جبـــهة التحــرير الفلسطينـية
 
رسالة سياسية صادرة عن القيادة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية
 
عقدت القيادة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية في الفترة مابين 14 – 18 آذار دورة اجتماعات تناولت الجانبين السياسي و التنظيمي بالدرس و البحث المعمق , فعلى الصعيد السياسي وقفت الجبهة أمام مجمل المتغيرات الدولية الملحوظة و تراجع لغة العربدة الدولية , تلك اللغة التي رافقت بداية الهجوم على أفغانستان و العراق خاصةً بعيدا عن الأمم المتحدة و من وراء ظهر المجتمع الدولي , فقد تنامى الرأي العام الأوروبي و الأمريكي في وجه العدوان و معه تنامى دور قوى السلام و التقدم  في كشف عولمة اليانكي , و تأكدت مرة أخرى مشروعية التحرر الوطني في إطار تحقيق الديموقراطية و التنمية الاجتماعية و الاستقلال و السيادة و شرعية مواجهة المحتل أينما كان و على هذا الصعيد تقدمت أمريكا اللاتينية إلى الإمام مجددة ً كفاحها و يسارها نحو التحرر و التقدم و التنمية و الاستقلال .
و تنامى الرأي العام الأوروبي الذي يعتبر ( إسرائيل ) الخطر الأول على السلام في العالم و قد و قف مؤتمر هرتسليا السنوي أمام هذه المخاطر الفعلية و لعل افتعال الرسوم المسيئة للرسول قد يكون أحد استهدافاتها وضع الرأي العام أمام قوى أخرى تضع فيها جموع العرب و المسلمين في أوروبا و العالم أمام التصادم الحضاري و ليس الحوار الحضاري الذي يكشف عنصرية هذا الكيان في الشرق الأوسط .
أيها الرفاق .... أيتها الرفيقات ...
بالرغم من المآزق و التعثرات التي تعتري الإستراتيجية الأمريكية فإنها لا زالت تزج بإمكاناتها الهائلة لكسر إرادة شعبنا و أمتنا على الرغم من المقاومة الضارية التي أبداها شعب العراق الشقيق و مقاومته الباسلة و التي شكلت قاعدة ارتكاز أساسية لكل قوى الصمود و المقاومة حيث أوقفت التمدد العدواني الأمريكي و ما رافقها من صمود المقاومة اللبنانية  الأسطورية التي فاقت كل التوقعات و شكلت مأثرة استثنائية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني , و تحت وطأة الخسائر البشرية و المادية في العراق و أفغانستان دفعت الولايات المتحدة الكيان الصهيوني للعدوان على لبنان في تموز 2006 تلك الحرب التي أديرت بالكامل من حيث التوقيت و الوظائف المعول عليها من قبل الإدارة الأمريكية و التي تركت آراء و آثار عميقة في الأوساط الفكرية و الحزبية و الإعلامية الصهيونية .
و على المسرح الإقليمي تبدو الأولويات متباينة  ففي حين يدفع الكيان الصهيوني بحركة سياسية محمومه الولايات المتحدة السعي لاستجماع التأييد الدولي للهجوم على إيران و تدمير منشأتها النووية , تسعى الولايات المتحدة لدفع الكيان لحرب تمهيدية يمكن لها أن تتطور و تتوسع لتستهدف سوريا و تضع إيران بحلقة أخيرة مجردة من كل التحالفات , يسهل تطويقها و ضربها و ذلك إن الإدارة الأمريكية تدرك مدى ضغط الداخل الأمريكي  من أجل الانسحاب من العراق خاصة بعد كشف الأكاذيب التي ساقتها الإدارة في تدبير هذا العدوان تحت شعار تدمير أسلحة الدمار الشامل و لجهة الخسائر الكبيرة التي تكبدها المجتمع الأمريكي بشرياً و اقتصادياً حتى باتت اليوم تهدد برحيل المحافظين الجدد عن الإدارة عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية و إن تردد الإدارة الأمريكية في العدوان على إيران نابع  من هذه الاعتبارات على الرغم من تبني اتجاه قوي داخل هذه الإدارة و على رأسه" ديك تشيني للهجوم على إيران , علها تودع الرئاسة الأمريكية بإضافة مكسب استراتيجي للكيان الصهيوني  بعد هزيمته في تموز 2006 و صدور تقرير " فينو غراد " الذي أقر بالهزيمة  و حجم الاهتزاز العسكري و الأمني و النفسي و المعنوي في المؤسسة العسكرية و داخل المجتمع الصهيوني و فقدان قوة الردع و التفوق التي طالما تبجح بها العدو و مجتمعه العنصري من بداية نشأة هذا الكيان و لم يستطع العدوان رغم المجازر و جرائم الحرب الصهيونية من ترميم هذا التصدع في المؤسسة العسكرية و عموم المجتمع الصهيوني .
