عزت
القمحاوي
غارق في تاريخ مصر قبل ثورة يوليو هذه الأيام، ليس بدافع الحنين الذي جعل مسلسل
الملك فاروق الأعلى مشاهدة في السنوات الماضية، بل بدافع مهني بحت، حيث أعمل على
رواية تتقاطع مع التاريخ.
والتاريخ الذي أعنيه هو تاريخ البشر لا الحكام، ومن حسن الحظ أن هناك مدرسة جديدة
بدأت ملامحها تستقر، ولها أعلامها من الشيوخ والشباب، تعتمد مصادر جديدة لقراءة
التاريخ مثل حجج الأوقاف وسجلات الملكية الزراعية وما تحويه المكتبات الشخصية في
بيوت أثرياء الماضي، وكل ما يمكن أن يقع تحت يد المؤرخ ويفيد في إضاءة جانب من
جوانب الحياة المصرية التي تعرضت للتعتيم بفعل قصور المنهج أو فساد الضمير. وكلاهما
انتهى بنفي الروايات لصالح رواية وحيدة رائجة لصالح الاستعمار الأجنبي قبل الثورة
والاستعمار الوطني بعدها!
في سياق التأريخ الجديد، المناويء للرواية الرسمية، شيوخ مثل الراحلين رءوف عباس
ويونان لبيب رزق وجيل تال بطلته الأشهر نيللي حنا، فخالد فهمي وشريف يونس وغيرهم من
الجيل الأكثر شبابا. وقد تولى د.يونان قبل رحيله سلسلة من الدراسات التاريخية عن
دار الشروق المصرية بعنوان 'من الجانب الآخر' عنيت بإعادة قراءة التاريخ المصري،
ولا نعرف مصيرها بعد رحيله.
ومن كتب هذه السلسلة 'أزمة الكساد العالمي الكبير وانعكاسها على الريف المصري'
للدكتور علي شلبي أستاذ التاريخ بجامعة المنوفية، الذي قدم من قبل كتبًا عن الريف
المصري في القرن التاسع عشر، والمصريين والجندية، والأزمة الاقتصادية العالمية
والأمن العام في الريف المصري.
في كتاب أزمة الكساد العالمي، يدرس أوضاع الريف المصري منذ لحظة انهيار بورصة
نيويورك في خريف 1929 حتى 1934 موردا مظاهر الفقر التي نتجت عن قلة الطلب على القطن
المصري، وما أثاره ذلك من آراء وتدابير اتخذتها الحكومة المصرية لتصحيح خطأ الوقوع
في فخ الاقتصاد الأحادي منذ عهد محمد علي وحتى وقوع الأزمة بتحول مصر إلى مزرعة
للقطن.
ويورد شلبي وقائع العنف العنف الذي تعامل به بعض عمد الأرياف في تحصيل الأموال
الأميرية والضرائب من الفلاحين إلى حد الضرب بالكرباج، ويسجل واقعة وفاة فلاح في
المستشفى الأميري ببنها إثر الضرب على يد شيخ الخفر، وتولي مكرم عبيد باشا الدفاع
باسم ورثته المدعين بالحق المدني ضد القاتل.
أوضاع غاية في البؤس عاشها الفلاح المصري في تلك الفترة، ينفيها أنصار الملكية
الغاضبون من ثورة يوليو، الذين يكثرون الآن بفضل موجة الجراد التي ترعى في مؤسسات
الدولة المصرية لتتمكن منها. لكن مع ذلك البؤس القديم كان هناك مجتمع يقاوم، وسلطة
على غشمها تستجيب للاحتجاج، وكانت لمديري المديريات (المحافظون الآن) سلطات تسمح
لهم بتخفيف أعباء المديونيات، كما كانوا على اتصال بالسلطة المركزية ومجلسي النواب
والشيوخ، ويقترحون ترحيل الضرائب عامًا أو أكثر أو دخول الدولة مشترية لمحصول القطن
والاحتفاظ به لحين عودة أسعاره إلى معدلاتها الطبيعية، أو تسليف المنتجين لتتيح لهم
فرصة الاحتفاظ بأقطانهم في حوزتهم.
وهذه كلها إجراءات لجأت لها الحكومات المختلفة، سواء كانت الوفدية أو الموصوفة بغير
الوطنية كوزارة اسماعيل صدقي باشا، الذي كان ضليعا في الاقتصاد ويؤمن بالرأسمالية
الغربية، مع ذلك اتخذ الكثير من التدابير منها الاتصال بالبنوك لوقف مطالباتها
للمزارعين، وتقسيط المتأخرات من ديون الفلاحين للحكومة على خمس سنوات بدون فوائد.
كانت السلطة حاضرة في كل مكان على أرض مصر، وكانت صحف تلك الفترة متغلغلة في الريف
المصري، ولها مراسلوها في كل ناحية يمدونها بالخبر والرأي من واقع حال الفلاح.
وينقل مراسل الأهرام في منيا القمح بمديرية الشرقية وقائع تعنت الصيارفة الذين
يقفون للتحصيل، بمنتهى الشدة والاستبداد، قبل أن ينتهي الفلاحون من جني قطنهم.
وكان في مصر في ذلك التاريخ جريدة اسمها 'الفلاح المصري' تصف في عدد من أعدادها
الانهيار الكبير في أسعار المواشي في سوق قويسنا، بسبب حالة البيع الجبري التي
وقعتها مديرية شبين الكوم بواسطة معاوني مركز قويسنا تسديدا للأموال الأميرية '..هذا
وقد بيع أربعة ثيران وجاموسة يمتلكها الشيخ علي عبدالعال من مزارعي بلدة دمهوج صفقة
واحدة بمبلغ ستة عشر جنيهًا، وبيع لآخر جاموسة وحمارة بمبلغ 420 قرشا صاغا'.
الآن لم تعد الصحف المصرية تبعد بتغطياتها عن القاهرة ولم تعد تهتم بأكثر من
ترحركات بيت الرئاسة، ولم يعد بيت الرئاسة يستجيب لما تنشره، أما صحف الفلاح فقد
تحولت هي الأخرى بعد التأميم إلى صحف قاهرية بلا قضية ولا يقرأها أحد، ولديها جيوش
من المتعطلين فرضهم النظام فرضًا على المؤسسات الأخرى التي لم تزل على قيد الحياة،
في كارثة عرفت بالدمج ولم يستطع الصحفيون وقفها العام الماضي.
لم يعد للفلاح من يجهر بشكواه، وإن وجد فالصوت لا يصل إلى سلطة تفشل في تصريف مياه
نصف ساعة من الأمطار في شوارع العاصمة لمرة واحدة في العام، وتدير علاقاتها مع
العالم من إمارة شرم الشيخ؛ فكيف ستنتبه إلى الفلاحين الذين ينقرضون مع مهنتهم
الأشرف بين المهن؟!
14/03/2010