صورة العاشق الفلسطيني في رواية زمن الخيول البيضاء
عماد الورداني/ كاتب من
المغرب
ترصد رواية زمن الخيول البيضاء(1) لإبراهيم نصر الله صورة قرية فلسطينية على مدار
قرن من الزمن، تتحول الأنظمة، تتغير صورة الاحتلال، وتبقى "الهادية" شامخة في وجه
مستعمريها، تصمد، تقاوم، وتستمر. يستشهد أبناؤها وخيلها وحمامها وأشجارها..كل شيء
يرحل، لكن سرعان ما تولد أجيال جديدة تواصل رسالة الأجداد والآباء. هناك من يخون
حكاية القرية، ويعرج بها نحو متاهات الذات، عوض اعتناق حلم الذاكرة. وفي كل هذا
المخاض يوجد دوما رجل ما يحمل مشعل القضية، ويضرب بها بعيدا، صانعا أسطورته التي
ستظل الهادية وحدها من يردد ترانيمها.
يصنع إبراهيم نصر الله عالما روائيا يسترفد مادته من الذاكرة الشعبية، ويحاول إعادة
تصنيعها بطقوسها وأحداثها وعاداتها، أفراحها وأتراحها، ليبقى منجزه شاهدا عن صورة
فلسطين الضائعة. تصر إذن هذه الرواية أن تقدم مائة عام من التقتيل والتهجير والخيبة،
ويصر من جهة أن يشكل صورة الفلسطيني الذي يحمي تاريخه، صانعا بذلك ملحمة عربية كتبت
بصوت جماعي.
سأحاول في هذه الورقة استخلاص صورة العاشق الفلسطيني، ومسوغ هذا الاختيار بالدرجة
الأولى هو تجاوز الصورة النمطية التي تقف فقط عند ما هو بطولي له ارتباط مباشر
بالقضية، ولا تتعداها إلى رصد جوانب أخرى من حياته. واختياري للعشق مدخلا للقراءة،
يبرره أن ما يدفع المقاوم للدفاع عن شرف أرضه، هو حبه لها كما يحب كل من يمشي فوقها
ويتنفس هواءها، واستنادا إلى هذا المعطى ومعطى آخر يتمثل في التصدير الذي وقعه صاحب
العمل في العتبات النصية بقوله :"لقد خلق الله الحصان من الريح..والإنسان من
تراب..والبيوت من البشر"، حيث اختزل هذا القول سؤال العشق الذي تفرع إلى أنواع
ثلاثة (عشق الأرض، عشق الخيل، عشق المرأة)، كل نوع خصص له كتابا خاصا به:"كتاب
الريح، كتاب التراب، كتاب البشر". وإن كانت الكتب تتداخل فيما بينها لتؤسس حالة
جماعة من حيث أحلامها وعادتها وقيمها، جماعة صغيرة عايشت الاستعمار عبر تطوره، وهي
بمثابة اختصار لكل الأسر الفلسطينية التي تحلم بوطن حر .
في عشق الأرض:
تعيش أسرة الحاج محمود في قرية اسمها الهادية، وهي إحدى القرى الفسلطينية، غالبية
أهلها يشتغلون بالزراعة وتربية المواشي، وهي مهن تجعلهم مرتبطين بالسماء، تصفر
ملامحهم حينما يصفر القمح وتحبس السماء مطرها، ويتفتحون حينما تجود السماء عليهم
بمطرها. وهم في سباق دائم نحو أداء الضرائب على كل شيء، حتى على خيولهم، ووجودهم
بدءا من الأتراك مرورا بالاستعمار الإنجليزي وبداية وهم إسرائيل..ومع تطور شكل
الاستعمار، ظل الإنسان الفلسطيني البسيط، قابعا تحت نير سلطة غاشمة تنوعت من فترة
إلى أخرى لكن مرارتها ظلت ثابتة. وهي المرارة التي دفعت سكان الهادية إلى الانتفاض
ضد مغتصبيها وآكل حقوقها "راحت الإمبراطورية العثمانية تتأرجح وبدت مستعدة لأن تفعل
أي شيء مقابل الحصول على المال والرجال كمجندين..ووصل الأمر أن يدفعوا الضرائب عن
كل رأس آدمي.."ص46، الحاجة إلى المال والرجال عجلت بإحداث مواجهة بين أصحاب الأرض
والتاريخ، وبين الحالمين بإتاوات أكبر: "ذات مساء وصلت الهادية مجموعة من رجال
الدرك، على رأسهم (ياور) مع أحد محصلي الضرائب.." ص115. إن وصول هؤلاء كان بمثابة
الحدث الطارئ الذي حتما لن ينتهي سوى بخسائر جسيمة، خصوصا أن درك الأتراك سيعبثون
فسادا بممتلكات الفلاحين الصغار، وسيطالبونهم بأداء الضرائب على كل شيء حتى على
الهواء الذي يتنفسونه، غير أن أمر الضرائب سيستفحل حينما ستقع العين على الحمامة
الفرس التي تحبها الهادية بأكملها: "ستكون هذه الفرس هديتكم لوالينا بدل الضرائب
المستحقة على هذا البيت" ص116.
