إذا صحّت الأنباء التي تحدّثت عن استجابة فلسطينيّة للضغوط الإسرائيليّةـ الأميركيّة التي مورست لإلغاء حفل إشهار ميدان يحمل اسم الشهيدة "دلال المغربي" في رام الله، والتراجع عن فكرة إطلاق اسم دلال من حيث الأساس على أيّة رقعة من أرض فلسطين، نكون قد سلّمنا للعدو آخر بيارقنا، ومعها ذاكرة بنادقنا، وأسماء من سيستشهدون من أبنائنا وأحفادنا وأحفاد أحفادنا، وأعلنّا على الملأ، وعلى رؤوس الأشهاد، تخلينا المطلق عن رفات شهداءٍ قاوموا بالرصاص، وسقطوا برصاص الأعداء، وتنازُلِنا النهائي عن تراب وطن سُلب بالقوّة.
"قال انكَتِم.. فانْكَتَمت"..
هكذا ردّد "سعيد إبى النحس المتشائل" في "الوقائع الغريبة".
أهكذا فعلنا، إذا ما صحّت الرواية. قالت لنا إسرائيل انكتموا.. فانكتمنا؟!
غداً، ستطلب إسرائيل إنزال صور ياسرعرفات، بزيِّه العسكري، عن حيطان البيوت، وجدران المدن.. عن ذاكرة العين وحديث اللسان وزوايا القلب. فالرجل شكّل الرمز التاريخيّ الفلسطيني لإطلاق الرصاصة الأولى (1965)، وقاد شعبه في كلّ المعارك التي تقتضيها حرب التحرير الشعبيّة، وخاض كلّ أشكال النضال، وفي مقدمتها.. "الكفاح المسلّحّ"!
***
سينقلب الواقعيون المعاصرون على ظهورهم لشدّة الضّحك، ونحن نستعيد التعبير الأخير بمفردتيه اللتين باتتا غريبتين. فالواقعيون السياسيون يرددون أنهم لا يعتذرون لأحد عن دعم المقاومة، مضيفين للدقّة: الشعبيّة.. السلميّة!
نُدرٍك أن السياسيين يتعاملون، في عملهم اليوميّ، مع فنّ الممكن. نتفهم ذلك ونختلف معهم بلغة من حقها أن تمارس النقد والاختلاف. ونُدرك أن المحلل السياسيّ هو الذي يقرأ الواقع الملموس ويقترح شكل النضال الملائم للمرحلة. أمّا المثقفف، فهو يتعامل مع المباديء، والقيم، والاستراتيجيّ. والمبدأ الأساس يقول: إن مقارعة المُحتل، المُدجج بالسلاح، تتمّ بكلّ أشكال النضال السياسي والعسكري والجماهيري والعلمي والثقافي.. وغيرها، وإن الكفاح المسلّح هو الشكل الأرقى للنضال الوطني ضدّ عدوّ غاصب.
ستقول لي صديقتي القديمة "ليانة بدر" إنني دقّة قديمة، لم أتمكن من فهم متغيرات العصر وتحديث لغتي وقناعاتي التي تعلمناها معاً على مقعدٍ واحد، وهي التي أراها تُسهم في تحديث محمود درويش ("الأيّام" ـ 10/3)، ليغدو وكأنه غاندي الشّاعر، الذي سيبدي إعجابه، من مكانه الأخير، بتقدُّم النضال ضد الجدار وسرقة الأرض، بابتكار "أشكال جديدة من المقاومة اللاعنفية"!.
كأنما ليس هو محمود درويش نفسه الذي قال شعراً، إنه إذا ما جاع ورآهم يسطون على أرضه، يأكل لحم مغتصبيه. كأنه لم يستلّ من تينة الصدر غُصناً وينسفُ دبّابةَ الفاتحين. كأنه لم يكتب عن أحمد العربيّ الرصاص البرتقال، ابن المخيم الذي ينمو لينجب زعتراً ومقاتلين (لم يوضِّح أنهم لاعنفيين!).
