الهيئة الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة - ياسر الزعاترة


أعلن في بيروت مؤخرا عن إنشاء هيئة فلسطينية جديدة اسمها "الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة"، وقد تصدّر الإعلان عدد من الشخصيات الفلسطينية في الخارج هم المفكر الفلسطيني المعروف منير شفيق، الكاتب بلال الحسن، وكل من بيان نويهض الحوت، ماجد الزير، محمد أبو ميزر، صلاح الدباغ. كما أعلن المفكر المعروف الدكتور عزمي بشارة تأييده لها عبر الهاتف بسبب عدم تمكنه من الحضور.

لا شك أننا إزاء هيئة بالغة الأهمية قد يكون لها دورها في تصحيح المسار السياسي للشعب الفلسطيني، لا سيما أنها تتشكل من عدد من المستقلين ، فيما سيكون بوسع أعضاء الفصائل الانضمام إليها بشكل فردي إذا أرادوا.

لقد شوهت قيم القضية ومبادئها ومفرداتها خلال العقود الأخيرة، وأصبحت كلمة الثوابت أو الحقوق الثابتة مرادفة لما تنص عليه قرارات ما تسمى الشرعية الدولية ، أي دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام ,67 وفيما كان حق العودة جزءا لا يتجزأ من تلك القرارات ، فقد أخرجته التراجعات المتتالية من التداول العملي ، وبالطبع بعد أن نصت المبادرة العربية على "حل متفق عليه". ولا تسأل بعد ذلك عن التراجعات الأخرى فيما يتصل بملف القدس وملف المستوطنات التي وقعت الموافقة على بقاء كتلها الثلاث الكبرى عبر ما يسمى تبادل الأراضي.

أما منظمة التحرير التي يتغنى بها كثيرون في سياق الخطاب الفئوي ، فقد ضاعت هي الأخرى في الزحام، وصارت عمليا جزءًا من مؤسسات سلطة أوسلو، فيما كانت قد فقدت بوصلتها قبل ذلك عندما أصبح ميثاقها "كادوك"، بحسب تعبير الراحل ياسر عرفات، أي ملغى، وهو الميثاق الذي ينص على أن كل أرض فلسطين التاريخية هي أرض محتلة لا بد من استعادتها.

الهيئة الجديدة هي محاولة لتصحيح بوصلة الشعب الفلسطيني الذي تاه في زحمة المصطلحات ، من تشوه مصطلح الثوابت ، إلى تشوه مصطلح المصالحة الذي يعني موافقة حماس وسائر الفصائل على برنامج رفض المقاومة الذي دشنه من سيطروا على السلطة والمنظمة بعد ياسر عرفات.

الهيئة الجديدة هي محاولة لتحرير الشعب الفلسطيني من هذا الإرث البائس، واستعادة ثوابته الأصلية والأصيلة، وبوصلته الحقيقية ممثلة في تحرير كل الأرض، واعتبار السلطة عبئا على نضال الشعب الفلسطيني، ومن ثم رفض مسارات التفاوض، مع إعلان التمسك بالمقاومة كسبيل لتحرير الأرض.

أما منظمة التحرير، فالهيئة تدعو إلى استعادتها عبر العودة إلى ميثاقها الأصيل قبل أن يغدو "كادوك" ، بل قبل التحريف الذي تعرض له وتعرضت له برامجها طوال عقود ، ولن يتم ذلك إلا بتحريرها من الذين سيطروا عليها وحرفوا مسارها على نحو تجاوز الانحرافات السابقة بكثير ، وإلا ففي أي سياق يمكن وضع برنامج رفض المقاومة ، والتنسيق الأمني مع العدو ضد المقاومين؟، يضاف إلى ذلك كله البعد العربي الذي تسعى الهيئة للتأكيد عليه ، وهو بُعد بالغ الأهمية غاب أو غيّب منذ أوسلو ، بل ربما قبله وإلى الآن.

من المتوقع أن يكون لخطوة الإعلان ما بعدها، إذ سيسعى المؤسسون إلى حشد عدد كبير من رموز الشعب الفلسطيني، لا سيما أجياله الشابة في الداخل والخارج من أجل انطلاقة جديدة لحركة النضال الفلسطيني بعد مرحلة بائسة كان أوسلو عنوانا لها. وفيما سعت انتفاضة الأقصى لتدشين مرحلة جديدة ، إلا أنها ما لبثت أن فشلت بعد سيطرة القادة الجدد على السلطة والمنظمة بعد قتل ياسر عرفات. وعموما تشكل الهيئة محاولة لتفعيل الشتات الفلسطيني الذي همّشه مشروع أوسلو ، وإن قدمت برنامجا لكل أبناء الشعب في الداخل والخارج.

سيبدأ كثيرون كما هو متوقع التشكيك بالهيئة ومنطلقاتها والجهات التي تقف خلفها، الأمر الذي يبدو متوقعا وطبيعيا في واقع الحال، والسبب أنها تهدد المكاسب الشخصية والفئوية لكثير من الناس ، لكنا نأمل أن تواصل عملها غير آبهة بتلك الأصوات، فهذا الشعب العظيم في الداخل والخارج يستحق قيادة أفضل، والأهم يستحق مسارا سياسيا أفضل، وبالطبع بعد ثبوت عبثية المسار القائم، ليس فقط لجهة تفريطه بالثوابت الأصلية "تنازله عن كل الأراضي المحتلة عام "48 ، بل أيضا لجهة شروعه في المساومة عما تبقى كما أشير من قبل.