خارطة الطريق نحو لا شيء

إسرائيل” وفلسطين منذ العام 2003

تأليف: تانيا راينهارت

عرض وترجمة: عمر عدس

             


بالرجوع الى وسائل الإعلام “الاسرائيلية”، الناطقة باللغة العبرية بوجه خاص، تلقي تانيا راينهارت، الضوء على تاريخ المرحلة الحالية من الصراع الفلسطيني “الاسرائيلي”، وتبين في كتابها “خارطة الطريق نحو لا شيء”، ان “اسرائيل” تستغل هذه الخارطة، لتنفيذ مآربها الحقيقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تتلخص في الحصول على اكبر قدر من الأراضي، مع أقل قدر من السكان الفلسطينيين.


وفي سبيل الوصول الى هذا الهدف، ابتدعت “اسرائيل” وسائل عدة، من أهمها جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، الذي يحول أراضي الضفة الى سجون ومعازل منفصل بعضها عن بعض، ويستحيل العيش فيها.. وبذلك يتحول هذا الجدار الى وسيلة لتطبيق التطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية.


مؤلفة الكتاب، تانيا راينهارت، استاذة فخرية لعلم اللغة والأدب المقارن في جامعة تل ابيب “الاسرائيلية” ومحاضرة زائرة في جامعة اوتريشت في هولندا، وتكتب عمودا صحافيا منتظما في كبرى الصحف “الاسرائيلية” وهي صحيفة “يديعوت احرونوت”، وهي مؤلفة كتاب (“اسرائيل” فلسطين: كيفية إنهاء حرب 1948)، الذي وصفه المرحوم ادوارد سعيد، بأنه أهم كتاب ينتقد سياسة “اسرائيل” ازاء الشعب الفلسطيني.وكتاب خارطة الطريق، صادر عن دار نشر فيرسو، في بريطانيا والولايات المتحدة.


تتحدث المؤلفة عن الغرض من تأليف الكتاب، بعد ان تعترف بالواقع قائلة: إن من يعبر عن أي نقد في الولايات المتحدة واوروبا، للسياسات “الاسرائيلية” يوصم على الفور بمعاداة السامية، ويجبر على ان يلوذ بالصمت. وأحد الأسباب التي تجعل اللوبيات الموالية ل “اسرائيل” ناجحة الى هذا الحد في استغلال تلك التهمة، كما تقول المؤلفة، هو النقص الهائل في معرفة ما يحدث حقا في الصراع “الاسرائيلي”  الفلسطيني، ففي ظل غياب الحقيقة، تبقى الرواية السائدة هي ان “اسرائيل” تصارع في سبيل الحفاظ على وجودها. وينصب الاهتمام فقط على ما يسمى الارهاب الفلسطيني، ومن هنا كثيرا ما يتهم منتقدو “اسرائيل” بأنهم يحاولون تبرير الارهاب.. ولذلك فإن غرض المؤلفة من هذا الكتاب هو توفير الحقائق كما تتبدى علنا من خلال وسائل الإعلام “الاسرائيلية”.


تطهير عرقي

 

تقول المؤلفة ان كتابها يتناول تاريخ الاحتلال “الاسرائيلي” لفلسطين منذ سنة ،2003 ومن الواضح انها  ككاتبة “اسرائيلية”  تعني بفلسطين، جزءها الذي تم احتلاله سنة ،1967 والذي يضم الضفة الغربية وقطاع غزة. ويعتبر كتابها هذا مكملا لكتابها السابق الذي يحمل عنوان (“اسرائيل”/فلسطين)، والذي يغطي الفترة من 1999 الى 2002.. وتقول في مقدمته: إن دولة “اسرائيل” قد تأسست سنة 1948 بعد حرب يسميها “الاسرائيليون” حرب الاستقلال، بينما يسميها الفلسطينيون “النكبة”. وما حدث، هو ان شعبا مضطهدا سعى الى ايجاد ملاذ له ودولة تؤويه، وقد فعل ذلك مقابل ثمن رهيب دفعه شعب آخر، وخلال حرب سنة 1948 تم طرد أكثر من نصف السكان الفلسطينيين، الذين كان عددهم في ذلك الوقت مليونا و380 ألف نسمة، من وطنهم على أيدي الجيش “الاسرائيلي”. ومع ان “اسرائيل” ادعت رسميا ان غالبية اللاجئين هربوا ولم يطردوا، الا أنها ما تزال ترفض السماح لهم بالعودة، كما طالب بذلك قرار للأمم المتحدة صدر بعيد حرب 1948. وعلى ذلك، فإن الوطن “الاسرائيلي” قد تم الحصول عليه من خلال التطهير العرقي للسكان الفلسطينيين الاصليين.وتضيف المؤلفة قائلة: لو ان “اسرائيل” توقفت هنالك، سنة ،1948 لربما كنت اتعايش مع ذلك، و”كإسرائيلية” كبرت وأنا اعتقد ان هذه الخطيئة الكبرى التي تأسست عليها دولتنا، قد تغتفر في يوم من الايام، لأن جيل المؤسسين كان يحدوه الايمان بأن ذلك هو السبيل الوحيد لإنقاذ الشعب اليهودي من خطر محرقة أخرى.. ولكن “اسرائيل” لم تقف عند ذلك الحد.