إن اختيار الفرس من طرف دافعي الضرائب، أجج الصراع في الرواية، وذلك عبر تحول رغبات
الشخصيات من مجرد العيش في سلام إلى التطلع نحو الانتقام من الدرك، واستعادة ما فقد
منهم، وخصوصا الحمامة، وهنا، وأمام هذه الخيبة التي أصابت سكان الهادية مقابل
التفوق العسكري والثقة التي يحظى بها الدرك، ستنبري صورة العاشق الفلسطيني الذي
يدافع عن أرضه وممتلكاته، واتخاذ الحمامة وسيلة لإحداث المواجهة إنما هو تمهيد أولي
لإبراز صورة خالد بن الحاج محمود البطولية التي استعادت المسلوب، حيث تمكن في نهاية
المطاف من القضاء على الذين سلبوا من الهادية حقوقها، غير أن الأمر لم يكن ليمر دون
عقاب، وهو ما تفنن فيه الهباب في محاولته استنطاق أهل الهادية والقرى المجاورة، إلا
أن السر ظلا جاثما في صدور الأهالي "كان ثمة سر يعرفه الجميع ولا يبوح به أحد لآخر"
ص123.
إن المواجهة مع الدرك، واقتناصهم في الليل البهيم، أعاد إنتاج صورة خالد داخل
الامتداد السردي، فهي بداية تشكل صورة مقاوم يعشق أرضه حتى الثمالة، لينخرط في صفوف
المقاومة حاملا السلاح تجاه من يود اغتصاب حقه، وبإمكانات بسيطة ورفقة رجال يعني
لهم التراب أشياء كثيرة، ستنطلق حكاية خالد بين القرى والمداشر القريبة متوغلة في
العبور لتصل إلى عمق فلسطين.
خالد لا يقاتل لكي ينتصر بل يقاتل لكي لا يضيع حقه، يقاتل لكي لا تضيع الأرض، وهذا
العشق الأسطوري للأرض، دفعه إلى التضحية بوجوده، وركوب المغامرة والبحث عن هفوات
لاصطياد المستعمر، خصوصا أن الهادية لم تعد مستقلة كما كانت، بل أصبحت المستعمرة
اليهودية واقعا سيتسع يوما بعد يوم ليلتهم فلسطين بأكملها "كما لو أنها سقطت من
السماء، استيقظوا صباحا فوجدوها تغطي رأس التل الغربي..يعرفون أن ما يرونه مستعمرة"
ص258. وبوجود قائد إنجليزي (إدوارد بيترسون) يعشق الخيل والدم سيتمكن من تثبيت
دعائم المستعمرة، وتأمين الحماية لها، ومحاولة إخضاع سكان الهادية: "منذ اليوم
سيكون لكم جيران جدد، وعليكم أن تحترموا وجودهم. سيمنع اقتراب أي شخص أقل من مائة
متر من الأسلاك الشائكة، وكل من يقترب سيتحمل نتائج فعله. هذه الأرض ليست لكم، إنها
أراضي الدولة" ص259.
