|
قبل
عامين، التقى عدد من
الكتاب الأجانب والعرب في مهرجان أدبي
نوعي،
رعته شركة طيران
الإمارات في دبي، ومصدر أهمية المؤتمر في ذلك الاختيار
الدقيق
والغني لضيوفه، بحيث
تحول إلى ظاهرة ثقافية احدى أهم مميزاتها ذلك التفاعل
بين
المدعوين.
تحدث
الأدباء عن تجاربهم،
وتحدث بعضهم عن تجارب تحويل أعمالهم
الروائية
إلى أفلام سينمائية،
بعضها حصد أهم الجوائز العالمية، ولكن، من بين
النشاطات
التي نظمت، ذلك اللقاء
الذي تم عبر دائرة تلفزيونية مغلقة بين دبي وكندا،
وشارك
فيه عدد من الكتاب
والمهتمين بمسألة الرقابة وحرية التعبير، على
الجانبين.
كنت
لم أزل أعاني أيامها من
تحويل ديواني الشعري (نعمان يسترد لونه)
إلى
القضاء، محفوفا بمجموعة
من التهم الكبيرة التي لا يحتملها قلب أي قصيدة في
العالم.
لذا،
كان من الطبيعي أن
أشارك في هذه الحلقة.
لكن،
ولأن الحديث يجرّ
الحديث،
والأسئلة تتفرع، فقد
ولدت لدي، في ذلك اليوم، فكرة لم أكن قد وجدت لها اسما
من
قبل، وهي الرقابة
الكونية التي يعاني منها الأدب العربي، والأدب الفلسطيني بشكل
خاص،
في علاقته بدور النشر
العالمية.
أعرف
أن هناك اختراقات تمت
وبصورة لا بأس
بها،
لكنها في معظمها
اختراقات تمت لأسباب خارجة عن فكرة الأدب بشكل كبير.
ويمكن
أن
أضرب مثلا للصعوبات
التي تواجه كتابا فلسطينيين، ما حدث لمذكرات المناضلة عائشة
عودة
(أحلام بالحرية) في أحد
معارض لندن للكتاب، حين قال لها أحد الناشرين الأجانب
بكل
صفاقة: لو كنت يهودية
وتتحدثين عن تجربتك في السجن لاشترينا حقوقه
فورا!!
كما
أن هناك تجربة أخرى مع
دار كبيرة قرأت إحدى الروايات الفلسطينية وكان
ردها:
إنها رواية أجيال رائعة،
تتبع مسيرة عائلة فلسطينية بصورة مبهرة، ولكن هذه
الرواية
خارج خطتنا. والسؤال:
ماذا لو كانت هذه الرواية رواية أجيال يهودية، هل
كانت
دار النشر ستضعها خارج
الخطة؟!
ما
أثار هذا كله، هو ما
تعرض له موقع (مبدعون
فلسطينيون) الذي تم إقفاله، من قبل إدارة (الفيس بوك) لأنه نشر موضوعا عن
الشهيدة
الفلسطينية دلال
المغربي، حيث لم يعد باستطاعة القائمين عليه الدخول
والتحكّم
بالمواد ونشرها.
لقد
أقفلوا الباب من الداخل،
وتركوا أهل البيت في
العراء.
لست
أدري، هل كان يمكن أن
تقوم إدارة الفيس بوك بخطوة كهذه ضد موقع
صهيوني
يروِّج لإنسانية الجدار
العنصري!!! الذي قضت محكمة العدل الدولية بإزالته،
أو
يروج لرمز صهيوني عنصري
مثل باروخ غولدشتاين الذي اقتحم الحرم الإبراهيمي ذات
يوم
وقتل المصلين في داخله،
غولدشتاين، الذي كان قد خدم في الجيش الإسرائيلي، وفي
إطاره
تدرب على حمل السلاح.
وبعد تسريحه من الجيش، راح يعمل طبيبا عاما في مستوطنة
كريات
أربع. وفي إحدى ليالي
رمضان سنة 1995، عندما كان المصلون يقيمون صلاة
التراويح
في الحرم الإبراهيمي
الشريف في الخليل، داهمهم هذا الطبيب!! وهو يحمل
مدفعا
رشاشا. وراح يطلق عليهم
الرصاص، فقتل على الفور 29 مصليا منهم، وحين خرج
الفلسطينيون
في مظاهرات صاخبة، قتلت
قوات الاحتلال الصهيوني منهم عشرينا آخرين،
إضافة
إلى 149 جريحا. واعتبر
اليمين الإسرائيلي المتطرف مقترف هذه المذبحة، قديسا.
وأصبحوا
يحيون ذكراه في كل سنة،
ويمجدون أفعاله الشخصية في كل مناسبة.
لو
أحيا
موقع
صهيوني تلك الذكرى،
وليس ثمة شك في أن هناك مواقع تحييها، على الفيس بوك
وخارجه،
هل يمكن أن تملك إدارة
الفيس بوك الجرأة فتغلقه؟!!
إن
ثمانية عشر ألف
مشترك
في موقع (مبدعون
فلسطينيون)، ليس لهم صوت، وليس لهم رأي، وهم بالتالي ضحية
مذبحة
إعلامية تمارسها هذه
الرقابة الكونية لأن موقع (مبدعون فلسطينيون) تجرأ ونشر
موضوعا
عن مناضلة فلسطينية
تؤكد مئات قرارات الأمم المتحدة أن لها الحق في وطنها،
وتؤكد
حقها في الكفاح من أجل
حريته وحريتها، وتؤكد حقها في العودة إلى
أرضها.
هذه
الكلمات بمثابة تحية
للموقع والقائمين عليه، والمشاركين فيه أيضا،
وهي
دفاع عن حق الفلسطيني
في أن يصرخ ويتكلم ويتألم ويحكي ويكتب ويغني ويرقص ويحلم
ويذهب
ويعود، وينسى ويتذكر،
ويزرع ويحصد ويولد ويكبر ويعيش ويقاوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة " القدس العربي "
* روائي
وشاعر فلسطيني مقيم في عمّان . |