وتمضي المؤلفة في سردها قائلة: إن “اسرائيل” احتلت سنة 1967 الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة (بالاضافة الى مرتفعات الجولان السورية). واليوم ما يزال اكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني يعيشون في هاتين المنطقتين تحت الاحتلال “الاسرائيلي”. وفي سنة 1993 بدا لوهلة ان الاحتلال قد شارف على نهايته، واعتقد كثيرون ان اتفاقات أوسلو، التي جرى توقيعها في واشنطن ذلك العام، سوف تؤدي الى انسحاب “اسرائيل” من المناطق المحتلة، والى تشكيل دولة فلسطينية. ولكن الأمور لم تسر على هذا النحو. اذ حولت القيادة السياسية لمعسكر السلام “الاسرائيلي” روح المصالحة في أوسلو، الى شكل جديد من الحفاظ على الاحتلال، أشد تعقيدا. غير ان الخط الرسمي “الاسرائيلي” ظل خلال كل تلك السنوات يوحي بأن الوضع مؤقت. ووفق ذلك الخط، كانت اتفاقيات أوسلو محض اتفاقيات مؤقتة حيث ينبغي اتخاذ خطوات ضرورية على المدى البعيد من أجل وضع تفاصيل اتفاق نهائي. وظلت حكومات حزب العمل على الأقل، تواصل التعهد بأن “اسرائيل” في نهاية ما يسمى “الفترة الانتقالية” سوف تنسحب في آخر الأمر، وتفكك المستوطنات وتنهي الاحتلال. وفي يوليو/تموز سنة ،2000 قاد رئيس الوزراء الذي ينتمي الى حزب العمل، ايهود باراك، “الاسرائيليين” والعالم نحو الاعتقاد بأن “اسرائيل” غدت في نهاية المطاف راغبة في ان تبدأ حقبة السلام الجديدة هذه. ولكن ولايته كرئيس للوزراء، اذنت بدلا من ذلك، بانتهاء مرحلة أوسلو، وعودة السيطرة العسكرية “الاسرائيلية” المباشرة على المناطق المحتلة.


وتذكرنا المؤلفة بأنها كانت قد وصفت الفترة الواقعة ما بين سنتي 2000 و2002 بأنها أشد السنوات حلكة في تاريخ الاحتلال “الاسرائيلي” للأراضي الفلسطينية. ثم تستدرك قائلة: إن الفترة التي تلت ذلك، وفي ظل  زعامة ارييل شارون، غدت أسوأ. فقد شرع شارون في تنفيذ مشروع ضخم للتطهير العرقي في مناطق الضفة الغربية المتاخمة ل “اسرائيل”. فمشروع الجدار الذي وضعه يسلب الاراضي من القرى الفلسطينية في هذه المناطق، ويحبس بلدات كاملة، ويدع القاطنين فيها من دون أي وسيلة لكسب القوت. وتضيف المؤلفة انه اذا استمر ذلك المشروع، فسوف يضطر الكثيرون من الفلسطينيين الذين يطالهم تأثيره، والبالغ عددهم 400 ألف نسمة، الى الرحيل والبحث عن الرزق على اطراف المدن في وسط الضفة الغربية، كما حدث فعلا في بلدة قلقيلية في شمال الضفة الغربية. وقد اخليت المستوطنات “الاسرائيلية” من قطاع غزة، ولكن القطاع ما يزال سجنا كبيرا، معزولا تماما عن العالم الخارجي، يعاني التجويع، والترويع من البر والبحر والجو، على أيدي الجيش “الاسرائيلي”.ومع ذلك، تقول المؤلفة: كان العالم الغربي في ابريل/نيسان ،2006 ما يزال واقعا تحت تأثير سحر خرافة ارييل شارون، والتغيير العظيم المزعوم الذي اجري على السياسة “الاسرائيلية”، من التوسع والاحتلال الى الاعتدال والتنازلات، ومنذ اخلاء المستوطنات في قطاع غزة، ظلت الرواية السائدة في الغرب، تقول إن “اسرائيل” قد أدت الدور المطلوب منها من أجل إنهاء الاحتلال، واعلنت استعدادها لاتخاذ خطوات أخرى اضافية، ولكن الدور الآن على الفلسطينيين، لكي يبرهنوا على أنهم قادرون على العيش بسلام مع جارتهم ذات السريرة الصافية.


