الباحث عمر امين مصالحة يثري المكتبة العربية ببحث جديد:

التلمود - المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية

 بقلم : نبيل عودة

الكتاب: التلمود

المؤلف:عمر أمين مصالحة

اصدار: مسار- معهد ابحاث وتخطيط واستشارة، جت (2006)

(215 صفحة من الحجم الكبير)

 

بعد كتابة الاول عن "اليهودية- ديانة توحيدية ام شعب مختار" الذي صدر قبل سنة ، يعود الباحث عمر امين مصالحة الى اليهودية من زاوية اخرى ليكمل الصورة امام القارىء العربي، عن خبايا الديانة اليهودية واصول التشريعات الاجتماعية الحياتية في الديانة اليهودية، المعروفة باسم التلمود، في بحث جديد شامل يحمل اسم "التلمود-المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية". وقدم للكتاب الاستاذ موفق خوري- نائب عام مدير وزارة الثقافة .

 

الباحث عمر امين مصالحة، الذي يعد اليوم الدكتوراة في جامعة سانت بطرسبورغ (لينينغراد سابقا) هو من مواليد1956، من قرية دبورية الواقعة على  الطريق الى جبل الطور المشهور في المسيحية ، ،وهو مترجم وباحث في الشؤون الفلسطينية والاسرائيلية، ومتخصص ايضا في الديانة اليهودية . له العديد من الابحاث المنشورة في الصحافة العربية والعبرية، الى جانب ترجمة العديد من الكتب الدراسية وقصص الاطفال، ويعمل مدرسا في ثانرية "عمال" في الناصرة.

 

ما يميز ابحاث عمر مصالحة، موضوعيته العلمية، واعتماده على المصادر الاصلية لمواضيع بحثه، هذا ما جعل كتابة الاول من افضل الدراسات عن اليهودية،التي كتبت باللغة العربية ، والمتميزة بالمصداقية والدقة العلمية ، دون التدخل والتعليق واستنتاج مواقف شخصية، وهو بذلك اثبت نفسه كباحث ثقة ، يمكن الاعتماد عليه في فهم اليهودية، واليوم يطل علينا بكتاب هام جدا لقراء العربية، حول التلمود كمرجعية للتشريعات . ويبدو ان هذا البحث، غير مسبوق في اللغة العربية، بموضوعه من حيث الالمام والشمولية وبموضوعيته غير القابلة للتهاون  بنفس الوقت .

 

يشرح عمر مصالحة ان التلمود، يتشكل من عنصرين: الاول هو الجانب التشريعي والقانوني (هلاخي) الذي يذكرنا باحكام الفرائض والتشريعات الواردة في اسفار الخروج والاويين والتثنية ، والثاني: العنصرالقصصي،الاسطوري (اجادي) بما يشمله من اقوال مأثورة واخبار وخرافات وخيال، الى جانب السحر والتراث الشعبي.

 

في الفصل الاول، يمهد الباحث عمر مصالحة لبحثه باستعراض نشوء اصول التشريعات اليهودية بدءا من   الموقف في جبل سيناء ،  حين تسلم النبي موسى ، حسب القصة التوراتية ، الوصايا العشر من الله  ، ثم دخول ارض فلسطين ، ومرحلة القضاة في التاريخ اليهودي (هشوفطيم)...  وصولا الى اقامة مملكتي اسرائيل- المملكة الشمالية والتي سميت "مملكة اسرائيل"، والمملكة الجنوبية والتي سميت "مملكة يهودا" ... مستعرضا اسماء ملوكها ، وصولا الى هدم الهيكل واعادة بنائة وهدمه من جديد، والاحداث التاريخية التي عصفت بالمملكتين منذ  ذلك التاريخ ، مثل الاحتلالات المختلفة... وتشتت اليهود .. سبيهم !!

