذه المقولات الفارغة، لكن ما يهمه، حقاً، أن فلسطين، من نهرها إلى بحرها، يجب أن تعود، مهما طال الزمن، ومهما كلّف الثمن.
فردوس عز الدين القسّام
 
 
أما القسامية فردوس عبد المنعم محمد عز الدين القسام (12 سنة)، في الصف السابع من مرحلة التعليم الأساسي، فقد أخبرتني بأنها ولدت في سورية من أم مجرية، وهي تعيش في بودابست، والشيخ المجاهد عز الدين القسَام يكون والد جدها. كما أوضحت لي أنها تعرف، تماماً، من هو الشيخ عز الدين القسّام الذي خرج وجماعته من حيفا في 11/10/1935 ليعتصموا في الجبال وليعلنوا الثورة المسلحة على الإنجليز باعتبارهم أعداء للعرب والمسلمين. وتعلم، أيضاً، أن الشيخ القسَام دفن في مقبرة بلد الشيخ، قضاء حيفا. وحدثتني، مطولاً عن مدينة جبلة السورية التي زارتها مؤخراً، حيث ما زال جزء من عائلتها يعيش هناك. فردوس تحب فلسطين وتحلم بالعودة إليها، حتى لو كان ذلك بجواز سفر مجري.
 
 
 
عدي نائل ياسين
 
 
أما عدي نائل ياسين، ستة أعوام، في الصف الأول من مرحلة التعليم الأساسي، ولد في المجر من أم مجرية، وهو يتكلم اللغة العربية بصعوبة، وكلما مرّ من أمامك، يطرح عليك السلام قائلاً: مرحباً، ويظلّ يكررها مرات ومرات. عدي نائل ياسين، كل ما يعرفه عن فلسطين أنه فلسطيني من نابلس.
 

بعد لقائي مع هذه العينة من الأطفال الفلسطينيين في مدرسة ((الوحدة العربية))، تذكرت عبارة ((الآباء يموتون، والأولاد ينسون))، عبارة قيلت في الماضي، لكن صاحبة هذه المقولة، لم تكن على حق، لأنها كانت تجهل حقيقة أن الفلسطيني، يولد من رحم الأرض الفلسطينية، ويرضع حليب الوطن.. ولم تكن تعلم أيضاً، أنه لا يضيع حقّ وراءه مطالب.