أيها الرفاق ... أيتها الرفيقات .....
ربما واحدة من الشواهد التي تستحق التأمل هو دفع الحالة الفلسطينية إلى الاحتراب و الاقتتال و كذلك الساحة اللبنانية للنيل من المقاومة بقيادة حزب الله و استنزافها في الداخل اللبناني و بعربدة أمريكية عبر قطعها البحرية التي حشدتها قبالة السواحل اللبنانية السورية تضع الجهود الداخلية الوطنية اللبنانية أمام طريق مسدود و معها تضع المبادرة العربية وراء الظهر و محاولة فرض شروطها على الشعب اللبناني و مقاومته الباسلة .
غير أن السواد الأعظم من النظام الرسمي العربي لم يتعظ من الاستعصاءات و المآزق التي تعاني منها الإستراتيجية الأمريكية في العدوان على العراق و لبنان و فلسطين و أفغانستان و الصومال و الضغط على سوريا و استهدافها كقاعدة ارتكاز لقوى المقاومة و الممانعة و الصمود في وجه التحالف الأمريكي ـ الصهيوني ومعها محاولات الحصار و سياسة العقوبات بحق إيران و السودان و تعميق الصراع بمفاعيل دولية في " دارفور" .
إن الحالة الرسمية العربية التي اتسمت بالتواطؤ مع العدوان على لبنان و غزة و شمال سوريا و صمتت على جرائم الحرب الصهيونية في فلسطين و لبنان يطالبها " بوش" اليوم بمقاطعة القمة العربية التي أطلق عليها "قمة فلسطين" أواخر هذا الشهر في دمشق .
فهذا النظام الرسمي التابع المتواطئ مع العدوان الأمريكي على العراق و لبنان و فلسطين و سوريا , أحداً لم يطالبه بأن يكون صاحب خيار حرب و لو امتلك هذا النظام خياراً سياسياً لارتقى بالحالة العربية إلى مرحلة الاستثمار السياسي و أسس خطابا ً سياسياً يتناسب مع عظمة الصمود و المقاومة و الممانعة لدى أمتنا .
و لعل مؤتمر " أنابوليس" قد كشف ليس مدى عجز هذا النظام و إنما تبعيته المطلقة للإدارة الأمريكية و الخضوع لإملاءاتها التي شطبت المبادرة العربية و أعيد ترسيم الاستفراد الأمريكي ـ الصهيوني بالقضية الفلسطينية و الشعب الفلسطيني و تجريده من كل أوراق  وعناصر الممانعة و القوة الوطنية .
و من الطبيعي أن هذا الاحتدام و هذا التأزم على المسرح الإقليمي ألا يترك أثره على الحالة الشعبية العربية الغاضبة و التي تطورت في خطابها السياسي في تحميل النظام الرسمي مسؤولية المآسي التي تلحق بالأمة إلا أنها لم تخرج بعد إلى الشارع العربي كحالة مؤطرة ملموسة ذات أهداف و برامج تهدد مواقع هذه الزعامات و اغتصابها للسلطة الموضوعة في خدمة أعداء أمتنا و شعوبنا و التي أوصلت العلاقات الرسمية و التضامن العربي إلى حالة غير مسبوقة من التأزم و الانقسام و العداء في تاريخ منظومة العلاقات الرسمية و الجامعة العربية, لا بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك في التهديد و التآمر  و التخريب  بالتعاون المكشوف و المفضوح مع العدو .

أيها الرفاق ... أيتها الرفيقات ...
لقد تركت هذه التداعيات أثرها الكبير على مشهدنا الفلسطيني و النيل من هذه القضية المركزية للأمة على اعتبار من شأن تداعياتها أن يضرب الموقع و المركز الموحد لنضال هذه الأمة و التي شكلت تاريخياً و منذ النكبة الحالة التي توحد الأمة و نضالها من المحيط إلى الخليج , و عليه فإن استهداف ساحتنا الوطنية على مختلف الصعد و من بينها تشويه صورة النضال الوطني و الإساءة  لقضية التحرر الوطني الفلسطيني و قدسيتها و خلق حالة من الإحباط في صفوف شعبنا و أمتنا لتسهيل تمرير المخطط التصفوي للقضية الفلسطينية .
