أبو إبراهيم الكبير

 رشاد أبو شاور

17/03/2010

ذات يوم من أيّام العام 1968، اصطحبنا صديقنا الكبير الكاتب والباحث ناجي علوش، لزيارة رجل من أعظم من أنجبتهم فلسطين، وهو القائد العسكري الميداني البارز في ثورة فلسطين الكبرى 1936 - 1939، أبو إبراهيم الكبير، أحد رفقاء القسّام الذي أشعل باستشهاده الثورة، بعد أن مهّد لها دعوةً وتنظيما وتحريضا لعدّة سنوات.


توجهنا إلى سوق السكّر في العاصمة الأردنيّة عمّان، وهو أعرق أسواقها وأقدمها، لنلتقي برجل اقرب إلى الأسطورة بالنسبة لمن ألمّوا بشيء عن تاريخه الوطني الجهادي.


وجدنا أنفسنا أمام رجل نحيل الجسد، معتدل الطول، يقف في مدخل (دكّان) لا تعدو مساحته أن تبلغ ستة أمتار، وقد وضعت في المدخل (تنكتان) عليهما (جواعد) - جلود خراف - ليجلس عليها مرتادو الدكان من الزبائن والأصحاب، ولذا لبثنا واقفين في تلك الزيارة، واضطر بعضنا للانحشار في المدخل لضيق المكان.


وقف الرجل وقد غرس يده اليمنى بين الحزام الجلدي العريض والقمباز، ورحّب بنا بود وتواضع، ومن ثمّ طلب لنا قهوة من مقهى مجاور.


كنّا في بدء انفجار المقاومة بعد هزيمة حزيران (يونيو) 67، كتّابا شبانا طالعين من المخيمات، بعضنا من الضفّة، وبعضنا من سوريّة، ووافدين من مناف بعيدة.
كنّا متلهفين للتعرّف بمن بقي من الآباء الذين سبقونا في النضال، وحصدوا المرارة بسبب الخذلان الرسمي، والتآمر الدولي، ولا سيّما تآمر بريطانيا، والنتيجة نكبة ما زلنا نعيشها، وقد تفاقمت بما جرّته هزيمة حزيران من ضياع لبقيّة فلسطين: الضفّة والقطاع.


وقف الرجل صامتا في الدكان الضيّق، ينطق وجهه، وصمته، بما قاله إبراهيم طوقان شعرا في الفدائي:


صامت لو تكلما
لفظ النار والدما


بعد رحلة العذاب الفلسطينيّة، لم يبق ما يقال لدى جيل الآباء المنكود الحظ، والذي رغم شجاعته واستبساله وتضحياته فشل في إنقاذ الوطن من براثن المُخططات الصهيونيّة.
كثيرون سمعوا أغنية فرقة العاشقين التي لحنها الموسيقار الفلسطيني الكبير حسين نازك - أتمنّى له الشفاء من المرض الخبيث الذي غزا جسده - وكتبها الشاعر أحمد دحبور، وغنّاها حسين المنذر:


أبو إبراهيم ودّع عز الديني
دمّوا عربي وقلبو فلسطيني


لعلّ مسلسل عز الدين القسّام الذي كتب نصّه (دحبور)، وأسهم في كتابة السيناريو له الشاعر الصديق ممدوح عدوان، قد عرّف بأبي إبراهيم الكبير ودوره، وإن كانت الأغنية والمسلسل التلفزيوني لا يكفيان لتقديم تجربة الرجل للأجيال الفلسطينيّة، ففي تجربة الحركة القسّاميّة وأبطالها ثمّة جوانب بقيت مجهولة حتى يومنا هذا، لأن أولئك الرجال لم يتنبهوا إلى أهمية كتابة شهاداتهم، لعدّة أسباب، منها عدم اهتمامهم بالترويج لأنفسهم وأدوارهم.


منذ سنوات بعيدة عرفت أنه تمّ تسجيل (شهادة) أبي إبراهيم الكبير على عدّة أشرطه، ولكن بسبب الأحداث التي عصفت بالثورة الفلسطينيّة، خفّ الحديث عن أبي إبراهيم وجيله، وما عدنا نعرف أين انتهى المطاف بتلك الأشرطة التي تتضمن شهادته الثمينة.


فجأةً وصلتني رسالة بالبريد الإلكتروني من الصديق رفيق رحلة العمر الكاتب والصحافي والناقد الأدبي نزيه أبو نضال - وهذا اسمه الحركي، أمّا الحقيقي فهو غطّاس الصويص - تتضمن خبرا أسعدني وهو صدور كتاب (مذكرات أبو إبراهيم الكبير) القائد القسّامي لثورة 1936- 1939.


نزيه أبو نضال عكف على تفريغ 20 شريطا سُجّلت مع أبي إبراهيم في العام 1977، أي قبل وفاته بعامين، وبحضور ابنه المناضل الراحل صلاح (أبو الرائد).
أبو إبراهيم الكبير هو محمد عيسى عجاك، عائلته من المزرعة الشرقيّة قضاء رام الله، وهو ولد في حيفا في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. سنة ميلاده غير محددة..فمن كان يسجّل ولادة أبنائه بدقّة في الحقبة العثمانيّة التي كانت تسود فيها الأميّة والجهل والتخلّف وسوء الإدارة؟!


