صقر أبو فخر " صلي على النبي".. البديهيات ليست ذاتها!- ناصر السهلي

 

مقدمة في "الصلاة على النبي" 
 

قرأت لصقر أبو فخر " أيها الفلسطينيون صلوا على النبي ".. أظن أنه حين تقع " طوشة" بين الفلسطينيين فهم يستخدمون نوعا من المفردات الداعية للتهدئة والتروي " صلوا على النبي".. وأحيانا كثيرة لا يلتزم من فقد عقله بمثل تلك الدعوة.. أغلب الظن أن بعضنا يعتبر المشهد الفلسطيني بات " طوشة" لا أول ولا آخر لها، فليس الكل من يلتزم بطلب العزيز صقر أبو فخر! 
 

أتفق شخصيا مع صقر أبو فخر في تشخيصه للمحاولات السابقة لتشكيل "الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة ".. على أني أردها إلى أن هذا الواقع الفلسطيني وصل إلى " حد مروع من التهتك السياسي والمسلكي".. ولكن هل يمكن القول بهذا التعميم " بالتعارك على صغائر الأمور وهوامشها" يصح على الكل الفلسطيني؟.. أظني قادرا على التعليق مسألة التباري الإعلامي حول اختراق العملاء" لكل الفصائل" كما عرض أبو فخر.. بل الحالة الفلسطينية كلها بنظري باتت متهمة باختراق الشرفاء لها.. نعم.. قد تبدو القراءة محبطة، لكنها حالة لا يتردد واقعها من عكس نفسه على طريقة وثقافة أخرى تخردق حتى الذاكرة الجمعية تخريبا وتهديما عبر منظومة محددة التوجهات والأهداف.. 
 

*في مرض البديهيات! 
 

سؤالي السابق ينقلني إلى جدلية أخرى في بند  مرض أطلق عليه كاتبنا "البدهيات".. فإذا كانت حالة الحراك الفلسطيني ظلت عاجزة طيلة عقدين من عرض نفسها بزراعة على البلاط تارة و في الهواء تارة أخرى، وبدون الخوض كثيرا فيما جعل الجذور لا تنبت في أي مكان.. وتحولها إلى "عراك" أو مناقرة على طريقة عجائز القرى.. فإن هذا الحراك الذي عدده صقر أبو فخر منذ مبادرة تأسيس مرجعية فلسطينية ( بيروت 1995) حتى "المؤتمر الشعبي العام" ( بيروت 2007).. يعبر في أحد وجوهه عن أمرين: أولهما، فراغ أسهمت به السياسة الرسمية الفلسطينية بالتغييب ألقسري للشعب الفلسطيني، أو أغلبيته، ومرجعيته وميثاقه الوطني.. وثانيهما، حالة من الحراك والجدل الطبيعي التي عرفت بها حركة الشعب الفلسطيني.. بدون حاجة للغمز واللمز عن تناقض الاتجاهات الفكرية، إن وجدت فهي صحية وليست مرضية، بين أقطاب المبادرين لتأسيس الهيئة الجديدة .. 
 

وعلى النقيض من ذلك ،الأحزاب والفصائل ، التي نقلت ثقلها ألكادري والتنظيمي إلى مناطق "إعلان المبادئ" عرضت نفسها ومجتمعها لمذبحة سياسية وفكرية دون تجنب انعكاس المذبحة على مجمل المجتمع وحالة الحراك المستعاض عنها بقيمة فكرية سطحية تزرع في تربة هذا المجتمع مفردات أخرى "NGO" بديلا لتلك الفصائل.. و" بروبوزالات" ( هكذا يُطلقون عليه بصيغة الجمع) بديلا عن المشاريع السياسية والفكرية..

الزارعون يجدون التربة الخصبة، المسكوت عنها تارة لمصلحة فئوية ضيقة وتارة أخرى لأنها تخدم السياق العام للتوجه نحو تدجين/ استبدال ثقافة ثورية بأخرى من نمط " تعب الشعب".. وما دام الشعب قد "تعب" فلا بد من اقتناص الفرصة.. الفرصة في أن تكون مسننات دولاب الاندفاع نحو إعادة صياغة فكر فلسطيني آخر تتجلى ملامحه فيما سنختلف عليه تاليا..

يتساءل أستاذنا صقر أبو فخر، في سياق دعوته للصلاة على النبي، " وَمن من الفلسطينيين يقول عكس ذلك؟" كإشارة أو جواب لواحدة من نقده  لـ"لغة البديهيات" في بيان الهيئة المؤكد على أن " شعب فلسطين هو شعب واحد وقضيته واحدة.. إنها قضية استعمار استيطاني إحلالي"..