تزييف الوعي

 

تتساءل المؤلفة متعجبة: كيف تسنى لشارون، وهو اشد زعماء “اسرائيل” وحشية وسوء ظن بالبشر، وعنصرية وانعدام ضمير، ان يختتم سيرته السياسية بطلا اسطوريا للسلام؟ وتقول المؤلفة: إن الجواب عن ذلك، الذي يضمه هذا الكتاب، ان شارون لم يتغير أبداً، بل ان ولادة اسطورة شارون، تعكس السيطرة الكاسحة للنظام الدعائي، الذي بلغ، كما يقول تشومسكي، حد الكمال في تزييف الوعي.


وتقول المؤلفة إنه بات من البديهي في التاريخ الحديث للاحتلال “الاسرائيلي”، ان الفترة التي يشملها كتابها، قد استهلت بمبادرة سلام جديدة، هي خارطة الطريق. وقد قبل الفلسطينيون الخطة، واعلنوا وقف اطلاق النار، ولكن، بينما كان العالم الغربي يحتفل بحقبة السلام الجديدة، راح الجيش “الاسرائيلي” بقيادة شارون يشدد سياسة الاغتيالات، ويواصل المضايقات اليومية والتحرش بالفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، ثم اعلن في النهاية الحرب الشاملة على حماس، وقتل جميع أفراد المرتبة الأولى في قيادتها العسكرية والسياسية. وبعد ذلك، وبينما حبس العالم الغربي انفاسه مرة أخرى، وانتظر الانسحاب المخطط من غزة، ثمانية عشرة شهرا، عمل شارون كل ما هو ممكن لخذلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس المنتخب حديثا، ورفض مطالباته باستئناف التفاوض.وترى المؤلفة ان شارون، خلافا لما هو شائع، لم يخل مستوطنات غزة بمحض ارادته. بل انه ابتدع خطة فك الارتباط كوسيلة لكسب الوقت في ذروة الضغط الدولي الذي اعقب تخريب “اسرائيل” لخارطة الطريق. ومع ذلك، ظل حتى اللحظة الأخيرة لفك الارتباط، يبحث عن سبل للحنث بما تعهد به، كما فعل في مرات عدة سابقة.وتعتقد المؤلفة ان ما أجبر شارون هذه المرة على الوفاء بما وعد به، والانسحاب من غزة، هو إدارة بوش. وتقول إن الضغط الامريكي على شارون، كان هائلا، وتضمن عقوبات عسكرية على “اسرائيل”، رغم ان ذلك ظل طي الكتمان.وفي الوقت ذاته، تقول المؤلفة نجح شارون نجاحا باهرا في تزييف الوعي، وبرهن على انه يمكن تسويق الحرب دائماً باعتبارها سعيا حثيثا نحو السلام. واثبت انه يمكن ان يسجن الفلسطينيين، ويقصفهم بالقنابل من الجو، ويسلب اراضيهم في الضفة الغربية، ويبدد كل فرصة للسلام، ويفوز في الوقت ذاته باطراء العالم الغربي له، باعتباره الطرف المسالم في الصراع “الاسرائيلي”  الفلسطيني.ولكن انسحاب شارون من الحياة السياسية، ورقوده في مستشفى في القدس غائبا عن الوعي، لا يبشر بحدوث أي تغيير، والإرث الذي خلفه ما يزال حيا. فقد تعهد هذا الارث بالرعاية على مدى اكثر من عقد من الزمن في الجيش “الاسرائيلي”، الذي هو العامل الغالب في الحياة السياسية “الاسرائيلية”.