تختصر الهادية الأوجاع المفتوحة التي أصابت جسد فلسطين، فالمستعمرة التي ولدت في
لحظات وطلبت حقها في تاريخ لا يوجد سوى في الخطط الاستعمارية، هي مستعمرة تختزل
الكيان الذي سيقوم على محاولة طمس كل ما يمكنه أن يربط الفلسطيني بأرضه، وخالد هو
رمز للمقاومة الفلسطينية الجريئة التي رغم ضعف إمكاناتها وعتادها الحربي وتشتتها من
الداخل لوجود خائنين للقضية، سيتمكن من خلق فجوة عميقة في صفوف الآخر، وخلق نوع من
التوازن في قوى الرعب، خصوصا أن خالد يدافع عن قضية، بينما الآخر يدافع عن وهم، لكن
الموت دائما يخطف العاشقين، كان رصاص الإنجليز يخترق جسده لتنتهي بذلك قصة رجل عانق
الأرض، دافع عنها، أحبها إلى حد الموت. يسقط خالد، تسقط الحمامة، وتسقط الأرض..تبدأ
رحلة نحو المجهول، نحو البحث عن أوطان جديدة لا توجد فيها بشاعة مثل تلك التي
مارسها اليهود على أهل الهادية. ورغم ذلك تجود الأرض بخالد آخر يقتنص القائد
الإنجليزي دفاعا عن حوزة الأرض.
في عشق الحمامة:
ترصد الرواية عشق الإنسان الفلسطيني للفرس، وهذا العشق تجسد من خلال العلاقة التي
نحتها سكان الهادية مع الحمامة التي جاءتهم مستجيرة بهم وبشهامتهم "أمام المضافة،
تحت شجرة التوت، كان الحاج محمود يجلس بجانب ولد خالد، مع عدد من رجال القرية، رأوا
في البعيد غبارا قادما، داهمه حس غريب، ومع مرور اللحظات، كان الغبار يتلاشى ويحتل
مكانه بياض لم يروه من قبل، ظل توهجه يزداد شيئا فشيئا حتى بان كله، ولم يكن هناك
ما يفتنهم أكثر من جمال مهرة أو حصان" ص 09، ينفتح المتخيل السردي في الرواية بهذه
الصورة الوصفية التي حاولت أن تشكل صورة الحمامة وهي تنشر بياضها في أرجاء القرية
متخلصة من الغبار الكثيف، ومن سارقها، لكن الحمامة بقيت حرة تسبح في فضاء الهادية،
وحده خالد بن الحاج محمود الذي ظل ساهرا يراقب حركاتها ، ليعلن بذلك بداية حب وعشق
لهذه المهرة التي ستنسيه حزنه على فقدانه أمل. وهو العشق الذي تجاوز خالد ليشمل
القرية بأكملها "تحول الفرح بوجودها إلى خوف، خوف فقدانها" ص24، خصوصا أنها لم
تقترب من الطعام منذ مجيئها، فعشق الامتلاك يقابله كره الفقدان، غير أن التفاعل مع
هذه المعشوقة تنوع بتنوع مدارك العشاق أنفهسم، حيث أحس خالد أنه متيم بها ويخاف
أكثر من غيره فقدانها، وفي جو جنائزي، خالد يبكي والحمامة تبكي، وكأنها في بداية
مصارحة ومكاشفة عن مشاعرهما، ومنذ تلك اللحظة استجابت الحمامة لكل ما يطلبه منها
خالد، لتعم الفرحة والبهجة باقي عشاق الهادية.
إن العلاقة التي تربط خالد بالحمامة يمكن النظر إليها من عدة زوايا فهي علاقة خوف،
حينما يخاف فقدانها، وعلاقة حب حينما ستتمكن من إخراجه من أحزانه، وعلاقة ترقب
حينما ستهرب من مربعها وتقصده للمرة الثانية، وعلاقة تواصل عاطفي حينما سيرى ياسمين
لأول مرة..هكذا تنسج الحمامة علاقات سامية بينها وبين الفارس الذي يقودها حتى جعل
أهل الهادية يستفسرون "من أين له أن يعثر على امرأة كالحمامة" ص76.ستواصل الحمامة
رحلتها مع خالد، ستشهد على تعلقه بياسمين، وستشهد على جميع حروبه المشروعة ضد
المستعمر، وستشهد استشهاده، يومها ستقرر الرحيل دون عودة "نظرت سمية فرأت الحمامة
تأتي من بعيد، تعدو بجنون، ولم يكن عليها أن تحدق كثيرا لتعرف أن الحمامة تعود
وحيدة..بدا وكأن الحمامة تنتظر الحاج خالد أن يترجل عنها، وحين لم يفعل بدأت
الحمامة تبكي" ص375، هنا ستختفي الحمامة من الهادية بشكل نهائي، لتقرر أن وجودها
المادي ارتبط ارتباطا كليا بوجود الحاج خالد، إنها علاقة حب متبادلة بينهما، عبرت
عنها الحمامة ببكائها وهروبها إلى المجهول. لتنتهي قصة الحمامة بانتهاء قصة عاشقها.