مع كل الاحترام لقراءة الأجوبة ذات المنطلقات "البديهية" والمسلم بها عند الكاتب والمفكر أبو فخر، إلا أن الواقع الفلسطيني ليس/ يتجنب الممسكون بامتلاك الحقيقة  الاعتراف بهذه الحقيقة.. فيسود الاعتقاد بأن القضية هي مجرد تنازع على جغرافيا وصلاحيات.. والشعب الفلسطيني الذي يعيش مجبرا خارج وطنه لا علاقة له، لا من حيث الاتفاقات المعقودة ولا حتى في الخطاب السياسي والفكري الحريص على إقصاء فلسطينيي الداخل والشتات، باستثناءات التهليل والتصفيق لما يجري على أرض فلسطين " من إنجازات تاريخية"!..صحيح أن الميثاق الوطني لمنظمة التحرير يتحدث عن الأمر، لكن من الصحيح أيضا أن هذا الميثاق جرى تطويعه وتعديله ليتوافق مع بقية مكونات الشعب الفلسطيني، أكان في أراضي فلسطين المحتلة عام 48 أم مع كل الشتات.. اللهم هذا الربط اللفظي مع لاجئي لبنان وبعض البلدان الغربية بما يخدم الحفاظ على بعض ماء الوجه..

وحين يجزم بأنه لم يقرأ " أن أي فلسطيني ينكر حق العودة"، فلا أظن أن الشعارات يمكن أن تكون بديلا عن البرنامج والنهج.. وليس بالضرورة أن نجزم أن أي فلسطيني لا ينكر حق العودة.. فالمفوض بالتفاوض حول حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والثابتة تعوزه الكثير من المرجعيات ليتمسك بتفسير واضح وصريح للقرار 194.. لكنه يملك بذات الوقت الكثير من القدرة على التلاعب اللفظي حول " حل عادل ومتفق عليه".. بل لا يمكن القفز عما جاء في وثيقة عريقات الأخيرة بأن السيد عباس في مفاوضاته مع أولمرت تحدثوا عن أرقام وعن سنوات تنفيذ عودة هذه الأرقام..

لم تعد تستهويني كثيرا لغة الخطابة التي تدغدغ مشاعر المريدين لهذا الفصيل وذاك، لكنني لا يمكن أن أغفل عن أن من يدعي تمثيل الشعب الفلسطيني هو الذي يقتل تجدد الفكر السياسي.. بدليل أنه ومنذ غرقه في تفاصيل أوسلو وخارطة الطريق يصر على عملية فرز خطيرة لمجتمع كانت حيوية نقاشه الفكري تفوق مجموع المساهمات الفكرية لكل هذه القيادات التي تعيش مرحلة جمود مكبلة بيوميات لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالإبقاء على " ثوابت" الأهداف النضالية للشعب الفلسطيني ولحركة التحرر الوطني، ولا أريد تكرار ما ذكرته آنفا عما آل إليه الميثاق الوطني..

لا يمكن تشييد مجتمع فلسطيني راسخ في أرضه عبر حزمة من القرارات الأمنية التي تعتقل على الخلفية " الأمنية والفكرية".. خذ مثلا اتهامات الجبهة الشعبية لأجهزة السلطة بملاحقة واعتقال كوادرها.. ولا يمكن بأي حال أن تتسع الآفاق الفكرية بترداد شعارات التخندق خلف متاريس التنظيم والسلطة.. ولا يمكن "للسمسرة المالية والسياسية" ( وهنا أقتبس مما جاء في مادة صقر أبو فخر) أن تنتهي طالما أن محاربة هذه الظواهر وغيرها مما ذكرت تتحول إلى محظورات ممنوع المس بها تحت طائل " التقاطع مع أهداف نتنياهو".. 
 

* نقد البدهيات! 
 

وحتى لا أطيل في نقدي لتلك البدهيات التي يتحدث عنها الأستاذ صقر أبو فخر، أطرح ملاحظاتي التالية:

    

متى كانت حركة التحرر الوطني التي تعاني من خواء فكري وجماهيري وانفصام ملموس قادرة على انجاز أهدافها وهي تشطب وتمزق بنودا وأوراقا وتقطع مع شعبها ومحيطها القريب والبعيد بفعل الإيمان العميق لدى أقطابها بأنه لا بدائل لدينا؟ فبحجة "الحفاظ على المنجزات وأرواح الناس" يجري التبشير من قبل قائد " حركة ثورية" بأن التصادم، ولو "بالطوب"، مع الاحتلال لن يتم.. طالما هو في منصبه.. ووفقا لذلك تجري عمليات التنسيق الأمني على الأرض..