وتسترسل المؤلفة في الحديث عن دور الجيش في الديمقراطية “الاسرائيلية”. وتقول: إن تصعيد الأعمال العدائية الذي بدأ بنهاية سبتمبر/أيلول سنة ،2000 لم يكن اندلاعا عفويا للعنف، بل كان حركة محسوبة ومجهزة بعناية من قبل الجيش “الاسرائيلي”، الذي كان في ذلك الوقت آخذا في اكتساب قوة سياسية عظيمة، بتعيين رئيس اركانه السابق، ايهود باراك، رئيسا للوزراء.وتقول المؤلفة: إن اتفاقات أوسلو سنة ،1993 كانت في واقع الأمر تحقيقا لخطة ألون القديمة حين كان على رأس حزب العمل، والتي تقضي باحتفاظ “اسرائيل” بنحو 40% من أراضي الضفة الغربية، والسماح للفلسطينيين بممارسة حكم ذاتي ضمن المساحة التي تبقى، ولكن، حتى ذلك كان كثيرا جداً في عيون الجيش “الاسرائيلي” وصقور النظام السياسي، لأنه على المدى البعيد قد يؤدي الى فقدان “اسرائيل” سيطرتها على المناطق المحتلة. وقد ابدى باراك وشارون معارضة عنيدة لاتفاقيات أوسلو منذ البداية.باراك.. العرض “السخي”تواصل المؤلفة سرد تاريخ هذه الحقبة من الاحتلال “الاسرائيلي”، فتقول إن غالبية “الاسرائيليين” كانت قد ضاقت ذرعا بالحرب عشية أوسلو. ولكن ايديولوجية “استرداد الأرض” لم تمت أبدا في أوساط الجيش وصقور السياسة، وفي نظر هؤلاء، فإن البديل الذي طرحه شارون بمحاربة الفلسطينيين حتى النهاية، وفرض نظام اقليمي جديد، فشل في لبنان سنة ،1982 بسبب ضعف المجتمع “الاسرائيلي” المنكفئ على ذاته، ولكن مع التفوق العسكري “الاسرائيلي” الهائل، ربما لا يزال ممكنا سحق المقاومة الفلسطينية وكسب المزيد من الأراضي عن طريق القوة، وعندما تولى باراك زمام السلطة سنة 1999 انفتح الطريق على مصراعيه للعدول عن اتفاقيات أوسلو وحلها، ومن أجل تحقيق ذلك، كان من الضروري أولا اقناع المجتمع “الاسرائيلي” المدلل بأن الفلسطينيين غير راغبين في العيش بسلام، وانهم يهددون “اسرائيل” في صميم وجودها. ونجح باراك في فعل ذلك عن طريق “عرضه السخي” في يوليو/تموز سنة 2000 في قمة كامب ديفيد، الذي لم يكن سوى خدعة، كما تقول المؤلفة، وفي عهد شارون اكتملت استعادة السيطرة العسكرية المباشرة على المناطق المحتلة.وتتحدث راينهارت عن مكانة الجيش في الحياة السياسية “الاسرائيلية” فتقول إنه العامال السياسي الأكثر استقرارا  والاشد خطرا  في “اسرائيل”، وقد تعززت مكانته السياسية بدرجة اكبر في عهد شارون. ومن الواضح ان القرارات الحقيقية يتخذها الجيش، وليس المستوى السياسي.وفي المقابل، تقول المؤلفة: يعاني النظام السياسي من عملية تفسخ تدريجي. ففي تقرير للبنك الدولي صدر في ابريل/نيسان ،2005 وجد ان “اسرائيل” هي احدى الدول الأكثر فسادا والأقل فاعلية في العالم الغربي، ولا تسبقها الا ايطاليا على مؤشر الفساد الحكومي، كما انها في المرتبة الدنيا على مؤشر الاستقرار السياسي. وكان شارون واولاده متورطين شخصيا في تهم رشوة مستفحلة لم يتح لها ان تصل المحاكم أبداً. والحزب الجديد الذي أسسه شارون، وهو حزب كديما، والذي يرأس الحكومة الآن، هو زمرة متسلسلة من الأفراد ليس لديها مؤسسات حزبية أو فروع محلية. ودليله الذي نشر في 22 نوفمبر/تشرين الثاني ،2005 يتيح لزعيمه ان يتجاوز جميع العمليات الديمقراطية المعيارية ويعين قائمة مرشحي الحزب للبرلمان من دون تصويت أو موافقة من أي هيئة حزبية.