|
في حديث جمعني مع أحد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين المرموقين، الذين كرسوا جل وقتهم لإبراز صورة النضال الوطني الفلسطيني، أكان عبر (البوستر - الملصق) أو بنتاجه الفني عبر سنوات طويلة، ولم يتقاض يوماً قرشاً من أحد، ولا حتى ثمن قطعة قماش أو ثمن علبة ألوان، تطرقنا إلى الواقع التشكيلي الفلسطيني المر والمحزن، رغم القامات الكبيرة التي وصلت إلى العالمية بما قدمته لفلسطين، وخيمت الحسرة على ضفاف عينيه، وهو يقول إننا مقصرون بحسرة وألم عصيّان على فهم من لا يعرف معنى ولادة لون وخط في لوحة، وبالتأكيد لم يكن يقصد سوى المؤسسات الفلسطينية التي أهملت إلى حد كبير هذا الكنز الكبير من النتاج الفني العظيم، الذي يؤرخ لمسيرة طويلة من الصراع، وكان يقصد (الملصق) برموزه ودلالاته، وعلاقته بالتوثيق للذاكرة الفلسطينية. وللتأكيد على صحة كلامه، أطلق العنان لذاكرته ليعود إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ويحصي الكم الهائل من الملصقات التي شهدتها مراحل معينة، وأين أصبحت هذه الكنوز.. وذكر لي أنه جال على الكثير من الدوائر الإعلامية الفلسطينية، ليجد أن ما تبقى لديها القليل القليل إن وُجد، وقد علاه الغبار وتلاشت ملامحه لسوء الحفظ، وما مضى قد تبخر، ناهيك عن الإرث الكبير لعشرات الآلاف من الملصقات الصادرة عن منظمة التحرير، التي بدورها تبخرت كما تبخر الكثير من الشعارات. قد نفهم أن منظمة التحرير الفلسطينية الناطقة باسم سلطة رام الله، والضائعة في متاهات بحر أوسلو، قد تنصلت من تاريخ مشرف، تناوله الفنانون الفلسطينيون والعرب بأشكال فنية مختلفة، ومنها الملصق، لذا من الطبيعي أن يذوب الأرشيف ويذهب أدراج الرياح، كما ذابت أهم الدراسات التي كانت تصدر عن مركز الدراسات الفلسطيني، لكن غير المفهوم هو حالة التراخي لدى العديد من المنظمات الفلسطينية في الحفاظ على ذاكرة فنية تتناول التاريخ الفلسطيني. ليست المسألة في توجيه سهام النقد، إنما تنبع من حرص عال، ونحن نواجه آلة إعلامية ضخمة تخترق عواصم العالم لتزوّر التاريخ. وذكرني صديقي بالشهيد الفنان ناجي العلي، الذي لم يزل علماً ورمزاً لمعنى الحرية، والطفل حنظلة يتوالد كل اليوم، حتى عند الأجيال الجديدة، فناجي كان أكبر من مؤسسة، وبريشته المرهفة استطاع أن يدخل إلى كل بيت فلسطيني وعربي، واعتبره قادة الاحتلال من أخطر المحرضين على الكيان الصهيوني، لدرجة أن أحد الكتاب الصهاينة كتب بعد استشهاد ناجي العلي: لقد تخلص العالم من أحد الذين بثوا حقدهم ضد دولتنا.. وأضاف: سأنام اليوم مرتاحاً، ولن أشاهد رسومات ناجي العلي التي كانت تخيفني أكثر من الرصاص.. ومعنى هذا أن الفن الواعي والمدرك لطبيعة الصراع يملك القدرة على التأثير الكبير في محيطه وخارجه، ومن هنا بواعث القلق على ضياع هذا التاريخ الفني، وقد لا نجد أكثر من تجارب فردية لفنانين فلسطينيين في جمع ما تبقى من ملصقات، وهذه التجارب مرهونة بالدعم المالي غير المتوفر عند معظم الفنانين، الذين يعملون أكثر من عمل ليعيلوا أُسَرهم، ومع الأسف، منهم من ترك الفن نتيجة العوز المادي، لكن المفارقة تكمن حين يُدعا مسؤول إلى معرض تشكيلي، تراه ينظر في دور الفن ومدارس صقل الوعي، ويبتسم ويجامل، وتلتقط له العدسات الصور التذكارية مع الفنانين، وما أن يغادر حتى يتبخر كل الكلام عن دعم الفنانين ومشاريعهم، وكلنا يعرف أن الاتحادات الفلسطينية خارج فلسطين تعيش اليوم في إهمال كبير غير مسبوق، حتى المقرات معظمها تعشش فيه العناكب، والمعارض غدت تقليدياً كيوم الأرض، الذي يتناقص فيه كل عام عدد المشاركين.. والفنان الفلسطيني الملتزم يدفع ضريبة موقفه الرافض للتفريط. وما ينطبق على الفنانين الذين اختاروا فلسطين،لا ينطبق على الفنانين الذين دسوا رؤوسهم في معطف السلطة التي تغدق عليهم الأموال ليبقوا تحت عباءتها. بدأنا الحديث عن الملصق ودخلنا في متاهات كثيرة، لأن أساس المشكلة هو كيف ننظر إلى دور المبدع، وهل هو لإكمال الصورة، أم وعي حقيقي لدوره؟ فإذا كان كذلك وأقصد فهم دوره الإبداعي، فعلى المؤسسات الوطنية الفلسطينية أن تعيد حساباتها، وتفكر في كل الجبهات، ومنها الثقافية، فالثقافة الوطنية ليست شعاراً، إنما هي أسلوب عمل ومنهج حياة يومية، وفي تراكمها ندرك أهمية الحفاظ على الذاكرة.
