واشنطن تستبعد «سياستها» لحساب نتنياهو  

*تحسين الحلبي

إذا كانت العقوبات التي ترغب واشنطن في فرضها على طهران لن تنجح في تحقيق أهدافها بسبب قوة وصمود إيران وموقف موسكو وبكين اللتين تتمسكان بالعلاقات مع طهران وإذا كان الخيار العسكري ضدها لن يحقق نتائجه إضافة إلى الأخطار الهائلة التي يحملها على المصالح الأميركية فإن النتيجة المنطقية لموضوع الملف النووي الإيراني هي تسليم واشنطن بإيران نووية كأمر واقع مفروض لا يمكن تجاوزه.. وهذه الفرضية أو الاحتمال الذي يتزايد الاعتقاد بصحته أصبح يقلق إسرائيل ويشكل لها كابوساً لم تستطع ثلاث حكومات إسرائيلية متعاقبة إزالة مخاوفه ومضاعفاته على أهدافها وطموحاتها في المنطقة.


ففي تحليل نشرة (معهد أبحاث الأمن القومي) الإسرائيلي قبل أيام يرى (أزولاي ايفرايم) أن الولايات المتحدة باتت تقترب من التسليم «بحتمية امتلاك إيران للسلاح النووي» وأن إدارة أوباما ستجد نفسها مضطرة للإجابة عن الأسئلة التي ستنجم عن هذا التسليم إذا ما أصبح علنياً وخصوصاً على السؤال المتعلق بإسرائيل... فالسياسة الأميركية لم تكن تسمح في هذه المنطقة لأي طرق تتعارض سياسته مع الولايات المتحدة بالتحول إلى قوة تنافس أو تتجاوز القوة الإسرائيلية أو مكانة إسرائيل في المنطقة وانتقال إيران إلى وضع تكون فيه أكبر قوة من إسرائيل سيضع إسرائيل أمام خيارين: إما القبول بالأمر الواقع ما دامت واشنطن قبلت به والقيام في الوقت نفسه بمحاولة الحصول على الثمن من واشنطن، وإما العمل على تخريب هذه الحتمية التي وصلت إلى واشنطن بكل طريقة إسرائيلية ممكنة..


ومن الملاحظ أن إدارة أوباما ونتنياهو اختلفتا حول الملف النووي الإيراني من ناحية أولويته أو أولية التوصل إلى حل متفق عليه في العملية السلمية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وكذلك من ناحية علاقة هذا الحل وتأثيره على الملف الإيراني برمته.. فقد أعلن أوباما في أكثر من مناسبة في الأسابيع الأولى من رئاسته أن لا تقدم في العملية السلمية سيساعد في حل الملف النووي الإيراني بما يخدم الأهداف الأميركية» فرد نتنياهو على هذه السياسة بالإعلان بأن الأولوية لإنهاء الملف الإيراني وليس للعملية السلمية ورفض إعطاءها أي دور مؤثر على الوضع الإيراني أو على الوضع في المنطقة. وبعد عام على هذا الخلاف يبدو أن سياسة نتنياهو هي التي جرى تنفيذها على الأرض فقد جمد العملية السلمية ووسع الاستيطان واستمر في حملة التهديد بشن حرب على إيران وقبلت إدارة أوباما بالأمر الواقع الذي أراد فرضه نتنياهو على طريقته في الملف الفلسطيني.


وهذا ما ظهرت دلائله واضحة أثناء زيارة (بايدن) نائب الرئيس الأميركي إلى تل أبيب وغطرسة نتنياهو الاستيطانية بحضور (بايدن) وكأنه يقول لإدارة أوباما إن «الأمر الواقع النووي الإيراني الذي ستسلم به واشنطن لطهران يجب أن تقبض إسرائيل ثمنه تسليماً بما ترغب تل أبيب في فرضه كأمر واقع إسرائيلي في العملية السلمية وفي الضفة الغربية.


فإمعان الإدارة الأميركية بمطالبة السلطة الفلسطينية بالجلوس إلى طاولة التفاوض مع إسرائيل بلا شروط ودون تجميد للاستيطان ربما يشكل الثمن الذي تقدمه إدارة أوباما لنتنياهو بعد وصولها إلى نقطة «حتمية تسليمها بإيران نووية» بموجب ما يستنتجه (ايفرايم) في دراسته في «معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» فالعجز الإسرائيلي والأميركي تجاه كسر إرادة إيران وقوى الممانعة العربية ولدّ نوعاً من القدرة الإسرائيلية على ابتزاز واشنطن في أكثر من ملف وموضوع يهم المنطقة وخصوصاً فيما يتعلق بالمفاوضات مع السلطة الفلسطينية ولذلك يصعب القول إن نتنياهو فاجأ (بايدن) (وميشيل) في إعلانه أثناء وجودهما في تل أبيب بتوسيع الاستيطان لأن إدارة أوباما بدأت تعد سياسة أخرى تختلف عما أعلنه أوباما في بداية عامه الأول.


2010-03-16

تحسين الحلبي : رئيس تحرير مجلة الى الامام ، كاتب وأديب وباحث فلسطيني وأسير سابق