ولم يتمكن حزب العمل من تقديم بديل. وضمن عمليتي الانتخابات “الاسرائيلية” الاخيرتين، انتخب حزب العمل مرشحين لرئاسة الوزراء محسوبين من الحمائم، وهما: أمرام متزناع، سنة ،2003 وعمير بيرتس سنة ،2006 وقد استقبل كلاهما في البداية بحماسة كبيرة، ولكنهما اسكتا في النهاية من قبل حزبهما ومستشاري الحملة الانتخابية، والرقابة التي فرضاها على نفسيهما، بهدف وضع نفسيهما “في مركز الخارطة السياسية”. وسرعان ما اصبح برنامج كل منهما مماثلا تقريبا لبرنامج شارون. حتى ان بيرتس أعلن انه في شؤون “الخارجية والأمن” سوف يفعل بالضبط ما فعله شارون، أو ما يفعله اولمرت، ولن يختلف عنهما الا في الشؤون الاجتماعية. وهكذا ساعد هذان المرشحان في اقناع الناخبين “الاسرائيليين” بأن نهج شارون هو النهج الصائب. وتقول المؤلفة إنه لم تكن هنالك في السنوات الأخيرة معارضة جوهرية لحكم شارون والجنرالات، حيث اعتاد حزب العمل الانضمام الى الحكومة بعد الانتخابات، لاضفاء الصورة الحمائمية التي يريدها الجنرالات للحكومة أمام المجتمع الدولي.وتتطرق المؤلفة الى الاسباب التي حالت دون تحقيق القيادة السياسية “الاسرائيلية” أي تقدم على صعيد حل الصراع “الاسرائيلي”  الفلسطيني. وتقول إن التفسير السائد لذلك هو انه لا توجد في المجتمع “الاسرائيلي” اغلبية تدعم تقديم تنازلات كبيرة. ولذلك يجد حتى احسن الزعماء “الاسرائيليين” نية، واكثرهم حمائمية، أنفسهم مضطرين الى كبح ميولهم، والاكتفاء بتقديم ما يمكن للأغلبية ان تقبله. وتقول المؤلفة إن ذلك قد يكون صحيحا في الماضي، ولكن هذا الادعاء، ومنذ أوائل تسعينات القرن الماضي على الأقل لم يعد ذا أساس واقعي. وتضيف ان هنالك اجماعا واسعا داخل المجتمع “الاسرائيلي” على ان السلام مع الفلسطينيين وغيرهم من الجيران العرب يتطلب الانسحاب من المناطق المحتلة واخلاء المستوطنات. وقد احدثت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987  1993) تغييرا جوهريا في الرأي العام “الاسرائيلي”. حيث اكتشف المجتمع “الاسرائيلي” ان احتلاله الأراضي الفلسطينية كان باهظ الثمن. وأصبح كثيرون غير مستعدين لتقبل الاحتلال من منطلق اخلاقي، كما ان آخرين لم يعودوا على استعداد لدفع تكاليفه على الصعيدين الاقتصادي والبشري. وقد تعزز هذا التحول في الرأي بتغيير مواز حدث داخل المجتمع الفلسطيني. فمنذ الانتفاضة الأولى كان كفاح الفلسطينيين من أجل الاستقلال قائما كذلك على اعتراف صريح بحق “اسرائيل” في الوجود ضمن حدودها التي كانت قائمة قبل سنة 1967. وقد دعا اجتماع الانتفاضة الذي عقده المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر سنة ،1988 للمرة الأولى، الى تقسيم فلسطين التاريخية الى دولتين مستقلتين.

