الحقائق التاريخية لا تمحوها تواقيع العملاء وكلامهم
خليل
قانصو
3/11/2010
عندما يظهر للعيان، شاب فلسطيني، ليصرح بالفم الملآن بأنه إنحاز، ولم يكن ،بعد، قد
تجاوز العشرين من عمره، نهائيا الى جانب الغزاة الذين يستعمرون فلسطين وينكلون
بسكانها، منذ بدايات القرن الماضي، في حين أن والده، محتبس لدى هؤلاء المستعمرين،
مثله كمثل آلاف المعتقلين، الذين زُج بهم في السجون عقابا، أو إستبـــاقا،
لإعتراضـــهم ضد الإضطهاد العنصري، يتســـاءل المشاهـــد : ما الــــذي يدفع
فلسطينيا طريّ العود إلى هذا المخرج المفاجئ، من مكان إقامته، في الولايات المتحدة
الأمريكية، حيث يمضي كما يبدو اوقـــاتا سعيدة، بعد أن قـدّم خـــدمات جليلة، بحسب
إعترافاته، للمستعــمرين الإسرائـــيليين؟ فما رشح من الصحف يفيد بأنه أستبدل
فلسطين وأهلها السجناء والمحاصرين واللاجئين الذين ينتظرون في مخيمات البؤس،
بالولايات المتحدة الأمريكية والإنجيليين والمستعمرين الإسرائيليين.
من البديهي أنه لا يمكن إعتبار تحوّل وأستدارة هذا الشاب ناتجين عن وقوفه على حقائق
، كانت خافية عليه، فولـّدت لديه قناعات جديدة. إذ ما نلاحظه فيما يتعلق بالقضية
الفلسطينية، هو المحاولات الدؤوبة، من أجل طمس الحقائق البيـّنة والشواهد الدامغة.
خذ اليك مثلا، كيف قوبل التقرير عن الجرائم الشنيعة التي وقعت في قطاع غزة أثناء
الهجوم الإسرائيلي الأخير. وأنظر الى ما كشف عنه مؤرخون أسرائيليون، من مجازر
ارتكبتها المليشيات الصهيونية سنة 1947، فضلا عن إستخدام الأساطير القديمة، وتوظيف
العداء ضد السامية الذي أستشرى في بلاد الغرب، أبان الحقبة التي سبقت الحرب
العالمية الثانية. لقد إخترع المستعمرون شعبا يهوديا (شلومو سند)، ووطنا يهوديا
ولغة يهودية (ماكسيم رودنسون)، وتوقعوا بأن ما يقومون به من حفريات وأبحاث سوف يأتي
بالدلائل التي تؤيد مزاعمهم، بأن ملكية فلسطين تعود إليهم، اعتمادا على أن سكانها
كانوا يهودا في الأزمنة الغابرة، قبل ظهور عيسى ابن مريم. ولكن، بعد مضي قرن من
الزمن، خيـّبت الحفريات آمالهم وكذبت إدعاءاتهم. فليس مستبعدا أن يكون مهد التوراة
في الجزيرة العربية (كمال الصليبي)، وأن يكون الكثيرون من العبرانيين قد أعتنقوا
الإسلام.
من المفيد في إطار هذا الإستطراد، ذِكر ما كتبه المؤرخ البريطاني أرنولد تونبي 'كان
اليهود يعرفون سنة 1948، بحكم التجربة، ماذا يفعلون. وهنا تكمن مأساتهم العظمى.
فكونهم لم يستخلصوا العبرة من تصادمهم مع النازيين قادهم، ليس إلى النأي بأنفسهم عن
الجرائم التي إقترفها النازيون ضد اليهود، ولكن إلى تقليدهم'.
هل يـُعقل إذن، أن يتخلى المرء عن عواطفه تجاه، أبناء جلدته وأبويه وأشقائه، ليس
أستجابة للحق والقيم الأخلاقية ومبادئ العدالة والمساواة، ولكن أستجابة للعدوان
والإغتصاب ولإنتهاك الكرامات والحرمات؟ وهبْ أنه فعل هذا كله بغية منافع مادية،
كالحصول على إقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى اجر مقابل ظهوره في وسائل
الإعلام وتقديم رواية أعدّها، خبراء الدعاية في المؤسسة الإستعمارية الإسرائيلية،
فإن ذلك لا يعدو حلقة جديدة، من حلقات العمل على تقويض الثقة بالنفس، وزعزعة ركائز
النضال الوطني من أجل تحرير الأرض وحرية الإنسان وإحترام حقوقه في العمل والعيش
بأمان، فضلا عن السعي إلى إخفاء اثار الجريمة التي كانت فلسطين، ولا زالت مسرحا لها.
