المعركة المفتوحة حول القدس-  عريب الرنتاوي

منذ أنابوليس ، ورئيس الوزراء الإسرائيلي يدعو إلى ارجاء ملف القدس عن مائدة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ، مبررا ذلك بحساسية المسألة ، وامكانية أن تفضي إلى تفجير المائدة والعملية كلية ، لا سيما أن المفاوضين عن الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ، يواجهان قوى متشددة في استمساكها بحقوق كل طرف ، أو ما يعتقد ويزعم أنه حقوق ، في المدينة المقدسة.

لم نأخذ على محمل الجد ، مبررات أولمرت وتبريراته ، فكل ما يريده الرجل وأركان حكومته هو شراء المزيد من الوقت ، لاستكمال خطط تهويد المدينة وتطويقها بالمستوطنات وتفريغها من أهلها ، ونزع الطابع الفلسطيني ، العربي ، الإسلامي والشرقي عنها بالكامل.

أولمرت قال ذات يوم ، بأنه نجح في اقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بجدوى التأجيل وجدية مبرراته ، وهو ما نفته الرئاسة الفلسطينية لاحقا ، مع أن تقارير أمريكية وغربية وإسرائيلية متطابقة ، عادت لتصادق على "رواية التأجيل الإسرائيلية" مقللة من صدقية الرواية الفلسطينية ، خصوصا بعد أن عبرت واشنطن عن اقتناعها بـ"أسباب أولمرت الموجبة" للتأجيل ، ومنذ ذلك اليوم ، والقرارات الاستيطانية تتوالى والمشاريع التوسعية والوحدات السكنية تتكاثر داخل المدينة وعل حدودها.

اليوم ، يعيد أولمرت طرح ملف القدس من جديد ، ولكن من بوابة الاستيطان المفتوح وغير المقيد هذه المرة ، وبات السجال الفلسطيني الإسرائيلي العلني حول هذه المسألة ، مؤشرا على حالة الترنح التي تعيشها عملية أنابوليس وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة ، وتتحضر لمغادرة غرفة العناية الحثيثة إلى "ثلاجة الموتى" توطئة لدفنها ومواراتها الثرى ، أولمرت يصر على استثناء القدس من تعهدات تجميد الاستيطان ، والسلطة تقول أنها خط أحمر لن تسمح باجتيازه.

الفلسطينيون أشهروا "سلاح المفاوضات" على عدوهم ، على أمل أن ينتزعوا الحد الأدنى الممكن انتزاعه من حقوقهم الوطنية المصادرة والمغتصبة في القدس الشريف ، فيما الاحتلال يصر على أن "يتفاوض بالسلاح والجرافات" مع الفلسطينيين ، بالأمس ، وبصورة متزامنة مع تصريحات أولمرت الاستيطانية ، كانت "محكمة العدل العليا" ، أو الذراع القانوني للاحتلال والاستيطان والعنصرية ، تصدر قراراتها بإجازة استخدام الرصاص الحي والقناصات للتصدي للفلسطينيين الذي يسعون في تخريب "غلاف القدس" أو يحاولون عرقلة أعمال البناء فيه.

غير التهديدات اللفظية التي لا تقدم ولا تؤخر ، وغير التصريحات "الوصفية" التي تكتفي بوصف وتشخيص تداعيات السياسة الاستيطانية الإسرائيلية على مجمل عملية السلام والاستقرار في المنطقة ، لا يصدر عن السلطة الفلسطينية أو المفاوض الفلسطيني أي شيء أو أي موقف يذكر ، وما ينطبق على السلطة الفلسطينية ، ينطبق على مختلف السلطات العربية للأسف ، وبدل أن نقرأ عن حراك دبلوماسي نشط في شتى العواصم لوقف ما يمكن وقفه من قرارات استيطانية إسرائيلية وانقاذ ما يمكن إنقاذه من حقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين في شطرها الشرقي ، تتحرك الدبلوماسية الفلسطينية برئاسة وزير خارجيتها "العبقري" على خط موسكو لمنع لقاء سيرغي لافروف - خالد مشعل في دمشق (؟،) ، فأية خفة بل أية سماجة هذه؟،