إنه الاتجاه الثقافي اللاعنفي نفسه، الذي ذهب بجائزة محمود درويش، في أولى دوراتها، إلى كاتبة عربيّة لم ننس أنها زارت رام الله بتكليف من إحدى الصحف البريطانيّة بعد وقت قليل من انطلاقة الانتفاضة الثانية، وأنها بالمناسبة، قامت بزيارة لمستوطنة "بساغوت" القائمة على أرض جبل الطويل في البيرة، والتي ظلّت تتولى مهمّة قصف المدينة بنيران الصواريخ الجهنمية (لم تكن بالتأكيد لاعنفيّة)، والتقت أحد كبار المستوطنين هناك، الذي قدّمته بكلمات لا تخلو من الإعجاب، مشيدة بأسلوبه الخفيض في الحديث.. وبذوقه الحضاري الرفيع!؟
في عهد المقاومة اللاعنفيّة.. المقاومة الشعبية السلمية، في مواجهة الوحشيّة والاحتلال، لن نستطيع، للأسف، سوى أن نكون "دقّة قديمة"، ونعيد التأكيد على أرقى أشكال النضال.
***
من يهن يسهل عليه الهوان، ويسهل على الآخر إهانته. المسؤولون الإسرائيليون قالوا للمتشائل: إنكتِم.. فانكتَم!
أمّا "ولاء"، إبنه الوحيد من زوجته "باقية" (الذي نقّب "تيدي كاتس"، تلميذ "إيلان بابيه" عن المجزرة الرهيبة التي ارتكبها الإرهابيون الصهاينة في قريتها الطنطورة)، فقد انتشل من كهف في صخرة أسفل سطح البحر هناك، صندوقاً خبيء طويلاً، يحتوي على ما هو أغلى من الذهب: السلاح!
عندما حمل "ولاء" رشّاشه وتشبّث به، رفض أن يكون الولاء والاحتراس قدره. نسمعه وهو يصيح في وجه والده، أنه جاء إلى هذا الكهف ليتنفس بحريّة.
وهو، منذ أن امتشق سلاحه، ما زال يتنفّس حريّته، تحت الماء.. دون أن يغرق!
النضال والخيانة في طروحات ليانة
فــاروق وادي
دون تحية أو سلام، تشنّ ليانة بدر رسالتها المتوتِّرة، رداً على مقالتي الأسبوع الماضي بعنوان "قال انكتم .. فانكتمت" (الأيام 19/3/2010). وقد آثرتْ الكاتبة عبرها، أن تنأى عن المناقشة العلنيّة التي تلتزم الحوار الهادىء ويكون القاريء هو الحَكَم فيها والفيصل، واختارت عوضاً عن ذلك أسلوب الردّ الثنائيّ، حتّى تأخذ الكاتبة راحتها في تزوير الكلام، والمزاودة عليّ بنضالها الوطني السلمي اللاعنفي، حتّى أنها لا تتردّد بالزعم أنني كتبتُ عنها بطريقة "لا تحمل شيئاً من احترام آراء الأصدقاء". ولأن حبر مقالتي لم يجف بعد، فإنني أدعو من يشاء لإعادة قراءتها، مُعترفاً بخلافي مع قراءة ليانة اللاعنفيّة لمحمود درويش، ومتجاوزاً إسفافها في تحليل خلافي مع تلك القراءة بأنه، وفق تعبيرها.. "لتُظهر ثوريتك المفترضة" (على اعتبار أن ثوريتها خالصة مُخلّصة، وليست مُفترضة!). ولكن يبدو أن مثل هذا الخلاف الثقافي ـ السياسي، يُفسد، لدى النزقين الذين لا يتحملون كلمة نقد واحدة، للودّ ألف قضيّة!
