د. تيسير الناشف

كيان القمع ليس كياني

 

ليس هذا الكيان الذي أحترمه.

لا أحترم الكيان الذي يملكه رجل واحد.

ولا أحترم الكيان الذي فيه يزج الشخص بالسجن أو يهتك عرضه أو يقتل أو ينفى لمجرد توخيه الموضوعية وقوله الحقيقة كما يراهما.

أعزف عن الكيان الذي فيه يجرد الإنسان من إنسانيته، والفرد من فرديته.

أعزف عن الكيان الذي فيه يعادي متولو السلطة الشخص لأنه لا يقف موقفهم ولأنه يتوخى الحياد.

أمقت الكيان الذي فيه ينفى صاحب الرأي الآخر أو المحايد او المختلف أو المخالف أو المحاور أو المناقش أو المجتهد.

لا أحترم كيانا فيه يوصم صاحب الرأي المختلف بالمروق وصاحب الرأي المخالف بالإلحاد وصاحب الرأي الجديد بالابتداع.

أمقت الكيان الذي فيه لا تدق الطبول ولا تزغرد النساء إلا احتفالا بصاحب السلطة خوفا وتملقا ورياء.

أمقت الكيان الذي فيه يشنق البريء شنقا على الشبهة، ويزج بالبريء في غياهب السجن  امد الحياة بنميمة كيدية.

لا أبغي الانتماء الى كيان فيه يصفق ملايين البشر لشخص ولا يدرون لِِمََ يصفقون،

ويتهافت الملايين بعضهم وراء بعض نحو شيء لا يدرون ما هو،

ويهتف الناس بجموعهم استحسانا لحاكم خطيب قبل أن يعرفوا ما سينطق به، وقبل أن يشرع في إلقاء خطابه وقبل أن ينهي فقرة بدأ بنطقها.

أدين الكيان الذي فيه تكون وظيفة جيشه ذبح أبنائه، وتكون قوى الأمن القوى الباعثة على القلق والخوف.

أتقزز من كيان تكون فيه السيارات المدرعة دروعا تشج بها رؤوس الناس بدلا من أن تكون دروعا لحمايتهم.

لقد عانينا عناء شديدا. كُسرت الأقلام. كُممت الأفواه. جف المداد. وضع جهاز التنصت تحت الوسادة. إنه يحصي على الناس أنفاسهم. لا يجرؤ المرء على فتح فيه. يجب على الرعايا أن يقبّلوا حذاء السلطان كيلا يموتوا جوعا. قمعنا قمعا وحشيا. وبات من الصحيح وصفنا بالشعب المقموع.

   ++++

 

حقوق الانسان: عالميتها وانتقائية ممارستها

د. تيسير الناشف

نيوجرسي - الصفصاف

تتأصل حقوق الإنسان في الطبيعة البشرية، إذ ان من طبيعة البشر أن تكون لهم حقوق في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية. ومن هذه الحقوق الحق في العيش والحياة والحرية والكرامة، وفي السعادة، وفي التحرر من الخوف والعوز، وفي التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبالنظر إلى أن الطبيعة البشرية ذات طابع عالمي ومستقل عن الحدود الجغرافية والزمنية فإن حقوق الإنسان هذه أيضا ذات طابع عالمي ومستقل عن هذه الحدود. وبالنظر إلى قِدَم الطبيعة البشرية فإن هذه الحقوق المتأصلة في الطبيعة البشرية قائمة قبل وضع الصكوك الدولية، من اتفاقات واتفاقيات ومعاهدات وغيرها، المعنية بحقوق الإنسان.