( بذكرى انطلاقة أحد فصائل اليسار الفلسطيني تجري عملية عرض عسكري في غزة، وسألت نفسي هل كان هذا الفصيل وغيره ليستطيع فعل الأمر ذاته في تضاريس الضفة الغربية.. لا شك أن الجواب أعمق من مجرد النفي.. وربما يحتاج للكثير من المراجعات لفهم ما يدور على الأرض).. 
 

كيف يمكن القول بأن الثوابت، في الحقوق أقصد وليس في مناقشة الطرق، هي ذاتها في حين أن ما نشهده هو تقليص هذه الثوابت طرديا مع تضائل القدرات المنغلقة على ذاتها وبالتالي استسهال أية دعوة للتذكير بتلك الثوابت ضربا من الترف التنظيري والفكري؟

متى كانت حركة تحرر وطني قادرة على تمثيل شعبها وقضيتها تمثيلا حقيقيا وهي تعد منجزاتها وتقيسها وفق ما تستطيع فعله من تخفيف على حاجز هنا أو معاملة هناك؟

حتى في النموذج "الغاندي" المُكتشف مؤخرا ( بحزمة مقاطعة البضائع الإسرائيلية).. والتبشير من خلال مؤتمر هرتسيليا ببن غوريون فلسطيني، تؤكد هذه الحركة عمق أزمتها في استجداء الاعتراف.. ومع أننا قد نتفق على أن الثابت هو في اختلاف الاحتلال البريطاني للهند والصهيوني لفلسطين، إلا أن بديهية أن القضية الفلسطينية قضية " استعمار استيطاني إحلالي" تسقط تماما فيما يمارسه الساسة ومريديهم من المثقفين المبشرين للتبادلية والعيش المشترك.. وبالتالي بالتأكيد هناك من يقول عكس بيت القصيد الذي تم التلميح إليه.. وحين تسأل عما أعدته حركة التحرر بعد عقدين من الفشل الذريع لمستقبل لا يحمل انهاءا للصراع فإنك تدخل في محظور حددته خارطة الطريق المتحولة إلى إنجيل فلسطيني لا يشبه إنجيل الميثاق الوطني أبدا..  
 

ختاما،

إن أكثر النماذج افتضاحا في قضية هدم البنية الذاتية وحرق المراكب دون التقدم خطوة واحدة عبر عنها الأسبوع الأول من شهر مارس.. فإلى جانب تأجيل تقرير غولدستون ثانية.. وتقرير ريتشارد فولك.. بحجة وجود ما هو أهم من تقرير الأخير حول انتهاكات الاحتلال، طبعا دون الإفصاح عنها على لسان خريشة، وبالتزامن مع لعق الاشتراطات الفلسطينية للعودة إلى التفاوض وتوكيد واشنطن أن لا ضمانات للطرف الفلسطيني.. فإننا نسأل عن التشكيلة التي تشملها م.ت.ف، التي خرجت معظم فصائلها لتندد وترفض قرار العودة إلى التفاوض بكل أشكاله مع بقاء الهجمة الاستيطانية وبدون مرجعية واضحة.. لتجتمع بعد اجتماع مركزية فتح تعبيرا عن تفويض للمفاوض الفلسطيني أن يمضي " على بركة الله".. ولكن مع التحفظ والرفض من تلك الفصائل..

هذا النموذج إذا لم يكن يعبر عن إفلاس سياسي وفكري فإن قراءتي المتواضعة له بأنه يحدد سقف الثوابت انحدارا لا تصاعدا..

في النموذج الآخر الذي يقول لو " استثنينا الدكتور عزمي بشارة، وحده من بين الموقعين، لأنه ذو تجربة نضالية وفكرية وثقافية... الخ".. فلي ملاحظتان: لا أظن أن الدكتور عزمي بشارة حالة معزولة ، بمعنى أنها تعبر فقط عن صاحبها، بل أصبح الفكر الذي يقدمه فكرا بمتناول شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني والعربي عموما.. ولا ضير في أن نعترف بأن هذا الفكر الذي يحمله الدكتور بشارة صار يشكل ثقافة سياسية جديدة تزرع فيما لا يقوى أصحاب السلطة سوى على التهكم عليه ورفع شعارات مناهضة ومشوشة على شخصه لا مناقشة لفكره، وهذا دليل آخر على حالة الارتباك والإفلاس والخواء التي تعيشها الساحة الفلسطينية المدعية لشيء والممارسة لنقيضه.