لقد شكلت محطة مؤتمر " أنابوليس" انطلاقة جديدة للمشروع التصفوي و بمباركة العديد من الأطراف الرسمية العربية و بتساوق ٍ من قبل فريق السلطة الفلسطينية , فأخذ الكيان الصهيوني و بمباركة أمريكية من المبادرة العربية فقط ( حل متفق عليه ) بموضوع حق عودة اللاجئين الذي يمثل جوهر قضية فلسطين , و عندما حاولت المجموعة العربية نقل هذا الملف إلى مجلس الأمن جرى سحبه على الفور و تكريس توكيل اللجنة الثلاثية الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الفلسطينية في متابعة ما أتفق عليه في " أنابوليس " و بمقتضى ذلك كلف      ( المجتمع الدولي....؟) الولايات المتحدة برعاية المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية و بناءً على توازن و تزامن وقف الاستيطان مع الالتزامات  الأمنية للسلطة الفلسطينية و عليه قامت حكومة تسيير الأعمال باتخاذ سلسلة من الإجراءات  الأمنية و أهمها في نابلس و جرت محاولة فكفكة الأجنحة المسلحة و خاصة " كتائب الأقصى " و رغم كل هذه الإجراءات لم تستطع السلطة  وقف المطاردة الساخنة , لا بل قامت قوات العدو باقتحام نابلس بعد كل ما صنعته و قدمته السلطة الفلسطينية لتقتل و تفتك و تعبث بالأرواح و الممتلكات و البنى التحتية , أما الاستيطان فقد استمر على قدم و ساق خاصة في القدس فقد أنشأ الكيان الصهيوني أكثر من ألف وحدة سكنية .
و لم تشفع كل تصريحات أوساط السلطة في وقف مسلسل القتل و الجرائم و التضييق و التجويع و الحصار , فبدلا ً من تخفيف الحواجز و وقف بناء جدار الفصل العنصري , فقد أمعنت حكومة العدو بتصعيد عدوانها الذي توّج بارتكاب الجرائم بحق شعبنا في قطاع غزة بعد حصاره و تجويعه و الذي ينذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة و عليه فإن فريق السلطة يتحمل المسؤولية الأولى عن هذه الكارثة حيث انبرى في تصريحاته لتبرير العدوان من خلال الترويج بوجود القاعدة في قطاع غزة و إطلاق الصواريخ (العبثية ) و التوقيع على قانون بث الفضائيات و كأن الضحية الفلسطينية هي السبب .. فيا للعجب ....؟ .
فبدلا ً من أن تتوجه السلطة لإحداث عملية  مراجعة سياسية  بالعودة إلى طاولة الحوار الوطني الشامل الذي يستجيب لمطالب الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني التي تريد سلاح الوحدة الوطنية لتأكيد اعتبار قضية الشعب الفلسطيني  كقضية تحرر وطني ضد الاحتلال الذي يجب عدم إعفائه من كلفة احتلاله لوطن الشعب الفلسطيني و مسؤوليته أمام المجتمع الدولي و القانون الإنساني الدولي و بموجب اتفاقية " جنيف " الرابعة للعام 1949
 
إننا في جبهة التحرير الفلسطينية نستغرب نزوع فريق السلطة بعيدا ً عن وحدة الشعب و فصائله  لعقد دورة مجلس وطني تفضي إلى ترسيم الانقسام و قطع الطريق على الحوار الوطني و أولويات منظمة التحرير كائتلاف جبهوي عريض للتحرر الوطني الفلسطيني و بالاستناد إلى اتفاق القاهرة و وثيقة الوفاق الوطني و في هذا السياق تحذر الجبهة من غياب دور القوى و ثقافة الشراكة الوطنية و الوقوع في مطبات الدعوات العربية لتجديد نهج المحاصصة الثنائية على غرار اتفاق مكة و إعادة إنتاج الأزمة .
 و تتمنى على كل المبادرات و المساعي الرسمية و الشعبية أن تأخذ بعين الاعتبار بادئ ذي بدء  تعزيز الإرادات الوطنية في إنتاج معالجة  وحلول وطنية تستجيب للأولويات الوطنية الفلسطينية و تعزيز صمود و مقاومة شعبنا لهذا المخطط التصفوي و هذه مسؤولية تقع على عاتق كافة القوى الفلسطينية و لا يمكن للانقلاب السياسي و الهروب السياسي  أو اللجوء إلى الحسم العسكري أن يقدم حلولاً لمعضلة التحرر الوطني .