 

توجهات المجتمع “الإسرائيلي”


تتحدث المؤلفة عن التوجهات السائدة في المجتمع “الاسرائيلي” بشأن حل النزاع “الاسرائيلي” الفلسطيني، وتقول إن الرأي العام “الاسرائيلي” قد تبلور منذ أوائل التسعينات ضمن أنموذج واضح. حيث ان ثلث “الاسرائيليين” تقريبا يعارضون الاحتلال والمستوطنات بشدة، من منطلق اخلاقي وعقائدي، ويؤمن ثلث آخر بحق “اسرائيل” في فلسطين بكاملها ويؤيد المستوطنات، أما الثلث الأوسط، فيتكون من أناس لا يحملون قناعات ايديولوجية ثابتة بشأن الموضوع، وهم أناس ينحصر همهم في ان يكونوا قادرين على عيش حياة عادية. وفي أيام اتفاقات أوسلو انضم هذا الثلث الأوسط الى المعسكر الذي ينادي بإنهاء الاحتلال، فكان ثلثا المجتمع “الاسرائيلي” يؤيدون أوسلو في استطلاعات الرأي، على الرغم من ادراكهم ان اتفاقات أوسلو سوف تفضي في النهاية الى انسحاب “اسرائيل” من الأراضي المحتلة واخلاء المستوطنات. وتمضي المؤلفة الى القول، إن هذا النموذج ظل قائما منذئذ، من دون تغيير في جوهره، حيث تبين جميع استطلاعات الرأي ان ما يقرب من ثلثي “الاسرائيليين” يؤيدون الانسحاب واخلاء مستوطنات الضفة الغربية. ورغم ذلك، تقول مؤلفة الكتاب لم تتمكن هذه الاغلبية من فرض ارادتها، فمنذ سنة 1999 ظل جميع الزعماء “الاسرائيليين” (بمن فيهم شارون)، يعدون بتقديم تنازلات ضخمة في سبيل السلام، اثناء حملاتهم الانتخابية، ليفعلوا العكس تماما بعد انتخابهم.ومع انهيار النظام السياسي، كما تقول مؤلفة الكتاب، يظل الجيش هو الهيئة التي تضع السياسات “الاسرائيلية” وتنفذها، وكما هو واضح خلال الشهور التي تلت رحيل شارون عن رئاسة الوزراء، ظل الجيش عازما على تنفيذ ارث شاون وخلفه ايهود اولمرت. ويتمثل هذا الارث في حرب لا تنتهي، ليس مع الفلسطينيين وحسب، بل ومع من يعتبرهم الجيش “الاسرائيلي” شبكة الدعم المحتملة للفلسطينيين، سواء ايران اليوم أو سوريا غدا.

2

الحلقة الثانية


ففي غضون الوقت الذي كسبه شارون من خلال تطبيق خطة فض الاشتباك مع قطاع غزة، كان يعمل جاهداً على تحقيق تصوره القديم بشأن سيطرة “إسرائيل” على الضفة الغربية.وتوضح المؤلفة ذلك التصور، فتقول، ان المسألة التي شغلت بال النخبة السياسية والعسكرية “الإسرائيلية” منذ الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية سنة ،1967 هي الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأراضي المحتلة- مع أقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين. وكانت خطة حزب العمل “الإسرائيلي” بزعامة الون، والتي تحققت عبر اتفاقيات أوسلو تتضمن الاحتفاظ بنحو 40% من الضفة الغربية، ولكنها تتيح للفلسطينيين حكماً ذاتياً في مساحة ال 60% الباقية ولكن هدف باراك وشارون، كان تخريب اتفاق أوسلو، فمنذ أواسط سنة 2000 وما تلاه، أصبحت الضفة الغربية وغزة بكاملهما خاضعتين مرة أخرى للاحتلال العسكري “الإسرائيلي”. وكانت القيادة “الإسرائيلية” الحالية والتي لا تنوي أبداً التخلي عن هذه المناطق، بحاجة إلى اختراع أسلوب بعيد المدى للسيطرة على ملايين الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، وكان الحل الذي ابتدع في عهد شارون إقامة منظومة سجون معقدة، يتم من خلالها زج الفلسطينيين داخل معازل مغلقة بإحكام، وخاضعة للسيطرة التامة من الخارج للجيش “الإسرائيلي”، الذي يستطيع أن يدخلها كلما رغب في ذلك، وتضيف المؤلفة قائلة إن هذا السجن لشعب برمته يشكل نموذجاً للاحتلال غير مسبوق، وهو ينفذ بسرعة وفاعلية رهيبتين.يقوم مشروع شارون على إخضاع الضفة الغربية لتطبيق النموذج الذي نجح تطبيقه في قطاع غزة. وقد بدا لفترة قريبة أنه يصعب تحويل الضفة الغربية إلى سجن، فهي أكبر مساحة من غزة. ولكن منذ مايو/أيار ،2002 راحت “إسرائيل” تبني في الضفة الغربية جداراً، إذا اكتمل، فسوف يجعل منظومة السيطرة أمراً واقعاً.وكان شمعون بيريز قد قال في اجتماع عقد في 23 يونيو/حزيران ،2002 يوم كان وزيراً للخارجية “الإسرائيلية”، ذلك الاجتماع الذي تمت الموافقة فيه على الخطوط العريضة لمسار الجدار، ان خطة الجدار تعني قيام “إسرائيل” بضم نحو 22% من مساحة الضفة الغربية، ومنذ ذلك الوقت ظل الجدار الذي يجري بناؤه، يتوغل داخل الأراضي الفلسطينية أكثر فأكثر. وحسبما ورد في تقرير الأمم المتحدة صدر في نوفمبر/تشرين الثاني ،2003 فإن جزء الجدار الذي تم إنجازه حتى ذلك الوقت والذي لم يكن يشمل منطقة القدس بعد- قد ضم 14،5% من الأراضي الفلسطينية. وإذا تم تنفيذ الخطط الموسعة التي وافقت عليها الحكومة التي خلفت حكومة شارون- بما في ذلك إقامة جدار على الجانب الشرقي للضفة الغربية، الذي يفصلها عن نهر الأردن- فسوف يضم نظام الجدار للجانب “الإسرائيلي” نحو 40% من  أراضي الضفة الغربية. وعلى طول المسار الخاضع للإنشاء، تقوم “إسرائيل” باقتلاع عشرات الألوف من الأشجار، وتجريد المزارعين الفلسطينيين من أرضهم، ودفعهم نحو معازل صغيرة واقعة بين الاسيجة والجدران، وفي نهاية الأمر سوف يكونون مطوقين من جميع الجهات، كما هي الحال مع قطاع غزة في الوقت الحاضر.