توفي والده، وسجن شقيقه بسبب حادث (دهس)، فتحمّل مسؤولية العائلة وهو دون الخامسة عشرة.


كنّي بأبي إبراهيم بالكبير تمييزا له عن مجاهد آخر هو أبو إبراهيم الصغير توفيق إبراهيم، وهو أيضا قائد ميداني قسّامي، وقد كتب عنه الدكتور عبد السلام العجيلي في كتابه (جيش الإنقاذ)، وكان تعرّف به أثناء معارك الجليل الأعلى في فلسطين عام 1948.


يكتب نزيه أبو نضال في مقدمة الكتاب: كان عمر أبو إبراهيم آنذاك، عندما تمّ التسجيل معه، يناهز الثمانين عاما، إلاّ أنه كان يحتفظ بصحوه كاملاً، كما كان يمتلك ذاكرةً مدهشةً تختزن أدق الحوادث والتفاصيل.


يضيف أبو نضال: هذه المذكرات تمتد على مساحة ثمانين عاما، وتشمل فلسطين وسورية ولبنان والعراق..وصولاً إلى اليونان وألمانيا وروسيا واليابان وفرنسا، ثمّ عودة إلى لبنان وسوريا وفلسطين ..وأخيرا الاستقرار في الأردن ..بعد نكبة 1948.


هذه الشهادة الشفويّة سجّلت بلهجة الرجل الشعبيّة، وهو فلاّح لم يغيّر لهجته رغم تنقله في بلاد كثيرة، تخرّج في ميادين المعارك التي خاضها في فلسطين، والعراق، حيث انضم لثورة رشيد علي الكيلاني مع عشرات الفلسطينيين الذين كانوا قد لاذوا بالعراق نجاة بأنفسهم من مطاردة الإنكليز في فلسطين.


يضع أبو نضال في مدخل الكتاب ثبتا بمراحل حياة أبي إبراهيم، وبتنقلاته في بلدان عربيّة وأجنبيّة، ويكشف للقارئ أن هذا القائد الصلب والذكي والمتواضع كان يوقّع البيانات والبلاغات العسكريّة التي يصدرها في الثورة الفلسطينيّة الكبرى بما يلي: المتوكّل على الله أبو إبراهيم.


يورد أبو نضال مقاطع طويلة من شهادة هذا القائد الميداني الكبير، وأحيانا يمهّد بتوطئة تذكّر القارئ بظروف فلسطين آنذاك، وتنبّه إلى جوانب ربما تكون خافية على القارئ.
في هذه المذكرات شهادات لأبي إبراهيم، ولبعض القساميين، عن علاقة القسّام بمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، وبوجهة نظر الشيخ القسّام وتحديده للحظة الخروج إلى (نورس) والبدء بالتحضير للثورة.


أبو إبراهيم لم يخرج مع من اصطحبهم الشيخ القسّام معه، لأنه وعددا من القساميين كانوا قد خرجوا حديثا من السجن، وهذا يعني أنهم كانوا مراقبين، وحتى لا يكتشف أمر التحرّك حرص الشيخ القسّام على بقائهم في أماكن عيشهم.


هناك من يظنون أن حركة القسّام كانت عفويّة وارتجالية، ولكن شهادة أبي إبراهيم تؤكّد على أنها كانت حركة منظمة: تعرّفت على الشيخ القسّام عام 1927، وفي العام التالي فاتحته بضرورة العمل، وراجعته أوّل وثاني وثالث، فاتفقنا على تشكيل جمعيّة سريّة. وفعلاً صرنا أنا والشيخ نلاحظ الشباب الذين يحضرون الدروس - في جامع الاستقلال بحيفا - ويتأثرون بها. فمن وجدنا عنده قابليّة نقوم بزيارته، ونأخذ موافقته على الانضمام للجمعيّة، وبالفعل تأسست الجمعيّة سنة1928 .(ص21)


هذا المجاهد الكبير، أسهم في تفجير الثورة من جديد، بعد أن اكتشف مع إخوانه كذب بريطانيا، وأسهم في حرب 1948 كنائب للقاوقجي في منطقة الجليل، وبعد النكبة دعا لاستئناف القتال حتى لا يرتاح العدو...


صدر الكتاب في رام الله عن المجلس الأعلى للتربية والثقافة، وبدعم من المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم...
أمّا والكتاب يضيف للشهادات الفلسطينيّة جديدا، فإنني أتمنى صدوره في طبعة عربيّة لتيسير وصوله للقرّاء الفلسطينيين بخاصة، والعرب بعامة..حتى يتعرفوا على نوعية من القادة تنتمي حقّا لفلسطين وشعبها.

 

موقعه الالكتروني أنقر هنا : الكنعاني