2008-03-27 alkhaleej
هل يكون لبنان من دون لبناني؟ ...

*سليم الحص

 

إن إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري عزمه على إحياء هيئة الحوار الوطني ودعوتها للانعقاد بعد القمة العربية، في حال عجز المؤتمر العربي عن إيجاد تسوية للأزمة اللبنانية، قوبل بالاستحسان، أقله من جانب قوى المعارضة التي يعد الرئيس بري من أقطابها.

 

الخطوة التي يعتزم رئيس المجلس القيام بها طبيعية، لا بل هي أضعف الإيمان. من غير الطبيعي أن يكون البلد مسرحاً لأزمة عنيفة تهدد المصير الوطني ولا يكون هناك حوار يدور بين أطراف، أو بالأحرى، بين طرفي النزاع.

 

كان يجب أن يُعقد مثل هذا الحوار منذ زمن، ويستمر إلى أن يثمر مخرجاً من الأزمة. من خصوصيات لبنان أن النزاع فيه، مهما بلغ من الحدّة والخطورة، لا يحمل المتخاصمين على اللقاء لمناقشة قضاياهم والسعي إلى إيجاد تسويات لها، اللهم إلا بتدخل خارجي. هكذا لم ينعقد مؤتمر الطائف في عام ،1989 فينهي حرباً أهلية ضارية دامت أكثر من خمسة عشر عاماً، إلا بدعوة من لجنة عربية ثلاثية تصدرتها المملكة العربية السعودية. لم يلتئم مجلس النواب اللبناني في عاصمة لبنان بيروت، فانعقد في مدينة الطائف برعاية سعودية. هذا من غرائب الوضع اللبناني.

 

كنا نتوقع أن يدعى أطراف النزاع من جانب عربي إلى الحوار لحل الأزمة المحتدمة في الوقت الحاضر فما كان ذلك. كان المرجح أن تأتي الدعوة من المملكة العربية السعودية هذه المرة ايضاً، لأنها الدولة العربية الوحيدة التي تستطيع ذلك من دون إثارة حساسيات أو تحفظات لدى هذا الفريق في لبنان أو ذاك، ولأن لها تجربة ناجحة في هذا المضمار سابقاً، ولأن العاهل السعودي عُرف خلال تجربته الغنية في الحكم منذ عهد المغفور له الملك فهد بن عبد العزيز بالصفاء العربي والإسلامي، الأمر الذي يجعله في طليعة المؤهلين لهذه المهمة الصعبة. ولكن المملكة السعودية لم تبادر هذه المرة. فلماذا يا ترى؟

قيل الكثير في تفسير، ولا نقول تبرير، هذا الإحجام السعودي. قيل إن السبب هو إشكال بين المملكة السعودية وسوريا، بدأ، على ما يقال، خلال الحرب “الإسرائيلية” على لبنان في صيف العام 2006 عندما خاطب الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد الحكام العرب بكلام عنيف كان فيه نعتهم بأشباه الرجال في معرض لومهم على سكوتهم عما كان يتعرض له لبنان من العنت الصهيوني. وقيل إن المملكة السعودية تحمّل سوريا مسؤولية عدم الضغط على حلفائها في لبنان للسير في تطبيق المبادرة العربية بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية.

 

وقيل إن السبب يعود للدولة العظمى، الولايات المتحد الأمريكية، التي تشن من جهة حملة شعواء ضد النظام في سوريا على خلفية تحالفه الوثيق وإيران التي تناصبها امريكا العداء الشديد، ومن جهة ثانية، وهذا هو الأخطر، كون الدولة العظمى لا تحبذ إيجاد حل للأزمة اللبنانية في الوقت الحاضر. وهذه السلبية في الموقف الأمريكي تنعكس بطبيعة الحال على مواقف حلفائها من العرب، ناهيك عن مواقف دول كثيرة أخرى وكذلك منظمة الأمم المتحدة.