من الكلمات الأولى لرسالة ليانة، يبدأ التزوير: "أنت حرّ إن كنت لا تؤمن بالمقاومة الشعبيّة اللاعنفيّة، وأنت حرّ إن لم تشارك في مسيراتهم" (تقصد مسيراتها). وهنا، أحيل القاريء إلى مقالتي التي لم يلفها النسيان بعد، للتثبُّت من هذا التزوير المفضوح، والتي أكّدتُ فيها أنني، وفي ظلّ وجود احتلال غاشم، أؤمن بـ "كلّ أشكال النضال وفي وقدمتها الكفاح المسلح"، ثمّ كرّرتُ القول أن المبدأ الأساس في النضال يقول: "إن مقارعة المُحتل، المُدجج بالسلاح، تتمّ بكلّ أشكال النضال السياسي والعسكري والجماهيري والعلمي والثقافي.. وغيرها، وإن الكفاح المسلّح هو الشكل الأرقى للنضال الوطني ضدّ عدوّ غاصب".
أعتقد أن القول بكلّ أشكال النضال، ومنها الجماهيري ـ الشعبي، لا ينطوي على التنكُّر لشكل النضال الذي يُخاض في بلعين ونعلين وغيرهما من بؤر النضال اليومي. فمن أين جاءت ليانة بتهمة عدم الإيمان بالمقاومة الشعبيّة. أما عدم مشاركتي في "مسيراتهم"، فليانة تعرف أنني أقيم بعيداً عن مكاني الأوّل.. رام الله، لأسباب ليس هنا مجال شرحها، ولكنني سأعتبر جملتها تلك هي الجرعة الأولى في مزاودتها على الأرض والسماء بنضالها اللاعنفي، وهي المزاودة التي تتصاعد، في آخر الرسالة، باتهامها الأهوج أنني أقيم في "أبراجٍ عاجيّة"، لنسمعها تقول: "وكلّ ما أتمناه أن تأتي لتشاهد التجربة وأن تترك أبراجك العاجيّة كيّ تراها عن قرب". إذاً، فكل فلسطيني في المنفى هو خائن، يُقيم في برج عاجيّ، يستحق أن تحمل ليانة معولها وتهدمه على من فيه، لأنه لا يشاركها نضالها اللاعنفي!
أعيد التأكيد، رغم اعتقادي بأن كلامي لم يكن فيه شيء من اللّبس (ولكنني أؤمن أن التكرار يُعلِّم في النهاية)، على أنني أثمِّن عالياً النضال الشعبي بكلّ أشكاله، وإن أختلفُ في تسميته باللاعنفيّ. فعنف الأعداء، الذي يتصاعد يوماً بعد يوم، في نعلين وبلعين وكلّ مكان على الأرض الفلسطينيّة، يقتضي عنفاً مقابلاً يعرف كيف يُجدِّد أشكاله. كما أنني أختلف مع الاتجاه اللاعنفي بما هو أكثر من ذلك، وهو تشديد أصحابه على أنه (الشكل الوحيد) للنضال الفلسطيني، الأمر يؤكده قفز ليانة عن المسألة الجوهريّة لمقالتي، بما يوحي بموافقتها الضمنيّة على ما حدث: التنكُّر للشهيدة دلال المغربي وللشكل الأرقى، الاستراتيجي، لمقاومة المحتل، وهو الكفاح المُسلّح.
ويبلغ تصعيد المزايدة المثيرة للرثاء إلى حدّ أن تصرخ ليانة في وجهي، وكأنني أحول دون قيامها بالمهمات النضاليّة اللاعنفيّة: "أما أنا فاتركني مع أهل بلعين ونعلين والنبي صالح ودير نظام. فمن عملهم الجماعي سوف تُشرق شمس فلسطين الجديدة". والحقيقة أنني أحترم إيمان ليانة بشروق شمس فلسطين الجديدة من هناك، ولكنني لا أتفق معها في أن هذا الطريق هو الوحيد، الذي استبدل به اللاعنفيون كلّ الطرق الأخرى لشروق الشمس.
هل من حقّ ليانة، (التي لم تعجبها مخاطبتي لها بـ "صديقتي القديمة"، رغم أن عُمر رفقتنا تجاوزت الآن الأربعين عاماً)، وبعد هذا الفيض المريع من المزاودة التي دلقتها في وجهي، أن تتهمني بأنني أزايد عليها، أو حسب تعبيرها، أقوم بعمليّة.. "تنفيس عن المرارة في وجوه من تسميهم (الأصدقاء)، فأي صداقة هذه التي تتيح لك أن تزاود بها على غيرك؟".