بمعنى آخر، إن وقوع غلام يافع، من أبناء المضطهدين في حبائل المستعمرين، لا يـُعدّ
في حد ذاته أمرا جللا، وحدثا نادرا. كما أنه لا يـُغيـّر، على الأطلاق، حقيقة أن
طرفي المعادلة هما، المستعمـِرُ من جهة والمستعمـَرُ من جهة ثانية. وما يصبو اليه
المستعمرون هو أضعاف المقاومة والقضاء عليها، حتى يتسنى لهم إفراغ الأرض من سكانها
الأصليين، بطريقة من الطرق التي أتقنوا أستخدامها منذ أزيد من مئتي عام. وبكلام
أوضح ،إن المستعمرين عندما يبرزون شابا فلسطينيا أصطادوه ، كمثل الشاب الذي يعترف
بأنه ساعدهم على إعتقال أبيه، وهذا الأخير قيادي في حركةٍ مقاومةٍ للإحتلال، فإنهم
لا يكشفون بذلك، هوية عميل من عملائهم وحسب، ولكنهم يريدون ايضا، أن تتجه الأنظار
إلى والده، والى التنظيم الذي ينتمي إليه تحديدا . أما غايتهم فهي عدا بث الشكوك في
أهلية ذلك التنظيم وصدق رجالاته، تحويل طبيعة الصراع، من نضال من أجل التحرر الوطني،
الى نزاع على الساحة الوطنية وكأن الهزيمة النهائية، صارت واقعا ملموسا، ولم يبق،
أمام فلول المقاومين سوى تبادل التهم، والإقتتال فيما بينهم.
فلا معدى إذن عن التوكــــيد على أن الإســـرائيليين إختاروا، هذا الوقت بالذات،
لتسليــــط الضـــوء على أنضمام ابن مسؤول في حركة حماس، الى العمل معهم. والأرجح
أنه ليـــس من باب الصدفة أن يتم ذلك، بينما شرطة دبي، تعرض يوما بعد يوم صورا
جديدة، لعملاء من المخابرات الإسرائيلية دخلوا إلى الأمارة ،و شاركوا في إغتيال
مسؤول آخر في حركة حماس. وليس مستبعدا، بحسب هذه الشرطة، التي لم تقدم بعد البرهان
على ما تدعيه ، أن يكون هؤلاء العملاء قد أستفادوا من مصدر داخل حركة حماس نفسها.
وخلاصة القول في هذا الموضوع، أن بإستطاعة المستعمرين الإسرائيليين، أن يحصــــلوا
على جوازات سفر من دول غربيــــة، وعلى تعــــزيزات 'من المرتزقة يأتونهم من
أنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ومن البحارة، والإختصاصيين في حرب
العصابات' كما حدث سنه 1947.
وبأستطاعتهم أيضا تجنيد، الكثيرين، في ديار العرب، من ضعفاء النفوس والجهلة. لا
سيما وأننا، في هذا الزمان، بتنا في حيرة من أمر الولاة، ومن 'سوء ظنهم بالبقاء
وقلة أنتفاعهم بالعبر'. حتى أنك تظن بأنهم أقرب إلى المستعمرين والغزاة، من قربهم
إلى الناس الذين يدعون تمثيلهم والعمل من أجلهم. ولكن هذا كله، لا يعفي المقاومين
من النظر إلى الأخطاء التي يقعون فيها.
ومهما يكن، فلا جدال، بأن المستعمرين حققوا في الماضي نجاحات كبيرة، وأنهم سوف
يحققون أيضا، نجاحات اخرى في المستقبل. ولكن سيأتي وقت لا محالة، يلاقون فيه
الإخفاق والهزائم. إن للمقاومة ضد المستعمر، قانونا، تنساه الشعوب المضطهدة، إلى
حين قبل أن ترتجعه ذاكرتها في نهاية الأمر. فإذا ما طبق في الداخل الوطني، وفي
ساحات المواجهة، إنقشع السحاب. لقد ترك مقاتلو حرب التحرير الجزائرية، في هذا
المجال، دروسا عظيمة للفلسطينيين، وللجزائريين أيضا.
ولأعد من بعد، إلى المؤرخ تونبي، لأختم هذا الفصل، بما قاله في محاضرة له 'إن
المعاملة التي لقيها العرب من اليهود سنة 1947، تستحق الإدانة، بالمعايير الأخلاقية،
مثلها كمثل المجزرة النازية التي راح ضحيتها ستة ملايين يهودي. أن المجازر التي
تعرض لها المدنيون العرب على يد القوات المسلحة الإسرائيلية، نفذت بدم بارد، للوصول
إلى هدف معروف. من يقتل رجلا واحدا، فهوقاتل، دون الحاجة لقتل ستة ملايين من البشر
أو ألفا منهم فقط'.
*كاتب لبناني
kansoukhalil@gmail.com