و على فريق السلطة أن يستخلص العبر من أنابوليس إلى مؤتمر باريس و خطة و نصيحة طوني بلير بأن الاقتصاد يمكن أن يصنع الأمن و السلام , فحقوق الشعب الفلسطيني ليست في معرض للبيع و الشراء و الذين هبطوا من الولايات المتحدة و الدول المانحة ليس بإمكانهم عبر مساعدات الدول المانحة لتشكيل بنى اقتصادية و اجتماعية و صناعية كبرى تعد بتشغيل عشرات الآلاف من الأيدي العاملة الفلسطينية لتشكل القاعدة السياسية ـ الاجتماعية لحزب السلطة الجديد , و الذي تتساوق معه شرائح طفيلية نمت في السلطة من بعض الفصائل , هذه الرموز التي تدفع باتجاه التحضير لدورة مجلس وطني مفبركة على مقاس المشروع السياسي بعد أن فشل هذا الفريق داخل فتح نفسها بعقد المؤتمر الحركي وفق هذه المقاسات التي تهدف إلى إحداث تحول سياسي اجتماعي في الحالة الفلسطينية و بإدارة الظهر لثلثي الشعب الفلسطيني في الشتات و المنافي.
أيها الرفاق ... أيتها الرفيقات ...
من شأن هذه التطورات أن تضع كافة القوى أمام مسؤوليتها و إذ كان مبررا ً مخاوف بعض القوى من عقد المؤتمر الوطني في دمشق في تكريس الانقسام و إقامة مؤسسات بديلة قد تبددت من خلال البيان السياسي  الذي أكد على الحوار الوطني الشامل و الأصوات التي ارتفعت مؤكدة على ثقافة الحوار و الديموقراطية و الشراكة و الوحدة الوطنية فإن خطورة عقد دورة المجلس الوطني من شأنها ترسيم الانقسام و قطع  الطريق نهائياً على الحوار الوطني , وتسهيل تمرير المخطط الصهيوني في إدارة السكان ومباركة بوش  لشطب حق العودة و استبدال الأراضي و يهودية الدولة التي تستهدف أهلنا في مناطق احتلال 48 و بدلا ً من ذلك لتتقدم القوى الوطنية الديموقراطية قدما ً إلى الأمام في إحباط هذه المساعي لدى فريق السلطة و حفر مجرى و مخرج إنقاذي للأزمة الداخلية التي يراد إبقاؤها من قبل الكيان الصهيوني و بغطاء و دعم أمريكي مطلق , فلا قيمة لقرار رئيس السلطة الفلسطينية في تعليق المفاوضات و الذي جاء استباقا ً لموقف اللجنة المركزية لحركة فتح , و نحن ننبه من خطورة تصريح " ياسر عبد ربه " عراب وثيقة جنيف بإعلان الاستقلال من جانب واحد متسلحا ً بتجربة كوسوفو هذا الإعلان لن يصب إلا في تكريس إدارة السكان كأمر واقع و في وقت لاحق يعمل على ترسيمه و عودة بالوضع الفلسطيني إلى مشروع "إيغال ألون" و إدارة سكانية تشكل روابط القرى التي أنشأها الاحتلال في السبعينات حالة متقدمة وفق الديموغرافيا الجديدة على أرض الواقع في الضفة الغربية و القدس .
لتتوحد كل الجهود لإفشال عقد الدورة الانقسامية للمجلس الوطني و بمقاسات فريق السلطة سياسياً و تنظيمياً ورفض أي أصوات تسعى إلى مأسسة المؤتمر الوطني و التي من شأنها أن تخدم و تغذي الانقسامية , ليتحمل الجميع المسؤولية في استثمار الصمود البطولي الرائع و التضحيات  التي قدمها شعبنا في قطاع غزة و التوجه بأوسع حملة سياسية إعلامية و قانونية بما في ذلك تفعيلها في محكمة جرائم الحرب الدولية .
و من الطبيعي أن الجبهة ستكون جنباً إلى جنب في هذه الوجهة السياسية و الوطنية و التي أطلقت موقفها في اللجنة التحضيرية الذي أعلنه الرفيق " علي اسحق" الأمين العام و عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية و ستعتبر هذه المهمة  مهمة مركزية في تحركها السياسي الراهن , و لعل تحركها على هذا الصعيد قد أخذ أشكالا ً ملموسة مع كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني و شجعت من أجل الانفتاح على الآخر و إحداث التقاطعات التي تجسد الشراكة الوطنية و الحرص الوطني الذي يفتح الآفاق و يعزز الآمال و المناخات  التي  أنتجها الصمود بمطلب الوحدة الوطنية في وجه الاحتلال و مظالمه .
 
                                                          القيادة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية
                                                                         آذار 2008