2008-03-28  
سيف "إيباك" ورأس أوباما

 محمد جلال عناية

 

في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي، يعتبر باراك أوباما هو خامس عضو أسود يشغل مقعداً في هذا المجلس، والآن هو السيناتور الأسود الوحيد في مجلس الشيوخ، ويسعى أوباما لتسمية الحزب الديمقراطي له مرشحاً لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008.

 

منذ أن وصل اليهود إلى أمريكا للاستيطان قبل أكثر من ثلاثمائة سنة وحتى بداية القرن الحادي والعشرين، كان مبدأ العمل التطوعي هو الأداة الأساسية في تنظيم الحياة اليهودية في أمريكا. فبينما كان اليهود في أوروبا وشمال إفريقيا يجبرون على تنظيم شؤونهم كجالية من قبل حكومات تلك المناطق لإيجاد هيئة تمثلهم أمام السلطة الحاكمة، فإن هذا الأمر كان تطوعياً في أمريكا ولا شأن للحكومة به.

 

منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت أنشطة الجالية اليهودية الأمريكية تنفذ من خلال شبكة واسعة من المنظمات والاتحادات والمؤسسات، وكانت هذه الشبكة تغطي المجالات الدينية والاجتماعية والتعليمية والصحية والترفيهية، الى جانب تقديم الدعم بكافة أشكاله إلى “إسرائيل”. وكانت هذه الشبكة تتولى كذلك إدارة العلاقات بين الجالية اليهودية والأطراف الأخرى  غير اليهودية داخل أمريكا وخارجها.

 

في إشارته إلى المهمة الأساسية التي يجب أن يقوم بها كل من يهدف إلى تقديم الدعم إلى “إسرائيل”، قال موريس أميتاي المدير التنفيذي للجنة الأمريكية - “الإسرائيلية” للشؤون العامة (إيباك AIPAC): “إنه العمل السياسي”.

 

تأسست منظمة “إيباك” في عام 1954 تحت اسم “المجلس الصهيوني الأمريكي للشؤون العامة”، وغيّرت المنظمة اسمها عام 1959 إلى “اللجنة الأمريكية - “الإسرائيلية” للشؤون العامة (إيباك)”، وتحولت من منظمة صهيونية إلى منظمة للضغط على الحكومة الأمريكية، وركزت نشاطها في واشنطن. وجندت “إيباك” أصحاب الخبرة في صفوفها من اليهود الذين عملوا مساعدين لأعضاء الكونجرس، وكانوا على معرفة بدهاليز العمل السياسي في العاصمة الأمريكية.

 

في كتابهما الشهير “اللوبي “الإسرائيلي” والسياسة الخارجية الأمريكية”، قال المؤلفان جون ميرشايمر وستيفن ولت في مقدمة الكتاب: “في سنة انتخابية، يختلف الساسة الأمريكيون بشكل جذري حول القضايا الداخلية، والقضايا الاجتماعية، والمهاجرين، والصين، ودارفور، وحول أي موضوع آخر. ولكنهم جميعاً يذهبون إلى مدى بعيد للتعبير عن التزامهم الشخصي لدولة أجنبية -”إسرائيل”- وتصميمهم كذلك على المحافظة على الدعم الصلب للدولة اليهودية”.

 

لسوء حظ باراك أوباما أن إعلاناً صغيراً ضمن دعايته الانتخابية ظهر على شبكة أمازون الإلكترونية إلى جوار كتاب “اللوبي الإسرائيلي” فاتصل أحد العاملين في صحيفة “نيويورك صن” الذي شاهد موقع إعلان أوباما الانتخابي، وسأل: هل يدعم أوباما ميرشايمر وولت؟ فجاء التحرك سريعاً من حملة أوباما، حيث أزيل الإعلان عن شبكة الانترنت، وصرّحت جنيفر بساكي الناطقة باسم حملة أوباما بأن مكان الإعلان (بجوار كتاب اللوبي “الإسرائيلي”) كان غير مقصود. وقالت على الرغم من أن السيناتور أوباما لم يقرأ الكتاب إلا أن لديه فكرة عن محتواه، وإنه لا يوافق على ما جاء فيه. وقالت بساكي: “السيناتور أوباما أعلن عن دعمه لعلاقات أمريكية - “إسرائيلية” قوية تتضمن الالتزام بأمن “إسرائيل”، ومساعدتها على التوصل إلى سلام مع جيرانها، وهذا نابع من إيمانه بأن هذه هي السياسة الأمريكية الصحيحة”. أما أوباما نفسه، فقد خاطب المجلس القومي الديمقراطي اليهودي قائلاً: ان التزامه ب”إسرائيل” “ثابت لا يهتز”.. والحقيقة أن حال أوباما مثل حال كل الساسة الأمريكيين الذين يغلّفون مصالحهم الانتخابية بقناعات مفتعلة.

 

إن مخاوف السيناتور باراك أوباما ومسؤولي حملته الانتخابية من “اللوبي الإسرائيلي” لها ما يبررها. ففي 15/4/،1973 ظهر السيناتور الأمريكي وليم فولبرايت في البرنامنج التلفزيوني “واجه الأمة”، الذي تبثه محطة “C.B.S”. وخلال مناقشته في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، قال السيناتور فولبرايت: “إن “إسرائيل” تسيطر على مجلس الشيوخ الأمريكي”.

 

وكان السيناتور فولبرايت قد سبق له أن حظي بتقدير اليهود لأنه كان يعارض حرب فيتنام، وكان اليهود بمختلف فئاتهم ضد تلك الحرب. وكان شخصاً مثار الإعجاب في ولايته “أركنساس” حيث كان يعاد انتخابه بسهولة لعضوية مجلس الشيوخ، وكان شخصية بارزة على الساحة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن تصريحه حول سيطرة “إسرائيل” على مجلس الشيوخ سرعان ما غاب عن العيون والأسماع من الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون التي تخضع لسيطرة اليهود حتى لا تصل هذه الحقيقة إلى الأمريكيين فتنبه وعيهم بها.

 

ودفع السيناتور وليم فولبرايت الذي كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي ثمناً باهظاً نتيجة إشارته خلال المقابلة التلفزيونية إلى السيطرة اليهودية على الكونجرس. وفي الدورة الانتخابية التي تلت تلك الحادثة، تضافرت جهود اليهود وتدفقت أموالهم للعمل على هزيمة فولبرايت، ومناصرة منافسه ديل بامبرز النكرة الذي يوالي “إسرائيل”، فانتصر على فولبرايت، مع أن يهود أمريكا سبق لهم أن اسبغوا صفة البطولة على السيناتور فولبرايت عندما وقف في وجه السيناتور مكارثي، وعمل على إسقاط الدعم المالي عن اللجنة التي كان يرأسها مكارثي وكان عملها ملاحقة حملة الأفكار الليبرالية من اليهود، ووصمهم بالخيانة واتهامهم بالشيوعية. وكان الرئيس بوش الأب ضحية أخرى عندما هُزم في الانتخابات عام ،1992 لأنه اختلف مع اسحاق شامير حول ضمانات قرض بعشرة مليارات دولار ل”إسرائيل”.