 

أما لماذا تقف الإدارة الأمريكية هذا الموقف السلبي من الوضع في لبنان فأمر يحتمل تفسيرات متشعبة. منها أن السياسة الخارجية الأمريكية تتمحور على مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وهو مشروع يرمي، كما تشهد تطورات الوضع الفاجع في العراق في ظل الاحتلال الأمريكي، إلى تفتيت المشرق العربي كيانات مذهبية وطائفية وإثنية متناحرة، وفي ذلك ما فيه من خدمة للمآرب الصهيونية في المنطقة. علماً بأن التطابق بين  الاستراتيجية الأمريكية والاستراتيجية “الإسرائيلية” في المنطقة هو من المسلمات التي لم تعد تقبل جدلاً. وفي صلب السياسة الخارجية الأمريكية ما يسميه المسؤولون في الدولة العظمى الفوضى الخلاقة. فمتى كانت الفوضى إلا هدامة؟ إنها خلاقة عندما تكون مؤاتية لخدمة الأهداف الأمريكية “الإسرائيلية”. فإذا ما أدت الأزمة اللبنانية لا سمح الله إلى تقويض الاستقرار في بلدنا الصغير وبالتالي إلى إشاعة الفوضى فيه، فذلك لن يكون مدعاة قلق لدى الإدارة الأمريكية، التي ترى أن الفوضى خلاقة. ونردف القول إن الإدارة الأمريكية على ما يبدو لنا، قد لا تريد شيئاً من لبنان ولكنها تبغي الكثير عبره. إنها تمارس عبر دورها في لبنان الضغط على سائر قوى المنطقة، بما فيها مراكز القرار الفلسطينية والسورية والإيرانية وحتى السعودية وربما سواها من القوى العربية المعنية بلبنان على نحو مباشر أو غير مباشر. فإذا أقفل ملف الأزمة اللبنانية بعودة الوفاق وقيام سلطة فاعلة فإن الدور الأمريكي عبر لبنان سيضمحل وربما يتوقف.

 

إذا كان لنا أن نستخلص صورة معينة من هذا المشهد فإننا نرى واقعاً أليماً تعتمل فيه نزاعات الآخرين على أرض بلدنا، لا بل هو مشهد استسلام اللبنانيين للإرادات الخارجية مع توزع ولاءاتهم بين القوى الإقليمية والدولية التي تفعل فعلها في استمرار الأزمة وتأجيجها. وهذا الواقع لا يشرّف ساسة لبنان الذين يمسكون بزمام قيادة هذا الشعب البائس أو هم على الأقل يزعمون ذلك ويتصرفون تبعاً لذلك. ونجدنا مضطرين إلى القول أيضاً إن هذا الواقع لا يشرّف الشعب اللبناني الذي يرتضي لنفسه هذا المصير فلا يعترض حتى لا نقول ينتفض على من سلبوا إرادته واحتكروا التحدث باسمه زوراً. وعتبنا شديد على أبناء هذا الشعب الذين دانوا بالولاء لهذا أو ذاك من المراجع الخارجية فانساقوا وراء رغبات لا تصب في خدمة تحصين المصير الوطني وبالتالي لا تصب في ضمان مستقبل أجيال من أولادهم وأحفادهم. وبتنا نتساءل: هل نحن حقاً شعب واحد؟ هل هناك شعب لبناني؟ لا ريب في وجود بلد اسمه لبنان، ولكن هل هناك مواطن يُدعى لبنانياً بكل ما تعنيه الكلمة؟ وهل سيبقى الوطن واحداً إن لم يكن شعبه موحداً؟ بعبارة أخرى هل يكون لبنان من دون أن يكون هناك لبناني؟

 

يبقى السؤال بالطبع: ما العمل؟ إننا نقول تكراراً إن الحل لا يكون إلا بلبننة القرار، بمعنى تجاهل آراء ومواقف ورغبات وإرادات جميع القوى الخارجية، أياً تكن، فنجلس حول طاولة الحوار ونجترح المخرج الذي يناسبنا ويتفق مع مصلحة وطننا وأجيال من أبنائنا، وذلك في إطار ما سبق أن أجمع عليه العرب، أي ما يسمى المبادرة العربية. كفانا تذرعاً بما تشاؤه لنا امريكا ومعها “إسرائيل” وما تريده منّا سوريا ومعها إيران. ولنصرف النظر عما يُسمى إشكالاً بين المملكة العربية السعودية وسوريا. ولنستعد إرادتنا الوطنية الحرّة ومعها وحدتنا الوطنية التي لا وجود للبنان من دونها.

 

 

* رئيس وزراء لبنان الأسبق