 

 

ويطرح الباحث اجزاء المشناة. التي تشمل مواضيع واسعة للغاية، مثل:

1- الزراعة وقوانينها - ويشمل الري والحرث والحصاد ، والموضوع الزراعي في المشناة يكاد يكون برنامجا زراعيا كاملا، وبالطبع له جانبه الديني، حيث يرتبط بالعبادة اليومية والتبريكات .

2- العبادات والمواعيد - عن تبجيل السبت والعبادة فية ومواعيد الصيام والاعياد والاحتفالات والتقويم العبري .

3- النساء -  ويشمل قوانين الزواج والطلاق والجنس بين الزوجين.

4-  الجنوح والجنايات  -  ويشمل التشريعات المدنية ومسلكيات التصرف اليومي، وانواع العقاب، ونظم التجارة والسياسة .

5- المقدسات -  مخصص لاعمال الضحايا (القرابين) مهام رجال الدين وواجباتهم.

6- الطهارة -  ويشمل امور التطهر من النجاسة ، ويتحدث عن الصلة بين بني البشر والانسان اليهودي والكائنات الاخرى، وما يجوز اكله من الحيوان.

يبين الباحث الخلافات والتناقضات في التشريعات اليهودية ، ومع ذلك تحولت هذه التناقضات الى شرائع مقدسة لدى المجتمعات اليهودية. ثم يعالج اقسام المشناة الستة "سدريم" واسفار كل قسم، التي تشمل كل تفاصيل حياة الفرد اليهودي في جميع مناحي حياته اليومية والعامة.

يوضح الباحث عمرمصالحه للقارىء العربي جذور الدين والعقيدة اليهودية، التي لا تدع للفرد مساحة للاجتهاد.. انما اموراً جاهزة وفرائض نهائية. صحيح ان الباحث لا يعالج وقع هذه الفرائض على الانسان المعاصر، لكن القارىء يستطيع ان يصل الى النتيجة الاساسية ، بان الدين اليهودي يتعامل مع الانسان باحكام وعقلية لم يعد شيء يربطها بالواقع الانساني المعاصر، وهذه اشكالية كل الديانات السماوية، ربما كون الديانة اليهودية ديانة محدودة بالعدد، يجعلها اشبه بالمحمية الطبيعية، ومع ذلك نجد في الغرب ، والى حد ما في اسرائيل، تيارات يهودية لم تعد تستطيع التماثل مع قيودات الدين الاصلية، فأنشأت اتجاهات حديثة ليبيرالية، تقوم بينها وبين التيار الديني اليهودي المحافظ  ( الاورتوذكسي ) حرب عنيفة ، لدرجة عدم الاعتراف بيهوديتهم ورفض التعامل معهم على كل المستويات.

يفسر عمر مصالحة مصادر كلمة المشناه، والذي جاء من "شنه" الذي يعني بالعربية كرر أو ردد

وذلك لان اسلوب التعليم كان يفرض على الطالب ان يردد ما يسمعه من المعلم. وقد استعمل هذا الاصطلاح للدلالة على دراسة "الشريعة الشفوية" . الكتاب يستعرض اسماء مؤلفي المشناه والتلمود حيث بدأها الحاخام هليل الاول في بابل. ويستعرض الباحث ما اشتملت عليه المشناه.

اما اسم التلمود فهو مشتق من الجذر العبري "لمد" أي درس وتعلم ، وهو نفس الاصل السامي لكلمة "تلميذ" العربية  . ويشرح الباحث ان التلمود من اهم الكتب الدينية عند الشعب اليهودي، وهو الموجه والمنظم للحياة الاجتماعية، وهو الثمرة الاساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشرائع التوراتية. ويؤمن البعض ان نصوص التلمود أوصي بها من الروح القدس نفسه  (روح هكودش) باعتبار انها مساوية للشريعة المكتوبة(التوراة).

ليس من السهل استعراض الكتاب بكل تفاصيله. فالكاتب لا يترك أي فرغ للتأويل، بل يطرح جميع التفاصيل بتناقضاتها احياناً، ليوضح جذور الدين اليهودي، ببحث واسع لم يغفل أي تفصيل.