لا أدري عن أيّة مرارة تتحدّث ليانة. ولكنني سأفترض حُسن النيّة، وأقول إن مقالتي انطوت على مرارة يمكن أن يكون عنوانها "الارتداد". إرتدادنا عن تقديس العنف الثوري، إلى تقديس اللاعنف. إرتدادنا عن احترام المقاتل إلى التغزُّل بالبيروقراطي. إرتدادنا عن تخليد الشهداء إلى دفعهم نحو دوائر النسيان. وارتداد البعض منّا عن مباديء الثورة وأفكارها العظمى إلى تبني مبادرات التنازل تلو التنازل.
لقد أرادت ليانة أن تحرف خطابي هذا إلى الحديث عن جائزة محمود درويش. والحقيقة إنني لم أخض تفصيلاً في هذه القضيّة، لأنني لا أملك حيثياتها، وإن كانت لديّ عديد من الأسئلة: ما هي الأسس والمعايير التي اعتمدها القائمون على الجائزة؟ كيف يجري الترشيح؟ وعلى أيّ أسس تمّ الاختيار؟ وماذا قالت لجنة التحكيم لتبرير اختيار من اختارتهم؟ كلّ هذه الأسئلة لم أطرحها، لأنني لم أكن أرغب في الكتابة عن الجائزة، ولا أن أدخل في أحقيّة أو عدم أحقيّة من نالها أو نالتها. فقد أشرت إلى أن الاتجاه اللاعنفي الذي يهيمن على المواقع المؤثِّرة في حياتنا السياسيّة والثقافيّة، شاء أن يدفع لاختيار كاتبة زارت مستوطنة "بسغوت" وكالت المديح لأحد كبار المستوطنين فيها، واسمه بالمناسبة "حاييم بلوخ".. الذي وقف ينتظرها "بكل ذوق" خارج بيته.. "له ذقن طويلة كستنائيّة ويتحدّث بأناة وحرص وصوت منخفض". ثم تُسهب الكاتبة في بسط آرائه "الحريصة" على الاحتلال والاستيطان (جريدة "الحياة" اللندنيّة 22/12/ 2000). ذلك دون التقليل من أهميّة مبادرتها تنظيم مهرجان أدب فلسطين بعد ذلك بسنوات.
لم أقرأ رواية أهداف سويف التي اقترحتها عليّ ليانة "خارطة الحبّ"، لأنني لم أتردد على لندن، للأسف، حيث صدرت، لأحصل على نسختي من هناك. ثمّ إنني مثلي مثل زملاء ليانة من الشبّان الفلسطينيين على جبهة نعلين وبلعين، لا أجيد قراءة رواية عربيّة منفيّة في لغة أجنبيّة، خاصّة وأنها تتجاوز الخمسمئة صفحة. تلك واحدة من نقاط ضعفي التي أقرّ بها، وإن كان رأيي الذي عبّرت عنه في مقالتي لم يدّعِ أنه يطمح في إبداء رأي في أعمال الكاتبة سويف ومستواها الفني (بالمناسبة، فقد نُشر إعلان حديث عن صدور ترجمة الرواية إلى العربيّة في القاهرة. وبذلك سوف يسهل وصولها إلى القاريء العربي).
"لم يعجبني ما كتبته"..
لعل هذه الكلمات هي أصدق ما جاء في رسالة ليانة، وربما تكون الكلمات الصّادقة الوحيدة فيها. والحقيقة إنني لم أنتظر إعجابها، ولكنني انتظرت أن تفتح حواراً ثقافياً وسياسياً حضارياً علنياً، غير أن ظني خاب. ولم تكن المرّة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يخيب الظنّ فيها ببعض الأصدقاء والرفاق القدامى.. في أزمنة التراجع والسقوط!
24/03/2010