أوباما ونتنياهو: مــاذا بعد؟

إعداد وترجمة: ديما شريف

بعد أكثر من أسبوع على «إهانة» نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن على يد حكومة بنيامين نتنياهو، تباينت ردات الفعل على قضية المستوطنات والحادثة ذاتها. ففي الوقت الذي قلل فيه اليمين الأميركي من أهمية ما حصل، ثارت ثائرة الديموقراطيين على ما لحق ببايدن، المناصر القوي لإسرائيل. ورغم هذا الغضب، لا يتوقع بعض الصحافيين أن تتعدى ردة الفعل الرسمية الأميركية التوبيخ الشفهي الذي تعرّضت له إسرائيل. في المقابل، برزت أصوات عنصرية تطالب بالتوقف عن بناء المستوطنات قرب الفلسطينيين للابتعاد عنهم قدر الإمكان
 


المواجهة - روبرت درايفوس*


يتحضّر اللوبي الإسرائيلي لما يمكن أن يكون أهم مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ حرب السويس في 1956، حين طلب الرئيس (دوايت) آيزنهاور من تل أبيب وحلفائها، فرنسا وبريطانيا، إيقاف الاعتداء غير المبرر على مصر. من وقتها، كانت الصراعات الأميركية ـــــ الإسرائيلية صغيرة نسبياً ومرتبطة بمسائل جانبية، كالخلاف حول بيع الرئيس (رونالد) ريغان طائرات «أواكس» للسعودية في بداية الثمانينيات. وكذلك مواجهة الرئيس (جورج) بوش (الأب) مع إسرائيل في بداية التسعينيات، حين هددت الولايات المتحدة بحجب ضمانات الديون بعدما خرّبت حكومة اليمين الإسرائيلية عملية السلام. هذه المرة، لو لعب الرئيس (باراك) أوباما أوراقه لعباً صحيحاً، يستطيع إسقاط حكومة بيبي نتنياهو المتطرفة. لكن كلّ ذلك يعتمد على إمكان إظهار أوباما الشجاعة والنباهة الضروريتين لتحد شامل للجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) وحلفائها. لقد أشرت العام الماضي في مقال كتبته لمجلة «ماذر جونز» إلى ضعف «آيباك» أمام أي تحد مباشر من أوباما، وخصوصاً مع ظهور «جي ستريت»، اللوبي المناصر لإسرائيل والمناصر للسلام. منذ عام، كان يبدو ممكناً سلوك أوباما هذا الاتجاه. فقد عيّن المحايد جورج ميتشل مبعوثه للشرق الأوسط، ما أزعج «آيباك». وعيّن عدداً من المساعدين في البيت الأبيض مثل جنرال (جيمس) جونز ومارا رودمان وهما من المتعاطفين مع الفلسطينيين ويناصران معسكر السلام الإسرائيلي. أطلق أوباما مجهوداً كبيراً لإعادة بناء العلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي، وكان من ضمنه خطاب حزيران في القاهرة. تطلب كلّ ذلك جهداً أميركياً إضافياً للحصول على تنازلات من إسرائيل التي دخل في مواجهة معها بسبب مستوطناتها غير الشرعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مطالباً بصراحة بأن توقف تل أبيب بناءها. انهار كلّ هذا تقريباً. لم يصل ميتشل إلى أي مكان. رفض نتنياهو بصراحة المطالب المتعلقة بالمستوطنات، واستمر في بنائها ولم يواجه أي عواقب. والأسوأ من ذلك، فشل أوباما في الدفع بخطة أميركية للسلام لإعادة البدء بالمفاوضات. كنّا بحاجة آنذاك، كما اليوم، لتحديد من أوباما لما يمكن أن يكون عليه شكل التسوية النهائية. هل ستكون عودة إلى حدود 1967 مع بعض التبادل في الأراضي، وتقسيم القدس، وإزالة المستوطنات الإسرائيلية من الضفة الغربية، ودولة فلسطينية سيّدة، وصفقة بشأن حق العودة من ضمنها سلة تعويضات مموّلة من السعودية والخليج، وربما نوع من الضمانات الأميركية الأمنية لإسرائيل. لم يستطع أوباما تلبية ذلك. لم يحدد أبداً الهدف النهائي. الآن لديه فرصة أخرى. وصلته فرصته الجديدة الأسبوع الماضي حين صفعت حكومة نتنياهو نائب الرئيس بايدن الذي كان يزور إسرائيل، فأعلنت خلال هذه الزيارة المهمة والدقيقة خطّتها بناء 1600 منزل يهودي جديد في القدس الشرقية المحتلة. وكان من تداعيات هذا الحدث أن تجنّدت إدارة أوباما كلّها ضد إسرائيل. السؤال المحوري ليس ما إذا كان أوباما وفرقته سيوجهون ضربة بلاغية لإسرائيل كما فعلوا، بل عن وجود عواقب ملموسة لها، وإذا كانوا سيعيدون إطلاق عملية السلام عبر طرح رؤية الرئيس للشروط التي يجب على إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية الموافقة عليها.