وبما أن الطبيعة البشرية واحدة فإن هذه الحقوق يترابط الواحد منها بالآخر ترابطا عضويا. وهي بالتالي تترابط بعضها ببعض في وجوب حمايتها، بمعنى أن حماية حق واحد من حقوق الإنسان تتطلب حماية الحقوق الأخرى، وانتهاك حق واحد منها انتهاك للحقوق الأخرى. لا تصح تجزئة مفهوم الحقوق بأن يعترف بحق ولا يعترف بحق أو حقوق أخرى، أو تجزئة مفهوم الحماية بأن يعترف بوجوب حماية حق ولا يعترف بوجوب حماية حق أو حقوق أخرى. لا تُراعَى حقوق الإنسان حينما يُمارَس الحق في التنمية الاقتصادية بينما لا يمارس الحق في الإعراب عن الرأي. إن ممارسة الحق في التنمية الاقتصادية لا تغني عن وجوب ممارسة الحق في التعبير عن الرأي.

وبما أن البشر ينتمون اإى جنس واحد لا يصح أن يجزأ الإقرار بحقوق الإنسان تجزئة جغرافية بأن يُقر بحقوق الإنسان لشعب دون شعب آخر في منطقة أو دولة أو قارة واحدة، أو لشعب في قارة دون شعب آخر في قارة أخرى، أو لفرد دون فرد آخر في نفس الدولة لمجرد أن ذلك الفرد الذي لم يتم الإقرار بحقوقه يتكلم لغة ما، مثلا اللغة العربية، أو يعتمر كوفية ويضع عقالا على رأسه بدلا من قلنسوة أو قبعة، أو ولد في مكان مثل نابلس بدلا من أن يكون ولد في مكان مثل كزبنهاغن.

وللسبب الجوهري نفسه لا يصح أن يجزأ الإقرار بحقوق الإنسان تجزئة على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو الانتماء الإثني أو الطائفي. لا يصح أن يكون لشخص ولد في لندن حقوق إنسان أقوى وأكثر من حقوق الإنسان الفلسطيني لمجرد أن الأول ولد في الغرب بعينين زرقاوين وشعر أشقر بينما يماثل لون بشرة الشخص الآخر لون التراب الفلسطيني.

وبالنظر إلى عالمية حقوق الإنسان لا يصح أن يقصر تحديد هويتها أو تدوينها أو إعمالها أو تعزيزها أو حمايتها على حفنة من الدول تتمتع بتفوق سياسي أو عسكري أو اقتصادي أو تكنولوجي. إن عالمية حقوق الإنسان، أو الطبيعة العالمية لهذه الحقوق، هي النقيض التام لأن ينتحل شخص أو فئة أو جماعة أو دولة أو ائتلاف أو تحالف لنفسه مهمة وضع معايير لحقوق الانسان ومهمة إصدار الحكم على مدى مراعاة الآخرين لها ومدى تمسكهم بها.

ومن الواضح والطبيعي أنه مما يتنافى مع عالمية حقوق الانسان انتقائية ممارستها، واللجوء إليها حسب الفائدة التي يجنيها الشخص الذي يلجأ الى هذه الانتقائية، مسترشدا بمقتضيات أهداف السياسة الخارجية والمصالح الاقتصادية والعسكرية. إن لحقوق الانسان ولقيمة الإنسان المتأصلة فيها من الأهمية ما يجعل من الإثم الكبير إخضاعها للاعتبارات والمصالح السياسية أو استخدامها أداة للضغط السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي، أو للإبقاء على نظام من النظم الظالمة العسكرية أو الاحتلالية أو العنصرية. والقيام بذلك من شأنه أن يؤدي يقينا إلى تقويض الثقة بنزاهة من يدعي أو يتشدق بالمناداة بحقوق الإنسان وباحترامها.

وتأصل حقوق الإنسان في الطبيعة البشرية لا مفر من أن يتضمن ضرورة حماية هذه الحقوق. فتأصل الحقوق في الطبيعة البشرية يقتضي بالتأكيد حمايتها، وتستدعي هذه الحماية توفر ما يلزم من موارد مادية وقانونية وسياسية. ويقصد بتوفر المورد السياسي توفر الإرادة السياسية الحكومية وغير الحكومية على حمايتها. فإذا قيل بوجوب حماية حقوق الإنسان دون توفر الموارد اللازمة لحمايتها وصونها نال ذلك من أثرها.