في عشق المرأة: تتنوع مداخل العشق في الرواية، ورأينا كيف تمكنت الأرض والخيل من
قلب خالد، وجعلته يعيش من أجلهما. وصورة العشق لا تكتمل سوى بحضور امرأة التي لا
تنفصل عن محاور العشق السابقة، وإنما ترتبط جدليا بما سبق وتؤسس علاقات تفاعلية
تتنوع بتنوع صورة المرأة نفسها، وطبيعة كل مرحلة التي يعيشها خالد في امتداد السرد.
تتماهى المرأة مع الأرض، تتماهى مع الفرس، لتصبح هي الأرض، وهي الفرس، كل شيء عزيز
يقبل التداخل، وحده الحب الذي وحد هذه المكونات وصهرها في قالب محكم. تسكن حياة
خالد ثلاث نساء، يظهرن بشكل مختلف، كل واحدة منهن تشغل حيزا مهما من حياة خالد:أمل
المرأة التي اختطفها الموت.ياسمين المرأة التي اختطفتها تضحيات خالد في سبيل
الأرض.سمية المرأة التي صمدت ضد كل اختطاف. خالد حينما يعشق، يخلص في عشقه، حيث
تكفي النظرة الأولى ليوقن أن قلبه لم يعد ملكه، خالد يحب ليعيش كما يقاتل لكي
يسترجع حقا ضاع منه. تبدأ طقوس العشق بالصمت، تتحول بعد ذلك إلى تكسير الصحون، وهي
عادة من عادات المجتمع الفلسطيني الأصيل، التي تعني أن الشاب أراد أن يطلق حياة
العزوبة ويسكن إلى امرأة، كل عشق كلف عائلته صحونها، وفي كل صحن ينكسر يصر خالد أن
قلبه لن يكون إلا لامرأة معينة سكنته إلى الأبد. "هب الحاج محمود راكضا. وقد أدرك
أن الشوق لامرأة قد ضج في عروق ولده" ص13، لم تكن هذه المرأة سوى أمل بنت الشيخ
ناصر العلي التي عصفت بكيانه، وظلت صورتها تنحت امتدادات داخلها لتتمكن من وجوده "فرحة
خالد بعروسه، كانت تفوق الوصف، يلاحقها في البيت، يمسك بها، يحملها فوق
ذراعيه..يصيح بفرح عسل للبيع، ورد للبيع.."ص17، لكن عشق الرجل لزوجته لن يعمر طويلا،
ليس بسبب حرارة قلبه، وإنما بسبب الموت الذي سيخطف منه الأمل دون رجعة "ظل يهذي:
كيف استطاع أن يأخذها (الموت) من بين يدي وأنا ممسك بها. كيف؟ !! ويقولون له: وحد
الله يا رجل. وحد الله" ص21. هكذا تتجسد صورة العاشق لمرأة منحها خالد مفاتيح قلبه،
وفي غمرة العشق أضاعت المفاتيح، فظل قلبه مغلقا تجاه أي عابرة.
يدخل خالد في دوامة حزن عميق، وهو الحزن الذي يترجم صدق الأحاسيس والمشاعر
الإنسانية التي تسكنه تجاه أمل، لم يكن من السهل عليه أن تملأ فراغ قلبه أي امرأة،
أمل كانت تختصر كل امرأة ممكنة. وحدها عين العاشق لا تخطئ مرماها، ووحدها الحمامة
التي انتشلته من بئر عميق وأعادته إلى الحياة، ومع الحمامة، سيتعرف على ياسمين،
المرأة التي اختلطت بالحلم، وجعلت قلبه ينفتح من جديد للحياة.