الكتاب يثري المكتبة العربية بمرجع هام جداً وضروري لفهم احدى اقدم الديانات ومصادرها، وطرق تفكيرها، بعيداً عن الاستنتاجات الارتجالية، وبهذا يخدم الباحث الحقيقة العلمية المجردة.

 mostkbel@netvision.net.il روائي ، قاص ، ناقد وكاتب سياسي  نبيل عودة -

 

****************************************************************************************************************

دراسة علمية رصينة حول اليهودية بقلم مفكر وناقد عربي

 

*عمر امين مصالحة : " اليهودية ديانة توحيدية ام شعب مختار "  * صدر بدعم قسم الثقافة العربية *

 

بقلم : نبيل عودة

 

قدم للكتاب البرفسور يوسف غينات واصفاً الكتابة عن الديانة اليهودية من قبل باحث عربي "كخطوة جريئة ويمتدح عدم تحيز الكاتب واسلوب البحث العلمي للكتاب.

ويقول غينات بحق ان المكتبة العربية تفتقد لكتاب يصف مبادىء الديانة اليهودية بشكل علمي.

 

الكاتب عمر مصالحة،انهى تعليمه الاعدادي والثانوي في مدرسة عبرية - يهودية.

الامر الذي وضعه بمواجهة الديانة اليهودية والتعرف على تعاليمها، حيث درس التوراة والتلمود والكتب الدينية المختلفة ، وعمر مصالحة باحث في الشؤون الفلسطينية والاسرائيلية ، ويعد حالياً رسالة الدكتوراة في موضوع الصحافة الفلسطينية في العهد العثماني ، وذلك في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية في روسيا ، وبنفس الوقت يعد رسالة لشهادة الماجستير في التربية الاجتماعية في جامعة بار ايلان في تل ابيب .

 

بحق يمكن اعتبار هذا الكتاب موسوعة او بيلوغرافيا شاملة عن الديانة اليهودية واصولها وخصوصيتها ومعتقداتها، ومواقفها من سائر القضايا المتعلقة بنظرتها الدينية و حول من هو اليهودي مثلا واساليب تعاملها مع الاغيار، وموضوع الطعام الشرعي (الكشير ) .

 

يستعرض الكتاب بشكل شامل نشؤ المدارس والاتجاهات اليهودية المختلفة، وتفسيرات للعديد من الظواهر في الدين اليهودي ، لم يبق اي موضوع يتعلق بالدين اليهودي واتجاهاته الا شرحه بوضوح وحيادية علمية ، وبدون ان يطرح الكاتب ارائه الخاصة ، هناك شرح عن اليهودية الارثوذكسية ومدارسها ونشوئها ، تيار الحرديم والصراع بين الجديد والقديم ، بين التطور والانغلاق ، ونشؤ الاحزاب الدينية ، والتيارات "الحسيدية" ومدارسها المختلفة ، ومكانة المرأة في الدين اليهودي ولدى مختلف التيارات ، وبالطبع لا ينسى ان يعطينا شرحاً لنشؤ التيارات الحديثة- التيارات الاصلاحية .

 