لقد عقدت في السنوات الأخيرة اجتماعات دولية معنية بحقوق الإنسان. وأتاحت هذه الاجتماعات فرصة طيبة لأن يقيم المجتمع الدولي منجزاته ووجوه قصوره في مجال احترام حقوق الإنسان في العقود الأربعة الأخيرة.  وتطرق ممثلو الجهات المشاركة في هذه الاجتماعات إلى قضايا حيوية من قبيل احترام القيم الثقافية والدينية والأخلاقية لكل الأمم، وعدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة، ورفض الانتقائية والكيل بمكيالين والتلاعب والمناورة السياسيين بحقوق الإنسان. واعتمدت في هذه الاجتماعات وثائق ختامية أكدت على عالمية هذه الحقوق وعلى عدم قابليتها للتجزئة.    

 

 

2

النفوذ الأجنبي وتفتيت النظرة والمجهود العربيين

د. تيسير الناشف

نيوجرسي - الصفصاف

تقوم حاجة إلى أن تكرس الدول العربية حكومات وشعوبا نفسها للبناء في مجالات كثيرة. وتختلف الدول العربية بعضها عن بعض في مدى تحقيقها أو عدم تحقيقها لهذا الهدف. تعيق عوامل هذا التحقيق أو تبطئه أو تؤخره. ومن هذه العوامل الضغوط الداخلية والخارجية التي تمارسها قوى أجنبية، ومنها دول استعمارية، تريد، وهي تستلهم مصالحها الإستراتيجية، أن تبقي ظروف الدول العربية مقلقلة. والانقسام المؤسف بين عدد من الدول العربية يشكل أساسا ممتازا لمزيد من التدخل من جانب قوى أجنبية في الشؤون الداخلية للدول العربية ولمزيد من القلقلة.

ولهذا الإنقسام أسباب، منها اعتماد بعض الجهات العربية على قوى أجنبية لها رؤى سياسية واقتصادية وأيديولوجية تتعارض، أو على الأقل لا تتفق، مع تصورات الشعوب لمصالحها السياسية والاقتصادية ومع قيمها ورؤاها العقدية. ومن هذه الأسباب أيضا اختلاف تصورات الأفراد لمصالحهم على المديين القريب والبعيد. ويعزى اختلاف هذه التصورات إلى أسباب منها اختلاف الخلفيات الاجتماعية واختلاف التنشئة واختلاف مدى التأثر بالثقافات الأجنبية، وأيضا التركة الاستعمارية المقيتة التي أوجدت اختلافا في رؤى الناس لمصالحهم. لقد أسهمت هذه التركة في جهل قطاعات ذات تأثير من الشعب بجوانب التراث الثقافي والحضاري العربي الزاهي.

وتركت قرون من السيطرة الأجنبية من جانب دول وجهات لها فلسفاتها في الحياة ولها مواقف معادية أو غير ودية تجاه الدول والشعوب العربية أثرا سلبيا في حياة هذه الشعوب. ولولا وجود جوانب مشرقة وإيجابية من التراث العربي وأسس حضارية عربية راسخة لفقد العرب منذ وقت طويل فقدا تاما هويتهم الثقافية والقومية إزاء هذا الغزو الفكري والعداء من جهات أجنبية والسيطرة الأجنبية والروح المادية الغربية المستفحلة. وتدس جهات اجنبية السم في الدسم لتدمير النسيج القومي والانساني والديني العربي ولاضعاف ما لدى العرب من الاصالة القيمية ومن التماسك القيمي.