 

ادعاءات زائفة

 

تبين المؤلفة زيف ادعاءات “إسرائيل” بأن إقامة الجدار تأتي بدوافع أمنية، ولحماية “الإسرائيليين” من هجمات المقاومة الفلسطينية. وتقول المؤلفة إن الاعتبارات الأمنية ليست هي التي تقرر المسار الحالي للجدار، ولو كان الغرض من الجدار هو منع رجال المقاومة من التسلل إلى “إسرائيل” حقاً، لكان أقيم على حدود “إسرائيل” لسنة 1967 من دون أن يطال الأراضي الفلسطينية بأذى.وتقضي خطط “إسرائيل” المعلنة للاتفاق النهائي، بضم الكتل الاستيطانية الكبرى في وسط الضفة الغربية إلى “إسرائيل”. ولكن، حتى لو كان الجدار يقام بناء على هذه الخطط، لكان اتخذ مساراً آخر، فالمسار الذي خططه شاؤول ارييلي رئيس دائرة السلام في حكومة باراك، ينحرف ايضاً عن حدود ،1967 ويضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى الأراضي “الإسرائيلية”، ولكن الكيلومترات المربعة الثلاثمائة من أراضي الضفة الغربية، التي تضمها إلى “إسرائيل”، هذه الخطة أصغر من ثلث الأرض التي يضمها المسار الحالي، وكانت خطة ارييلي ستعزل 56 ألف فلسطيني عن سائر مواطنيهم داخل الضفة الغربية، ولكن المسار الحالي سيعزل 400 ألف فلسطيني.

 

الجدار ومياه الضفة الغربية

 

