أوباما ونتنياهو: مــاذا بعد؟
إعداد وترجمة: ديما شريف
بعد أكثر من أسبوع على «إهانة» نائب الرئيس
الأميركي جوزيف بايدن على يد حكومة بنيامين نتنياهو، تباينت ردات الفعل على قضية
المستوطنات والحادثة ذاتها. ففي الوقت الذي قلل فيه اليمين الأميركي من أهمية ما
حصل، ثارت ثائرة الديموقراطيين على ما لحق ببايدن، المناصر القوي لإسرائيل. ورغم
هذا الغضب، لا يتوقع بعض الصحافيين أن تتعدى ردة الفعل الرسمية الأميركية التوبيخ
الشفهي الذي تعرّضت له إسرائيل. في المقابل، برزت أصوات عنصرية تطالب بالتوقف عن
بناء المستوطنات قرب الفلسطينيين للابتعاد عنهم قدر الإمكان
توقيت سيئ - آرون ديفيد
ميلر*
بايدن وزوجته جيل لدى وصولهما إلى عمان (أ ف ب)اكتشف نائب الرئيس جو بايدن خلال
زيارته لإسرائيل أمراً يعرفه ربما منذ وقت طويل. فهو توصل إلى أن لا عمل جيداً يمر
من دون عقاب. بعد وصول بايدن إلى القدس لطمأنة الإسرائيليين وتنسيق الجهود بشأن
إيران ومسائل أخرى، أعلنت وزارة الداخلية عن بناء 1600 وحدة سكنية جديدة في القدس
الشرقية.
لقد شاهدت هذا الفيلم من قبل. هو جزء جديد من سلسلة بدأت عندما كنت أعمل مع وزير
الخارجية الأسبق جايمس بايكر. حين ذهب بايكر إلى إسرائيل تسع مرات قبل مؤتمر مدريد
للسلام، كان يُستقبل في أحيان عديدة بأخبار عن مستوطنات جديدة.
لكن الحادثة هذه المرة كانت تفتقر إلى اللباقة. فمع إعلان واحد استطاع الإسرائيليون
إحراج بايدن، وهو صديق مقرّب من إسرائيل، وإهانة الفلسطينيين الذين وافقوا منذ فترة
قليلة على المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، وشككوا بصدقية هذه المفاوضات
المفترضة.
لكن مع كل هذا الضباب الذي يشوب العملية، يبقى السؤال هو: أين الرد الأميركي؟ ماذا
سيفعل الرئيس (باراك) أوباما؟ ليس الكثير. فقد شاهدت ما يمكن أن يحصل في هذه
المواقف مسبقاً.
ليس في مصلحة أوباما أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصعيد هذا الموقف.
رغم المفاجأة، فإنّنا لسنا على شفير حرب إسرائيلية ـــــ أميركية. لكن ما حصل يثير
أسئلة كبرى عن كفاءة الحكومة الإسرائيلية وتماسكها، وإلى أي درجة إسرائيل مستعدة
للتنبه إلى مصالح الولايات المتحدة.
كلّ هذه العوامل تنبئ بمزيد من المشاكل في المستقبل.
جذور الانزعاج الحالي المرتبط بالمستوطنات ليست واضحة كلياً. على الأرجح، فإنّ نائب
الرئيس لم يكن الشخص الوحيد الذي فوجئ بالإعلان. في الحقيقة، إنّ الوحدات السكنية
التي أعلن عنها، رغم أنّه لم يُوافَق عليها رسمياً حتى اليوم، يُحضَّر لها منذ فترة.
كما أنّ رئيس الوزراء، الملتزم بالبناء والإبقاء على القدس الشرقية، كان يعرف
بالتوسع المقترح مسبقاً. لكنّه من الواضح أنّ نتنياهو لم يكن مدركاً لتوقيت الإعلان.