هذا الكتاب يجيء في وقت تحتاج فيه المكتبه العربية الى تعميق معرفتها بالدين اليهودي ، لفهم طابع وخلفية هذا الدين ، وفعل عمر حسناً ، بأن ترك الحقيقه المجردة للقارىء ، ولم يتدخل ليلقن القارىء ، كما نلاحظ في مؤلفات مختلفة ، اقحمت النزاعات السياسية أو الاختلافات الدينية في مواقفها من الديانة اليهودية . هذا الكتاب مرجعاً ممتازاً لمن يريد حقاً ان يتعرف على المجتمع اليهودي في اسرائيل ، على تركيبته الفكرية وصراعاته العقائدية ، داخل المدارس الدينية  وداخل التيارات السياسية الدينية، والمراحل التاريخية التي قطعتها هذه التيارات . . ويبدو بعض الصراع غير قابل للتجسير .. وليس سرا ان بعض "الساحات "( حاتسروت بالعبرية ) الدينية لها موقف عدائي من الدولة نفسها والمثال على ذلك مجموعة " ناطوري كارتا " ، احد قادتهم الدينيين كان مقربا من الرئيس الفلسطيني المرحوم ياسر عرفات .. وشاركوا أخيرا في مؤتمر طهران حول المحرقة اليهودية .. ولكن تأثيرهم في اسرائيل هامشي جدا .

 

الكتاب يشد بوفرة المعلومات التي يضعها الكاتب امام القارىء العربي، وبما يميز الكتاب من اسلوب مبسط في الطرح بحيث لا يبق اي موضوع يتعلق بالعقيدة الدينية اليهودية وتشعباتها وانقساماتها عبر التاريخ دون توضيح وشرح ... انه حقاً كتاب هام، تفتقد له المكتبه العربية ،خاصة بموضوعيته ، ومرجع لا بد منه لفهم القاعدة الايمانية ، والخلفية الفكرية التي تشكل اليوم ما يعرف بالدين اليهودي ، بل واكثر من ذلك دور التيارات الدينية في المجتمع الاسرائيلي وفي السياسة الاسرائيلية .

 

نبيل عودة روائي ، قاص ، ناقد وكاتب سياسي الناصرة

mostkbel@netvision.net.il

 

***************************************************************************************************************

 

دراسة أدبية تاريخية عن نهضة ونشؤ الأدب الفلسطيني

 للدكتور سليمان جبران :

 

دراسة أدبية تاريخية عن نهضة ونشؤ الادب الفلسطيني للدكتور سليمان جبران :

نظرة جديدة على الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب

 بقلم : نبيل عودة

حيفا - الصفصاف : صدرت عن سلسلة منشورات الكرمل جامعة حيفا ، ودار الهدى كفر قرع دراسة نقدية  ادبية تاريخية ، هي الاشمل في موضوعها وموضوعيتها ، تلقي الضوء ، بمنهجية أدبية نقدية تاريخية علمية على نشؤ ونهضة الادب الفلسطيني ، عبر دراسة للخصائص المميزة لهذا الأدب ، والعوامل التي ساهمت في خصوصيته الوطنية والفنية ..

صاحب هذه الدراسة ، الدكتور سليمان جبران ، هو ناقد وباحث ادبي معروف ، وهو أستاذ الأدب العربي الحديث في جامعة تل أبيب ، وكان رئيسا لقسم اللغة العربية وأدابها في الجامعة بين ( 1998 2002 )  ويرأس اليوم مجمع اللغة العربية في اسرائيل ، وصدرت له كتب عدة  من الابحاث والدراسات  الادبية النقدية من ابرزها كتابه عن احمد فارس الشدياق " الفارياق : مبناه واسلوبه وسخريته " ( صدرت طبعته الثانية عن دار قضايا فكرية القاهرة 1993 ) وكتابه عن محمد مهدي الجواهري " صل الفلا : دراسة في سيرة الجواهري وشعره " ( صدرت طبعته الثانية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت وعمان 2003 ) الى جانب مؤلفات ، ابحاث ودراسات مختلفة عن اللغة العربية وعن الاعمال الادبية لأدباء عرب من اسرائيل وفلسطين وغيرها من الاقطار العربية ..

اعترف من البداية ان هذا البحث فاجأني في عرضة واستنتاجاته ، وفي عدم لجوء الباحث الى الاستنتاجات  التي لا تعتمد على الحقائق الموضوعية ، والامتناع عن صياغة المواقف بناء على الذاتية او الحماسة الوطنية التي تميز الكثير من الدراسات او المراجعات الثقافية المشابهة ..