"في الطريق الطويل الذي يحاذي حقل الذرة، كان يسير خالد إلى جانب الحمامة ممسكا
برسنها..وفجأة تغير كل شيء. وجها لوجه، وجد نفسه مع تلك الفتاة التي لم يرها من قبل،
فتاة طويلة بعينين عسليتين واسعتين وصدر ناهد وخصر نحيل..ولم تقل سوى ثلاث كلمات
كافية لتغير حياته: أتعرف هذه أنا ! قالتها وهي تشير إلى الحمامة" ص83،82. الحمامة
هي التي انتشلته من بحر الحزن، وهاهي توقعه في بحر آخر هو بحر الحب، لكن أي حب؟
ياسمين لم تكن سوى طيف عابر، سيكلف خالد أياما من العذاب والانتظار، قبل أن تتحول
من حلم عابر إلى حقيقة، وفي زمن الانتظار والسؤال ستتحلق الهادية على حزنه، ويخاطبه
الشيخ ناصر العلي:"أعدت لك ذات يوم من كانت موجودة، لكنني لا أستطيع أن أوجد لك من
لم توجد" ص100، لكن قلب خالد يحس أن امرأة الحلم موجودة" أطلت بكمالها الذي سيظل
عالقا بقلبه إلى الأبد وهو الذي كان يظن أنه لن يراها أجمل مما رآها في ذلك اليوم
على طريق الحقل"ص 129. تبدو الصورة التي رسمها العاشق الفلسطيني لمحبوبته مزيجا من
الحلم والواقع، فهي من جهة امرأة متخيلة زارته في لحظة حلم، ثم تحولت من حلم إلى
واقع. وحينما وجد صورته الضائعة سيقرر من جديد أن يسلمها مفاتيح قلبه لتفتح مشاعره
التي ظلت منصبة تجاه محورين محور الأرض ومحور الحمامة. يضحي بحبه لياسمين من أجل حب
آخر هو حب الأرض، ليعيش حالة الترقب والانتظار "كان الأمر أكثر من حقيقة، ولكنه بدا
له في غمرة تلك الأحاسيس التي فاضت غامرة روحه، بأن ما يعيشه الآن هو حلم لا غير بل
ذكرى." ص129.
أصبحت صورة خالد حدثا استثنائيا في الهادية والقرى المجاورة لها، كان من الطبيعي أن
تقع في غرامه صبايا قريته، وصبايا القرى المجاورة، ليتحول فجأة إلى شيء أكثر من بشر.
وهنا تتضح تلك الصورة الإنسانية التي نحتها الروائي بإمكانات لغوية تتموقع ضمن
امتداد الواقعية خالصة وأحيانا أخرى إلى واقعية سحرية، يتداخل فيها حبه لكل ما هو
راق، وتنكره لكل ما هو مبتذل. إلا أن قلبه سينفتح للمرة الثالثة لامرأة جديدة هي
سمية بنت البرمكي، المرأة التي سترافقه ما تبقى من رحلة عمره، تعيش هواجسه وأحلامه.
إن العشق يختزل عواطف خالد تجاه كل الذين عبروا دربه، وتجاه كل ما يمكنه أن ينتمي
إلى دائرته.
بلاغة العشق: لقد اتخذ العشق في رواية زمن الخيول البيضاء تمثلات كثيرة، وهي تمثلات
نسقية، تنتمي إلى دائرة مغلقة تتوسطها الذات العاشقة ويتوزع هذا العشق بنسب مفتوحة
على الأرض/ الحصان/المرأة، تدخل هذه التمثلات في علاقات تفاعلية فيما بينهما،
فالعاشق الفلسطيني تنازل عن المرأة لصالح الأرض، وسكن قلب المرأة بسبب دفاعه عن
الأرض، والحمامة التي عشقها كانت مطيته في كل الحروب المشروعة التي قادها ضد جلاديه،
بل إنها كانت السبب الأول في انتشار صورة البطل العاشق لمهرته والمدافع عن حقوق
الهادية، وهي التي ستكون مرسال الغرام بينه وبين ياسمين.
تجسد الرواية مائة عام من التشريد والتقتيل، وهي بهذا ترسم مأساة مفتوحة لهوية
تعرضت لمنعرجات كثيرة، من منعرج العثمانيين إلى منعرج الإنجليز وبداية استعمار جديد،
لكن هوية العشق ظلت كما هي تسكن القرى الفلسطينية ومداشرها.
إن عمل إبراهيم نصر الله بالغ الأهمية ذلك أنه يفرغ ذاكرة شعب تعرض للاضطهاد والعنف،
قد تكون رواية زمن الخيول البيضاء رواية الأطروحة، لكنها في نظري تتجاوز التصنيفات
لتنتصر للأحاسيس الإنسانية تجاه كل ما ينتمي إلى عالمها الحالم.
- 1- إبراهيم نصر الله: زمن الخيول البيضاء، الدار العربية
للعلوم ناشرون/ منشورات اختلاف، ط الثانية 2008.