إما أنّ وزير الداخلية أو مسؤولين في الوزارة قرروا، عمداً، تسجيل نقطة فقالوا على
نحو غير مباشر لبايدن «سيدي نائب الرئيس، أهلاً بك! القدس ليست على طاولة المفاوضات.
إنّها لنا».
بغض النظر عن الصراع الداخلي الذي أدى إلى الإعلان، فقد كان الوقع كبيراً. أساءت
الخطوة إلى مصداقية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي العالم، وشككت بنزاهة
المفاوضات المقبلة. تمكنت هذه الخطوة من تظهير أقسى العبارات الأميركية تجاه
إسرائيل إلى العلن منذ سنوات. لكن الكلام القاسي شيء والمحاسبة وردة الفعل شيء آخر.
بالطبع، يقول المحللون إنّ إدارة أوباما ستكون قاسية. مصداقيتها في الشارع في
المنطقة على المحك، والفلسطينيون والعرب يهددون بالانسحاب وعدم مساندة المفاوضات
غير المباشرة.
لكن لا تعتمدوا على التوبيخ الأميركي لإسرائيل، فآخر ما يحتاجه هذا الرئيس هو خلاف
معها؛ لا يملك أوباما سياسة خاصة بالشرق الأوسط لا تتضمن إسرائيل. على قدر ما يمكن
أن يكون الرئيس ونائبه غاضبين الآن من تل أبيب، لا يمكن واشنطن أن تدفع قدماً
بالمفاوضات من دون التعاون الإسرائيلي. ولا تريد الإدارة أن تخسر تأثيرها على
إسرائيل في الموضوع الإيراني، وخصوصاً الآن، مع التحضير للعقوبات عليها. لكن الأهم،
بالنسبة لهذا الرئيس المشغول جداً، أنّ القضية العربية ـــــ الإسرائيلية لم تعد
مرتبطة بالقضايا في واشنطن. بصراحة، هي ليست اليوم أهم أولوية في المنطقة.
❞يعرف أوباما اليوم أنّ قضية المستوطنات خاسرة، فهو لا يستطيع الربح، وخصوصاً عندما
يتعلق الأمر بالقدس
❝يشرف أوباما اليوم على حربين مكلفتين وغير شعبيتين، وهناك ارتفاع في نسبة البطالة،
وفي خضم النقاش في مشروع قانون الرعاية الصحية. لا يحتاج إلى المزيد من الإلهاءات.
وهو يعرف اليوم، إلى جانب ذلك، أنّ قضية المستوطنات خاسرة. فهو لا يستطيع الربح،
وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقدس.
ويمكن الرهان اليوم على بقاء أوباما صامتاً. وهناك احتمال أنّه سيركز في المقابل
على إطلاق المفاوضات غير المباشرة في الوقت الذي يفكر فيه كيف يسد الفجوات في
القضايا الجوهرية، ومن ضمنها الحدود والأمن واللاجئون وبالطبع القدس.
سيضطر الفلسطينيون والإسرائيليون للجلوس إلى طاولة مفاوضات مباشرة. لكن تاريخ
عمليات السلام العربية ـــــ الإسرائيلية الناجحة يبرهن أنّ كلّ اتفاق دام واستمر،
مع استثناء اتفاقية السلام الأردنية ـــــ الإسرائيلية، كان عبر الوساطة الأميركية.
في الوقت المناسب، ربما سيكون هناك شجار كبير مع الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن
اتفاق الوضع النهائي. لو تم التوصل إلى اتفاق كهذا، سيظهر أوباما جيداً، وسيدعم
المصالح الإسرائيلية والفلسطينية.
لم يخسر أحد أمواله من قبل في المراهنة على سلام عربي ـــــ إسرائيلي، وعلى الأرجح
لن يخسر أوباما أيضاً. لكن يجب على رئيس يتحمل فوق طاقته، أن يختار معاركه بتأن.
وملاحقة الإسرائيليين من أجل مسألة القدس ليست واحدة منها.