الباحث يلتزم بالحقائق والوقائع المثبتة ، ولا يذهب نحو التأويلات الحماسية . من هنا اهمية هذا البحث ، الذي دفع صاحبه الى قراءة كل ما وقع تحت يده من نصوص ومراجع ذات صلة ، في مكتبات الجامعات والاصدقاء في البلاد وفي مكتبة الجامعة الاردنية في عمان ، كما يشير الكاتب في مقدمته .

طبعا لن اتحدث عن كل مضمون الكتاب ( 217 صفحة من الحجم الكبير ) ، انما ساحاول التعرض لابرز ما يطرحه الباحث .

يقسم الباحث كتابه الى قسمين اساسيين  ، الاول ويشمل دراسة تتقصى المميزات المضمونية والاسلوبية ، وتحديد نشوء ونهضة الادب الفلسطيني بمفهومة ادبا وطنيا يعبر عن القضايا الوطنية للمجتمع الفلسطيني  ، وليس مجرد كتابات لا تحمل سمات فلسطينية ، انما سمات اسلامية عامة لا هوية وطنية له ..

ويعالج بتوسع الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب وشعراء هذه الحقبة التي بدأ يتجلى فيها الادب الفلسطيني بمفهومه الجغرافي  والاجتماعي  كمعبر عن واقع فلسطيني بدأ يتبلور سياسيا واجتماعيا ، وتقف امامه تحديات مختلفة تهدد كيانه وصيرورته المستقبلية .

يشير الباحث الى كثرة عدد الشعراء من مطلع القرن العشرين وحتى  النكبة ، وهي الفترة التي يرى انها كانت الحاسمة في نشوء الادب الفلسطيني وتميزه القومي والجغرافي ، ويتناول اربعة شعراء يرى انهم يمثلون الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب خير تمثيل ، سواء في مضامين هذا الشعر او اساليبه الفنية ، والشعراء هم : وديع البستاني ، الذي يرى به رائد للشعر الفلسطيني ، والشاعر ابراهيم طوقان شاعر فلسطين الاول ، والشاعر عبد الرحيم محمود الذي اتبع القول بالفعل ، والشاعر عبد الكريم الكرمي -  الذي عاش نصف حياته مشردا بعد نكبة فلسطين وهو شاعر الغنائية في الشعر الفلسطيني ، كما يصفه .

القسم الثاني ملحق شعري لقصائد الشعراء الاربعة الذين تناولتهم هذه الدراسة ..

الفصل الذي يفتتح هذه الدراسة والمعنون ب :" نهضة الادب الفلسطيني " هو رؤية ثقافية تاريخية ، شديدة التركيز لنشوء ما صار يعرف اليوم بالادب الفلسطيني . صحيح ان فلسطين لم تعدم في تاريخها الادب والادباء ، وهناك اسماء معروفة في الادب  الذي انتجه ادباء عاشوا فوق الارض الفلسطينية ، ولكن السؤال الذي يشغل الباحث ، هل يمكن اعتبار هذا الادب ادبا فلسطينيا لانه انتج جغرافيا فوق المساحة التي تعرف بفلسطين ؟ ام  ان لنشؤ الادب القومي ( الفلسطيني في حالتنا ، الذي يطرح قضايا المجتمع الفلسطيني ، ومسائل المصير الفلسطيني )  شروطا ومميزات خاصة لم تكن قد نشأت تاريخيا ؟