أعود هنا إلى افتتاحية «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي بعد فشل زيارة بايدن، التي قالت «نأمل أيضاً أنّه إذا طالت هذه العملية أن تكون الإدارة مستعدة لتضع اقتراحاتها بشأن القضايا الجوهرية المتعلقة بالحدود واللاجئين والأمن ومستقبل القدس. لدى السيد أوباما فرصة أخرى للدفع بعملية السلام إلى الأمام. ويجب عليه أن يجيد فعل ذلك هذه المرة».


استخدم بايدن بالطبع كلمة «ندين» خلال ردة فعله على عمل إسرائيل المتحدي، فقال: «أدين هذا القرار». ثم أصبحت الولايات المتحدة أكثر شراً. استخدمت هيلاري كلينتون، التي تفتخر بكونها مثل بايدن مناصرة لإسرائيل، كلمة «إهانة» في مهاجمة إسرائيل، فقالت إن «إعلان بناء المستوطنات في وجود نائب الرئيس كان مهيناً». وبعد موافقة أوباما، وبّخت نتنياهو على الهاتف لمدة 45 دقيقة. وقال مستشار البيت الأبيض السياسي دايفيد اكسلرود إنّ «ما حصل هناك كان تحدّياً، وكان إهانة».


خلال ادّعاء اعتذار، أصر نتنياهو، كما يفعل كلّ نظامه اليميني، على أنّ ذلك لن يغيّر سياسته أو يجعله يتراجع.


في هذا الوقت، يتجند اللوبي. قالت «آيباك»، في بيان دفاعي، إنّ كلّ ما حصل هو «ملهاة». وأضاف البيان أنّ المنظمة تدعو الإدارة إلى «اتخاذ الخطوات الضرورية لإنهاء التوتر مع الدولة اليهودية... يجب على الإدارة أن تقوم بجهد واعٍ للابتعاد عن المطالبات الشعبية والمهل الأحادية الموجهة ضد إسرائيل».


واتهم آيب فوكسمان، عضو «عصبة مناهضة التشهير» المدافعة عن كلّ ما تفعله إسرائيل، الولايات المتحدة بقيامها بـ«ردة فعل مبالغ بها» للإهانة الإسرائيلية. وقال «إنّنا مصدومون من نبرة الإدارة والهجوم الشعبي على إسرائيل في قضية البناء المستقبلي في القدس. ليس باستطاعتنا تذكر موقف سابق وُجّه خلاله كلام قاس بحق صديق وحليف للولايات المتحدة. لا يسعنا سوى التساؤل عن المدى الذي تستعد الولايات المتحدة للذهاب إليه لاسترضاء الفلسطينيين على أمل أن يروا أنّه في مصلحتهم العودة إلى طاولة المفاوضات».


وتحاول مجموعة من أصدقاء إسرائيل في الكونغرس استباق ردة الفعل المقبلة لأوباما. فقالت النائبة شيلي بيركلي إنّ مواقف كلينتون وأكسلرود «ردات فعل مبالغ بها». كما قال النائب جون بونر إنّ «النبرة والأسلوب اللذين نراهما من الإدارة مخيبان


❞بدأت إدارة أوباما تفهم أنّ التصلب الإسرائيلي، وخصوصاً مع حكومة نتنياهو، هو عقبة كبيرة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة ❝للآمال ومثيران للقلق». العديد من المحافظين الجدد ساهموا بأفكارهم أيضاً. إليوت أبرامز اتهم في مقال في «واشنطن بوست» إدارة أوباما بأنّها «تسيء معاملة» العلاقات مع إسرائيل. وأضاف إنّ الإدارة تستمر في الابتعاد عن المسار التقليدي لمناصرة إسرائيل. في الإطار نفسه، أعربت دانيال بليتكا من «معهد المؤسسة الأميركية» عن الخوف من «انجراف كبير» يبعد أميركا وإسرائيل بعضهما عن بعض. واستنتجت أنّ «إسرائيل والولايات المتحدة تبتعدان بعضهما عن بعض منذ فترة، وزادت الوتيرة خلال عهد أوباما. ولا يمكن حصر الأسباب وراء ذلك بمهمة فاشلة واحدة (زيارة بايدن) أو رئيس مختلف (أوباما). هناك تغيير كبير يبعد إسرائيل الما بعد صهيونية عن أميركا القرن الواحد والعشرين». وحذر روبرت ساتلوف من «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» المناصر لإسرائيل الإدارة من ابتعادها عن إسرائيل بعد إهانة بايدن، فقال «سيكون قصر نظر من الإدارة أن تستخدم هذه الحادثة كمناسبة لمكافأة الفلسطينيين... وسيكون من الأخطاء التحليلية للإدارة أن تفكر بأنّ هذا الحادث هو فرصة للحث على النهاية السياسية لنتنياهو».


ما يكمن وراء كلّ ذلك ليس فقط ردة فعل على إعلان مهين خلال زيارة نائب الرئيس بايدن. على العكس، على مستوى جذري أكثر، بدأت إدارة أوباما تفهم أنّ التصلب الإسرائيلي، وخصوصاً مع حكومة نتنياهو، هو عقبة كبيرة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، من العراق إلى إيران إلى الصراع ضد تنظيم «القاعدة». ويبقى أن نرى ما إذا كان البيت الأبيض يتمتع بالشجاعة للقيام بشيء تجاه ذلك. لم يكن لديه الشجاعة في 2009. لكن هذه 2010.


*عن «ذا نايشن»، مجلة أسبوعية يسارية



 

 

18/03/2010