غسان كنفاني الغائب الحاضر في رؤاه

 

 

منيرة مصباح

 

منذ ان قرأت رجال في الشمس.. ام سعد ..عائد الى حيفا.. ارض البرتقال الحزين، وغسان كنفاني مازال قابعا في فكري ... هذا الأديب والمناضل الذي استشهد قبل 34 عاما، ما زالت رواياته تحمل القواعد الأساسية للإبداع الأدبي الفلسطنيي والذي أرساه غسان كنفاني رغم الموت الغادر الذي قطفه وهو في مقدمة عطاءاته الإبداعية.

 

ومنذ غياب هذا المفكر والأديب المبدع عن الساحة الثقافية الفلسطينية والتي تتوق أيامنا الحاضرة له، حيث أصبح اختيارنا للمصير الفلسطيني مأساة واقفة على امتداد الوطن الكبير الذي طالما حلم غسان بوحدته.

 

فهل كان غسان في رؤاه لعام 2006 ، يرى هذه الطفلة هدى على شاطئ غزة وهي تنتحب بالقرب من أشلاء والدها، لتكون لوحة مؤلمة  لمأساة ودمار وموت القيم الإنسانية في هذا العالم !!!!!!

 

هل كان يرى في رؤاه موت محمد الدرة بين ساعدي والده!!!!!!!!!!!!!!

 

تساؤلات عديدة تنتابني أمام هذا الدم الفلسطيني الذي لا يعادله سوى الدم فوق ارض العراق.

 

لقد كان غسان بوعيه الحاد والمتقدم يرى الأحداث المعاصرة التي نمر بها الآن، قبل  وقوعها، أي قبل استشهاده ودوّن كل رؤيته تلك للمستقبل الفلسطيني والعربي في أعماله وإبداعاته إلى جانب تدوينه لمأساة شعبه المشرد من خلال لغة فنية أدبية رائعة.

 

و كان غسان كنفاني انعكاسا للوجود الفلسطيني في عالمنا وقلمه رحلة مع عذاب شعبه... كتبها بقطرات الدم وحبر الروح

 

لقد خرج غسان كنفاني قسرا من "أرض البرتقال الحزين" فعاش مرارة الغربة والتشرد واللجوء أحس بعمق معنى أن يكون الإنسان دون أرض ودون وطن، أن لا ينتمي لوطن ولهويةوبقي يبحث في عالمه وهو مطارد، حتى كتب أثناء بحثه روايته الرائعة "رجال في الشمس".

 

وحين أصبح الفلسطيني في أيامه مجرد رقم في إحصائيات الأمم المتحدة دون هوية وطنية ودون أرض، تعمق هذا الإحساس عنده  لتظهر "موت سرير رقم 12".

 

أما في "ما تبقى لكم" فاننا نرى الأمل لديه ينبثق من انطلاق الثورة عندما اتجهت طلائعها في عام 1965 باتجاه الأرض المحتلة ليشير من خلالها إلى أن هذا ما تبقي  للفلسطيني ..  ذلك الذي ما زال يدفع دمه غزيرا لاسترداد أرضه وهويته الوطنية.

 

ما تبقى لكم، كانت الأمل بالعودة وباسترداد العائلة   والأرض والتراث الثقافي الذي اغتصب منه عام 1948.

 

في روايته "أم سعد" تحضر المرأة الفلسطينية بشدة، انها ابنة المخيم القائم في

ظل الواقع النضالي والواقع الاقتصادي البائسنراها تقف شامخة كالسيف       ..وسط الوحل والمطر وألواح الصفيح.

 

"أم سعد" بكفها المعروقة التي شققها الكدح من أجل لقمة العيش كانت تقف بعزة   وكرامة في زمن ماتت فيه  الحياة.. أنها المرأة التي تقف بجانب الفقراء والمظلومين   والمضطهدين..هي المرأة المناضلة اجتماعيا وسياسيا..التي تعطي رشاش ابنها عندما يستشهد لرفيقه الذي لا يحمل واحدا ليتابع المسيرة. "ام سعد مازالت في المخيمات الفلسطينية  وفي وجداننا في كل بقعة أرض يأوي إليها فلسطيني.

 

لقد كتب غسان كنفاني أروع الأدب الإنساني المقاوم، وتركه ذخيرة للمكتبة العربية التي خلدت اسمه. بدأ إبداعه الأدبي بكتابه "سرير رقم 12" سنة 58 واستشهد دون أن يكمل رواية "العاشق" التي تعتبر مشروعا  لملحمة قصصية، لو اكتملت لأغنت ألادب الإنساني المعاصر .

 

ان روايات غسان كنفاني هي بمثابة  تأريخ لمسيرة القضية الفلسطينية..وتأريخ لمسيرة شعب أعزل اضطر للدفاع عن أرضه ووطنه وانتمائه لهويته، وما زال،  بكل ما أوتى من قدرة..ضد أكبر استعمار في القرن العشرين وقفبجانب حركة عنصرية أرادت تدمير شعب بأكمله و إقامة دولة على أنقاضه فحققت ما أرادت ومازالت سائرة على نهجها في ظل أوضاع عربية متردية.

 

لقد استشهد غسان كنفاني عام 1972 اثر حادث اغتيال، بعد أن ترك لنا ما يزيد على عشرين رواية ومجموعة قصصية وكتب رحلات وكتب نقد..وقصص أطفال ساهمت جميعها في تطوير فن القصة العربية الحديثة.

 

ومن غرائب القدر أن يستشهد غسان في شهر تموز "يوليو" وهو اسم يرمز في الأساطير القديمة إلى معجزة الموت المتفاني في التضحية حتى يبعث الحياة في السنابل.  هكذا استشهد غسان ليبعث الحياة في سنابل شعبنا وليبقى ذكرى حاضرة في وجداننا.

 

 www.safsaf.org