اعتقد ان هذا الفصل هو المميز الهام والاساسي في هذه الدراسة .... حيث يتابع  ما دار من نقاش في الصحافة العربية والفلسطينية حول الحياة الادبية في فلسطين ، وتجاهل العديد من الدراسات العربية لنشوء ادب فلسطيني  وظهور ادباء فلسطينيين  .. ويسجل ملاحظة هامة للدكتور اسحق الحسيني الذي كان سكرتيرا للجنة العربية الثقافية في فلسطين  ، التي نظمت المعارض والنشاطات الثقافية  المنوعة ، وذلك بدءا من الربع الاول للقرن العشرين  وحتى النكبة ، يشير فيها  الحسيني الى ان : " الناحية الثقافية في فلسطين لم تظفر بما تستحقه من عناية ، ولم توضع في منزلتها من مظاهر الحياة الاخرى، ولم يعرف مبلغ تأثيرها في حياة الامة .." الى ان يقول : " ان الامة العربية في فلسطين شاركت في قديمها وحديثها في التراث العربي مشاركة اصيلة . "

الاستنتاج الذي يصل اليه الباحث ان الادب الفلسطيني حتى الاربعينات من القرن العشرين لم يظفر باعتراف الاوساط الأدبية المهيمنة في القاهرة وبيروت ، بل اعتبر رافدا " تابعا " ، حتى في نظر بعض ابناء البلاد انفسهم .

ويستنتج الدكتور جبران ان : " النظرة الموضوعية تقتضينا الاعتراف بأن النهضة الثقافية في فلسطين قد تأخرت فعلا واختلفت عما شهدته مصر ولبنان من انبعاث ثقافي في العصر الحديث ، وذلك لعوامل تاريخية هامة .."

يرى الدكتور جبران ان : " اول هذه العوامل واجلها خطرا ... هو ان فلسطين لم تكن كيانا جغرافيا سياسيا متميزا حتى الحرب العالمية الاولى ، فقد كانت فلسطين بحدودها "الانتدابية " منذ الفتح الاسلامي ، تشكل مع الاردن جندين من أجناد بلاد الشام  " .... " وفي الامبراطورية العثمانية بقي هذا التقسيم مرتبطا بوحدة بلاد الشام .. "

 

الاستنتاج الذي يصل اليه الباحث  ان فلسطين : " لم تكن في الواقع كيانا مستقلا ، او شبه مستقل ، لا قبل الفتح الاسلامي ولا قبل المسيح في العصور القديمة ايضا " و " كان موقعها الهام وبالا عليها بصفتها جسرا بريا يربط بين اسيا وافريقيا او بين امبراطوريات وادي الرافدين وامبراطوريات وادي النيل "..." وبحريا بين اوروبا وآسيا " ... " وغدت ممرا للغازين والمستعمرين خاضعة لهذا الفاتح او ذاك دون ان تعرف استقلالا تاما او استقرارا حقيقيا منذ فجر التاريخ  ... حتى مكانتها الدينية الرفيعة في الاديان الثلاثة كانت عاملا سلبيا في نشؤ كيان فلسطيني مستقل .. الى جانب ضيق رقعة فلسطين الجغرافية وانعدام السهول الخصبة الواسعة والمياه العذبة الوفيرة ، كما هي الحال في مصر والعراق ، مما حال ايضا ، كما يستنتج الباحث .. دون استقلالها سياسيا ، او الظفر بكيان ذاتي متميز فعلا . وهذا خلق معوقات للنهضة في فلسطين بوجه عام والنهضة الثقافية بوجه خاص ..

 

في هذه المراجعة لهذا الكتاب القيم من المستحيل ان اسجل كل التفاصيل التي اعتمدها الدكتور جبران في بحثه واستنتاجاته ، لبداية النهضة والعوامل السلبية في تعويقها .. ولكن من المهم الاشارة الى ان العديد من الباحثين رأوا ما أكدة هذا البحث  من استنتاجات ، وبأن ما انتج من ادب في فلسطين حتى بداية القرن العشرين كانت موضوعاته تقليدية لا تحمل سمات فلسطينية .