كان هدف شارون والجيش “الإسرائيلي” من مسار الجدار ضم أكبر قدر ممكن من مساحة الضفة الغربية، ولكن الجشع إلى الأراضي، لم يكن وحده هو الذي دفع “إسرائيل” إلى إرسال جرافاتها إلى الأراضي الفلسطينية في شمال الضفة الغربية، حيث اكتمل الجدار هناك الآن، وتقع هذه الأراضي على الجزء الغربي من حوض المياه الجوفية الضخم في الضفة الغربية الذي تتدفق مياهه تحت الأرض إلى وسط “إسرائيل”، فمن الستمائة مليون متر مكعب التي يوفرها ذلك الحوض سنوياً، تأخذ “إسرائيل” نحو 500 مليون متر مكعب، وعلى ذلك فإن السيطرة على مصادر المياه كانت على الدوام من الدوافع “الإسرائيلية” الرئيسية لاحتلال فلسطين. وكانت حكومات حزب العمل في سبعينات القرن الماضي قد وافقت على إقامة المستوطنات الأولى في مناطق تعتبرها “مواقع حاسمة الأهمية” بالنسبة إلى الحفر لاستخراج المياه، وتقع جميع هذه المستوطنات الآن (مثل مستوطنة الكانا، التي تبعد ستة كيلومترات عن خط حدود 1967 الذي يسمى “الخط الأخضر”) على الجانب “الإسرائيلي” من الجدار.ويحقق الجدار طموحات “إسرائيل” في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وفق الخرائط والتصورات “الإسرائيلية” والخريطة الرسمية الوحيدة التي عرضتها “إسرائيل” باعتبارها اقتراحها الخاص بالاتفاقية النهائية، هي الخريطة التي عرضها ايهود باراك أثناء مفاوضات طابا- ايلات في مايو/أيار سنة ،2000 قبل شهرين من مؤتمر قمة كامب ديفيد، وقد نشرت هذه الخريطة في صحيفة يديعوت احرونوت “الإسرائيلية” في 19 مايو/أيار من تلك السنة. وتقسم هذه الخريطة الأراضي الفلسطينية إلى أربعة معازل منفصل بعضها عن بعض. وفي التطبيق العملي يهدف مشروع جدار الفصل العنصري إلى تحقيق هذه الخريطة على الواقع. ويتبع الجدار في الوقت الحاضر الخط الذي يفصل المناطق الفلسطينية المحاذية ل”إسرائيل” على الجانب الغربي للضفة الغربية، ولم يبدأ العمل بعد على الجدار الشرقي الذي سيفصل الضفة الغربية عن نهر الأردن، ولكن “إسرائيل” ماضية في اتخاذ خطوات منتظمة لعزل هذه المناطق عن بقية الضفة الغربية.


تتحدث المؤلفة عن الأسلوب الذي تتبعه “إسرائيل” في تطبيق خطة بناء الجدار، إذ تخطط وتنفذ، تحت غطاء سياسي ودبلوماسي يتنافى مع حقيقة ما يجري على الأرض.فعندما بدأ العمل ببناء الجدار، زعمت “إسرائيل” أنه سيكون حاجزاً أمنياً مؤقتاً، وان مساره لن يشكل أي خط حدود دائم، ولكن في 2 يناير/كانون الثاني ،2006 وبعد رحيل شارون عن السلطة، كشفت صحيفة “معاريف” الخطة التي كان ينوي تنفيذها في الضفة الغربية، وتستند هذه الخطة إلى الاعتراف النهائي من جانب الولايات المتحدة بأن خطة الطريق باتت في وضع يستحيل معه تطبيقها، وأنها في حقيقة الأمر كانت على الدوام متعذرة النجاح، لأنه لم يكن هنالك أبداً شريك فلسطيني أصيل في عملية السلام، وكان الأمر على هذا النحو قبل الانتخابات التي حملت حركة حماس إلى سدة السلطة، فلم تكن أي قيادة فلسطينية في نظر “إسرائيل” شريكاً ملائماً في السلام. وكانت الحجة التي تقوم عليها خطة شارون، هي أن خريطة الطريق قد فشلت لأن السلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس تقاعست عن الوفاء بالتزاماتها في محاربة شبكة الإرهاب، وفي ظل غياب شريك ملائم، سوف تعين “إسرائيل” حدودها من جانب واحد- أي انها سوف تحدد بنفسها مقدار الأرض الفلسطينية التي ستستولي عليها، وتفض اشتباكها مع ما يتبقى. وبناء على هذه الخطة فإن “إسرائيل” والولايات المتحدة سوف تشرعان فور اتفاقهما على أن خطة الطريق قد ماتت، وفي “مفاوضات سرية ومكثفة” تؤدي إلى توقيع اتفاقية مع واشنطن تعين الحدود الشرقية النهائية ل”إسرائيل”، وسوف تتضمن الاتفاقية الأمريكية - “الإسرائيلية” إكمالاً سريعاً للسياج (جدار الفصل العنصري) الذي سيصبح سياج (....) حدود حقيقي”.وتتابع المؤلفة قائلة إنه على الرغم من أن شارون قد غادر المسرح السياسي، إلا أن هذا الحل يبقى هو خطة “إسرائيل” الرسمية. ففي عشية الانتخابات “الإسرائيلية” يوم 28 مارس/آذار 2006 كشف أولمر