أوباما ونتنياهو: مــاذا بعد؟

إعداد وترجمة: ديما شريف

بعد أكثر من أسبوع على «إهانة» نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن على يد حكومة بنيامين نتنياهو، تباينت ردات الفعل على قضية المستوطنات والحادثة ذاتها. ففي الوقت الذي قلل فيه اليمين الأميركي من أهمية ما حصل، ثارت ثائرة الديموقراطيين على ما لحق ببايدن، المناصر القوي لإسرائيل. ورغم هذا الغضب، لا يتوقع بعض الصحافيين أن تتعدى ردة الفعل الرسمية الأميركية التوبيخ الشفهي الذي تعرّضت له إسرائيل. في المقابل، برزت أصوات عنصرية تطالب بالتوقف عن بناء المستوطنات قرب الفلسطينيين للابتعاد عنهم قدر الإمكان
 


مسيرة الحماقة - أوري درومي*


تتطرق باربارا تاكمان في كتابها «مسيرة الحماقة» إلى أربع حالات في التاريخ تصرفت فيها حكومات عكس ما تقتضيه مصالحها. فهناك حكام طروادة الذين سمحوا للإغريق بإدخال الحصان القاتل وسطهم، وحكام الفاتيكان الذين سمحوا بالانفصال البروتستانتي، البريطانيون الذين خسروا أميركا، وأميركا التي خسرت حرب
فييتنام.


عندنا سمعت أنّه خلال زيارة نائب الرئيس جوزف بايدن لإسرائيل، وافقت الحكومة على بناء 1600 منزل في القدس الشرقية، تذكرت كتاب تاكمان.


إلى جانب خطأ إحراج صديقك المقرّب وحليفك، هناك خطأ جوهري آخر. فعبر توسيع المستوطنات عوض إبعادها عن الفلسطينيين ما دمنا نستطيع فعل ذلك، نحن الإسرائيليين نضع أنفسنا في خطر خسارة الدولة اليهودية والديموقراطية التي وصلنا إليها بعد كم كبير من التضحيات. بكلمات أخرى، نحن انغمسنا في مسيرتنا الخاصة إلى الحماقة. نحن نفعل ذلك وأعيننا مفتوحة.
أتوقع من وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، أن يكون يعرف ذلك. فمنذ أكثر من عشرين عاماً، حين كان لا يزال جنرالاً في الجيش وأنا كنت مسؤولاً عن دار النشر الخاصة بالجيش الإسرائيلي، شجعني على ترجمة كتب التاريخ العسكري. «يجب أن نتعلم من التاريخ»، قال لي.


بما أنّني أعرف أنّ السيد باراك قرأ «مسيرة الحماقة»، بدأت أتساءل لما ظل صامتاً ولم يعترض على الاتجاه الذي اتخذته إسرائيل تجاه التحول إلى دولة ذات شعبين. وأخيراً، في مؤتمر في تل أبيب في 25 كانون الثاني الماضي، قال «إنّ غياب أي حل لمشكلة ترسيم الحدود داخل الأرض التاريخية لإسرائيل هو الخطر الأكبر لمستقبل إسرائيل وليس القنبلة الإيرانية».

❞ماذا لو بدأ الفلسطينيون بالمطالبة بحقوق الملكية الخاصة بهم؟


❝بالضبط. لكن يبدو أنّه مع كل يوم جديد يصبح من الصعب ترسيم الحدود. من المنطقي أن نستنتج أنّه عندما تُقسَّم الأرض، فإنّ المستوطنات الكبيرة القريبة لخط ما قبل 1967 ستبقى ضمن

 إسرائيل مع تبادل مناطق في المقابل.


لكنّ المستوطنات الصغيرة الموجودة داخل المناطق الفلسطينية الكثيفة السكان هي التي ستجعل هذا الفصل صعباً أو مستحيلاً. لو كانت الحكومة الإسرائيلية ستستعير صفحة من كتاب تاكمان، كانت ستعلن أنّها ستنسحب من أغلب أراضي الضفة الغربية في انتظار ترتيب البيت الفلسطيني. يمكن إرسال قوات حفظ سلام دولية للمحافظة على مستوى معين من الأمن لحين تأسيس دولة فلسطينية قابلة للحياة.


ماذا عن اليهود في هذه المستوطنات الصغيرة، تلك الموجودة داخل الدولة الفلسطينية المستقبلية؟ سيضطرون للاختيار بين العودة إلى إسرائيل أو البقاء والتحول إلى مواطنين يحترمون القانون في الدولة الفلسطينية.


لكن في إسرائيل اليوم هذا حلم. في الوقت الذي يتكلم فيه الناس عن خطر تحوّل إسرائيل إلى دولة ذات شعبين، تبدو الحكومة عاجزة أو غير راغبة في فعل أي شيء لتجنّب حصول ذلك.
دعوني أقُلْ إننّي متعلق بكل جزء من أرض إسرائيل، وخصوصاً القدس. لكن في حالتنا هذه، الخيار ليس بين الجيد والسيئ بل بين السيئ والأسوأ. والاحتفاظ بكل الأرض قد يكون كارثياً.


نحن اليوم في فراغ والحالة تزداد سوءاً. إذا كان تقسيم الأرض في الضفة الغربية صعباً، فهو في القدس شبه مستحيل. لكنّ هناك دافعاً دائماً لتوطين اليهود في المناطق العربية من المدينة، وأخيراً في الشيخ جراح. وحقيقة تمتع هؤلاء بالحقوق القانونية للتملك لا تساعد على المدى الطويل، فماذا لو بدأ الفلسطينيون بالمطالبة بحقوق الملكية الخاصة بهم؟


تخيّلوا السيناريو الآتي: يقرر الفلسطينيون ألا يفعلوا شيئاً، وينتظرون بصبر إلى الوقت الذي لا يعود ممكناً فيه تقسيم الأرض. ستصبح البلاد دولة ذات شعبين.


بعد ذلك، فلنفترض أنّ الإسرائيليين لن يعودوا يجرؤون أو لم يعد يسمح لهم العالم بإدارة البلاد كدولة فصل عنصري، عندها سيبدأ الفلسطينيون بالتوصيت في الانتخابات والترشح للبرلمان.


الخطوة المقبلة هي أنّ الفلسطينيين، عبر ارتفاع نسبة الولادة لديهم، سيصبحون أغلبية ويتمكنون من تمرير قانون في البرلمان يسمح للجميع بالعودة إلى منازلهم السابقة. عدد قليل من اليهود سيستقر في الأحياء العربية في القدس أو في وسط الخليل. في الوقت نفسه، سيُسمح لمئات الآلاف من الفلسطينيين بالعودة إلى منازل تركوها في 1948، في حيفا ويافا والقدس وغيرها.


هل سيسمح الإسرائيليون الذين يحاربون لعقود ادعاء الفلسطينيين بـ«حق العودة» بدخول حصان طروادة بإدراك منهم، وبالتالي حفر قبر الدولة اليهودية بأيديهم؟ أم سيستيقطون قبل أن ينضموا إلى «مسيرة الحماقة»؟



*عن «نيويورك تايمز»

 

 

18/03/2010