 

الدكتور سليمان جبران لا يقبل استنتاجات بعض مؤرخي الأدب الفلسطيني  الذين حددوا بداية الادب الفلسطيني بمنتصف القرن التاسع عشر ، ويقدر ان السبب قد يكون ان هذا التاريخ كان بداية لظهور وانتشار مفاهيم القومية العربية ... ويؤكد رؤيته بأن الشعر الفلسطيني ، بمعناه الوطني الدقيق ، لم يكتب قبل مطلع القرن العشرين .. اما شعر القرن التاسع عشر ، فلا يعكس مجتمعا فلسطينيا وانتماء فلسطينيا ، انما هو شعر اسلامي في معظمه ، لم يجدد شيئا في مفاهيم الشعر ، او مضامينه او اساليبه .

 

اما الاستناج المثير والهام برأيي  فهو تأكيده ان بداية الشعر الفلسطيني الحقيقية كانت في مطلع  القرن العشرين ، استجابة لاحداث كبرى ... اهمها المشروع الصهيوني الذي أخذ يتحقق للعيان ، ثم الدستور العثماني  ( 1908 ) ونشوب الحرب العالمية الاولى و"الثورة العربية الكبرى "( 1916 ) ثم وعد بلفور ( 1917 )حتى بداية الانتداب البريطاني ( 1922 ) هذه هي الاحداث الكبرى التي هزت المجتمع الفلسطيني من الاعماق وشكلت العوامل الحاسمة في بلورة الانتماء الفلسطيني بعيدا عن الانتماء الاسلامي العثماني ، ومتميزا عن الانتماء القومي العربي . ويسجل جبران قصيدة ( كتبت عام 1910 ) للأديب محمد اسعاف النشاشيبي ، يرى انها قد تكون اول شعر فلسطيني  يكتب ،رأيت ان اوردها  في هذه المراجعة :

 

يافتاة جودي بالدماء                   بدل الدمع اذا رمت البكاء

فلقد ولت فلسطين ولم                يبق يا اخت العلا غير دماء

ان الاستعمار قد جاز المدى        دون ان يعدوه عن سير عداء

انها اوطانكم فاستيقظوا              لا تبيعوها لقوم دخلاء

اذكروا ان غركم مالهم               عزة الانفس دوما والاباء

 

في القسم الثاني من الدراسة يتناول د. سليمان جبران موضوع : " الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب " وهي دراسة نقدية تحمل من الاثارة الثقافية والرؤية النقدية الموضوعية ما يستحق مراجعة اخرى مستقلة .

ولكن المميز الاعظم لهذه الدراسة التاريخية الثقافية ، هو وضع النهضة الثقافية الفلسطينية في مكانها وسياقها الصحيحين ، برؤية موضوعية بعيدة عن الاستنتاجات العاطفية التي تغرق الكثير من الدراسات . ما اود ان اسجله اضافة لما سبق ، ملاحظة عابرة ، بان هذه الاستنتاجات أعادتني الى كتاب " الثقافة والإمبريالية "  للمفكر الفلسطيني الكبير ، المرحوم ادوارد سعيد ، حيث لاحظ ان الثقافة الاستعمارية قادت دائما الى نشوء " ثقافة مضادة " لدى الشعوب المغلوبة على أمرها ( المستعمرة ) ، وان هذه الثقافة المضادة تطورت الى ثقافة وطنية  لكل شيء ، لها ميزاتها و أساليبها ومضامينها وطابعها الخاص.

 

كتاب هام ونادر في موضوعه وموضوعيته ، وهو يشكل قاعدة هامة لدراسة الأدب الفلسطيني والحياة الثقافية في فلسطين قبل النكبة وبعد النكبة ، وخاصة تطور الشعر العربي والأدب العربي عامة  داخل إسرائيل بعد (1948) ، وهو الموضوع الذي يشغل الدكتور سليمان جبران الآن ..

 

كتاب " نظرة جديدة على  الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب" للدكتور سليمان جبران ( إصدار منشورات الكرمل - جامعة حيفا / 2006 )

 

نبيل عودة- قاص ، روائي ، ناقد وكاتب سياسي / الناصرة   mostkbel@netvision.net.il