أقلام في خدمة السلطان حين تصبح الكتابة بأمر من السلطان أو سيد الخزنة، فلن ننظر إلى المادة المكتوبة ونقيمها إلا وفق تلك المعايير، فهي تخرج عن عرف احترام هذه المهنة الإبداعية وشرف الكتابة، وتصبح كأي بضاعة تباع وتشترى، وهذا ينطبق بالحرف على من وجد وفق آراء سيده أو أسياده مسرحاً للتهكم على فلسطين وعلى أبنائها، ليبث مرضه المزمن. لعل في ما نشر مؤخراً في بعض الصحافة العربية، من تطاول على قادة المقاومة الفلسطينية، الذين حضروا في العاصمة الإيرانية طهران في مؤتمر لدعم المقاومة، صورة لبعض النظام الرسمي العربي، الذي لا يريد أن يرى وجهه في مرآة عجزه، بل يقدم نفسه على أنه حريص على القضية الفلسطينية، ولا ينام الليل من شدة حزنه على أطفال غزة والضفة الغربية، ومعاول الهدم في القدس تدفعه لتناول المهدئات وغيرها لينام ويخطط في نومه. أزعجهم حضور قادة المقاومة في طهران، وأزعجتهم قوة الموقف الإسلامي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والموقف العربي الذي تمثله سورية بقيادتها، فهم أبطال "السلام" على طريقتهم الخاصة، فقرروا أن يقولوا ما عجزوا عن قوله، ليوعزوا لمنبارهم الإعلامية بفتح نيران الصحف لتعبر عن موتوريتهم، ولن نورد ما كتبه بعض المسترزقين من موائد السلطان، لكن نسأل: أليس في موقف إيران الحر والداعم للمقاومة، كشف لتخاذل بعض النظام الرسمي العربي؟ وهل فتح بعض النظام الرسمي العربي أبوابه أمام المقاومة ودعمها؟ كلنا يعرف الجواب، ولن نضيف شيئاً إذا قلنا إن هذا النظام الغارق في قطريته،لا يمثل إلا صورة عجزه المستديم والمستفحل في عقلية المؤامرة، ومن باع نفسه من كُتاب ومصفقين لن يحصدوا سوى فتات الموائد، وكم من الأسى والحزن لحالهم المزرية، بعد أن حولوا أقلامهم وحرفوها عن شرف المهنة وأخلاقياتها، ببساطة لأنهم بلا انتماء.
فضائيات حيادية حتى العظم كما توقعت حصل.. وببساطة، في ذات اليوم الذي اندلعت فيه المواجهات في ساحات المسجد الأقصى مؤخراً، وسقط العديد من الجرحى الفلسطينيين رداً على استباحة حرمات المسجد الأقصى المبارك، تعمدت أن أشاهد إحدى المحطات الفضائية العربية، التي لم أعد أشاهدها بعد العدوان على غزة 2008 - 2009، لكن ومن جانب الفضول لمتابعتها "المهنية"، شاهدت تقاريرها التي يمكن نعتها بالمقرفة جداً، وكأنها تنقل حدثاً يصف خروج قطار عن سكته، فأطفأتُ التلفاز وأنا أردد (الذي يجرب المجرب عقله مخرب).. هذا هو التضامن الإعلامي العربي بعينه، وهذه هي رسالة الإعلام الذي يفرد ساعات مطولة للحديث عن آخر إنجازات سباق الهجن، بينما القدس لا تعنيهم، ولا تعنيهم معاناة أهلها، فهم متحضرون لدرجة لا تصدق، إنها حضارة الحديث الناعم والسلس، حتى لا يخدشون مشاعر قتلة الأطفال، وبعد كل نقل لمظاهرة أو صدامات يستضيفون كاتباً صهيونياً حتى لا يقال عنهم إنهم منحازون للقضية الفلسطينية، فالانحياز ليس من خصالهم، وتوصيف القتلة ليس من شمائلهم، وهم مسالمون حتى آخر نشرة أخبار، لأنهم مهنيون حتى العظم.. كما توقعت حصل، أطلنا عليكم.. أكيد عرفتم من قصدنا.. وبحيادية.
الثبات - الكاتب: د. بسام رجا
|
||||||