ولتسهيل تنفيذ سياسات قوى ودول غربية استعمارية حيال بلدان العالم الثالث ولتسهيل سيطرة تلك القوى والدول على تلك البلدان حققت تلك القوى والدول نجاحا في عملها على افقاد شعوب تلك البلدان ثقتها بنفسها وعلى اشاعة صور سلبية في صفوف تلك الشعوب عن نفسها. وتكثر الصور السلبية المشوهة التي تصدرها جهات غربية عن العرب والمسلمين لاغراض منها افقادهم ثقتهم بانفسهم.

ومما يحز في النفس تصديق عدد كبير من العرب لمضامين هذه الصور المتحيزة والمغرضة والخاطئة وفقدهم لثقتهم بانفسهم حيال الغرب، ورفضهم لتراثهم وتشكيكهم في اشتمال هذا التراث على جوانب علمية وفلسفية وانسانية ونظرية مشرقة. ومما من شأنه ان يسهم في سير العرب على درب النهضة هو ان يستعيدوا ثقتهم بانفسهم حيال الغربي والحضارة الغربية.

وللتأثيرات الخارجية القوية بشتى اشكالها ومجالاتها اثر هام في تعزيز تيارات فكرية معينة وفي اضعاف تيارات فكرية اخرى في الوطن العربي. وخارج هذا الوطن وداخله تحوم صقور على اهبة الاستعداد لان تنقض على اصحاب اتجاهات فكرية معينة ولان تفترسهم وتبطش بهم.

ويظن قسم من العرب اننا باقتباسنا للمظاهر الخارجية الغربية نحقق التقدم. ويقع من لديه هذا الظن في خطأ جسيم. فالاقتباس من جوانب من ثقافة الآخر، من قبيل تبني بعض قيمه وارتداء ملابسه وقبول نظرته الى الحياة والتخلق بخلقه، دون ان ندرس مناسبة هذه الجوانب لقيمنا ودون التمييز بين الصالح والطالح من تلك الجوانب ودون دراسة مدى اتفاق مضامين تلك الجوانب مع الجوانب الايجابية المشرقة من جوانب تراثنا وحضارتنا هذا الاقتباس يمس بالهوية الثقافية والقومية العربية ويحول دون حدوث التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي السلس والطبيعي. ومن غريب امر دعاة القيام بهذا الاقتباس ان جوانب كثيرة من تلك المظاهر الثقافية الغربية تتضمن نظرة استعلاء على الشعوب غير الغربية ونظرة احتقار لتلك الشعوب.

وليحافظ العرب على بقائهم القومي والحضاري من اللازم المحافظة على الجوانب الايجابية الكثيرة في تراثنا والاخذ بها في حياتنا. ولا تتعارض تلك المحافظة وذلك الاخذ مع تحقيقنا للازدهار الاقتصادي او القوة السياسية او تجنب السيطرة الاجنبية. ومن يعتقد بان تلك المحافظة تحول دون تحقيق تلك الاهداف قد لا يعلم بكثير من جوانب تراثنا الحضاري الثري. واولى بالذين يصدرون الحكم على الجوانب العلمية والحضارية الايجابية في تراثنا ان يطلعوا عليه وان يدرسوه قبل اصدار الحكم عليه. فليس مما يتفق مع الطريقة العلمية او الموضوعية ان يصدر مرء حكما على شيء يجهله. ولا يمكن تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي عن طريق التحلل الاجتماعي والخلقي. ويمكن للجوانب الايجابية والعلمية والمشرقة في التراث ان تكون ذات اثر ايجابي في الحؤول دون حدوث التحلل الاجتماعي والخلقي في هذا العصر الذي شاعت وراجت فيه دواعي هذا التحلل، وخصوصا في الغرب المغالي في تبني النزعة المادية والاستهلاكية، الغرب الذي لا تتورع جهات مالية وتجارية فيه عن ان تستعمل شتى الوسائل المنحطة خلقيا، من قبيل الاتجار بالاطفال، من اجل تنمية الثروة وتكديس الاموال.

www.safsaf.org