2007-03-08 الخليج الاماراتية

أكد أن الصهيونية تسعى لتحويل القدس إلى رمز شعبي
د. عبدالوهاب المسيري: الغياب العربي والدعم الأمريكي يمنعان انهيار "إسرائيل"

 

يعد المفكر د. عبدالوهاب المسيري الذي اختير مؤخراً منسقاً عاماً لحركة “كفاية” المعارضة في مصر في مقدمة من تناولوا الصهيونية واليهودية من حصيلة خبرة تراكمية ومعرفية لأكثر من ربع قرن، جعلته موسوعة لا تقل عن موسوعته الشهيرة التي أصدرها قبل سنوات عدة. وفي محاولة لفهم ما يدور من ممارسات “إسرائيلية” في حق المسجد الأقصى ومدينة القدس الشريف، أكد د. المسيري أن هذه الحفريات تأتي انطلاقا من العقلية الصهيونية ذات النزعة الاستعمارية والاحتلالية، وانطلاقا من أن القدس رمز شعبي قومي لا علاقة له بالدين. ويتعرض د. المسيري للتناقض بين المتدين والعلماني داخل مجتمع الاحتلال، وإشكالية المصطلح فيما يتعلق بالصراع العربي - “الإسرائيلي” في أجهزة الإعلام العربية، والذي يرجعه المسيري إلى تغلغل المنظومة الغربية في هذه الأجهزة، التي غابت عنها استراتيجية التعامل مع القضية الفلسطينية. وتناول المسيري في حواره مع “الخليج” فاعلية وتأثير اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بجانب عوامل تفكك “إسرائيل” من الداخل والخارج، وما يشاع عن فهم خاطئ عن “الهولوكست” في الأوساط العربية بجانب تفاصيل أخرى، جاءت في الحوار التالي:

 

 

القاهرة - طه عبدالرحمن:

 

 كيف نفهم طبيعة العقلية الصهيونية التي أقدمت على الحفريات في مدينة القدس الشريف واستهدفت المسجد الأقصى؟

- بداية لابد أن نفرق بين الدولة الصهيونية والأخرى اليهودية، فالأولى استعمارية احتلالية والثانية شأنها شأن الجيوب الاستيطانية التي تستخدم الدين كديباجات، كما فعل المستوطنون البيض في أمريكا الشمالية، وبالتالي فقد تحولت القدس إلى رمز شعبي قومي لا علاقة له بالدين اليهودي في عرف هؤلاء.

 

ومن هنا فإن الحفريات التي تتم تأتي لتأكيد ما يسمونه بالقومية اليهودية، فهم لا يؤمنون بالدين، ولا يراعون أيا من التحريمات ويسخرون أنفسهم مما يسمى بحائط المبكى، في الوقت الذي يوجد فيه آخرون متشددون يدعون الدين ويطلقون على أنفسهم “المتدينين”.

 

وأما بخصوص الحفريات التي تجريها “إسرائيل” في القدس، فإن علم الآثار هناك لا يزال عاجزا عن العثور على أدلة تؤكد وجود يهودي بالقدس الشريف، رغم عثورهم على شواهد يونانية ورومانية ولكنهم لم يعثروا يوما عن أية آثار “إسرائيلية”.

خلافات واختلافات

 

 هل هذا التناقض بين المتدين والعلماني داخل المجتمع “الإسرائيلي” يعكس عدم الانسجام داخل بنية هذا المجتمع؟

- بالطبع فهم كانوا يتصورون أنه بقدوم اليهود من أنحاء العالم سيتم تجميعهم في بوتقة واحدة، كما حدث في أمريكا، لكن ما حدث أنهم جاؤوا من أشتات الأرض مع وجود الاختلافات والخلافات العميقة بينهم، ولا ننسى الخلافات التي ظهرت بين الاشكناز والسفارديم وانقسام الصنف الأخير وما قبله إلى جماعات تختلف الواحدة عن الأخرى ومن هنا ظهر عدم وضوح لتعريف من هو اليهودي.

 

وهذا بالطبع يشكل مشكلة عميقة لدولة “إسرائيل”، فإذا كانت تدعي أنها تملك مقومات الدولة اليهودية فكيف تفشل في تعريف من هو اليهودي فهذه من أهم الصراعات داخل المجتمع اليهودي.

 

 الحفريات داخل القدس الشريف لها دلالة ربما تكون سياسية أو دينية في عرف العقلية اليهودية أليس كذلك؟

 

- أعتقد أن جزءا منها يرجع إلى الغياب العربي والحصار الذي تم فرضه على الحكومة الفلسطينية المنتخبة بالإضافة إلى العقلية الدينية الصهيونية المسيطرة على صانع القرار.

 

 وهل ترى أن إقدام “إسرائيل” على هذه الحفريات يشكل المرحلة النهائية لتهويد القدس؟

 

- لا أرى ذلك فالكثافة السكانية اليهودية تتناقص على عكس ما يتصوره اليهود، ورغم ذلك يسعون إلى الانتشار في داخل المدينة المحتلة والتي يبذلون فيها محاولات غير عادية ومتطرفة لتأكيد وجودهم فيها، ولكن في تقديري أن كل هذه المحاولات وغيرها من المحاولات التي تأتي ستكون كلها فاشلة.

 

مصطلحات الصراع

 

 الإعلام العربي أصبح يعاني إشكالية المصطلح في التعامل مع قضية الصراع العربي - “الإسرائيلي”، في تقديرك ما أسباب ذلك؟

 

- هذه إشكالية كبيرة فقد تم استيعابنا في المصطلح الصهيوني، وأتساءل لماذا لا نطلق على المستوطنات مصطلح المستعمرات الصهيونية بجانب الحديث عن الصهيونية العالمية، على الرغم من أن الصهيونية في الأساس ليست عالمية، فهي ليست موجودة مثلا في آسيا فهي الآن موجودة في فلسطين المحتلة، ولكن ليس على امتداد آسيا فيمكن أن نقول الصهيونية الغربية، وهذه إشكالية ضمن إشكاليات متعددة تواجهنا فيما يتعلق بالمصطلح.

 

 

 وهل يمكن قياسا على ذلك القول إن الصهيونية نجحت في اختراق العقل الغربي، فأفرزت منه ذلك الإعلام الذي وقع في حبالها؟

 

- لا أتصور ذلك، فالسبب هو العالم الغربي الذي بدأ قبل نشوء الصهيونية، في زرع ما يسمى بعصر النهضة، وتصدير هذا المشروع النهضوي، أما الصهيونية فهي جزء من المنظومة الغربية وهذا كان ولا يزال التحدي الأكبر. وعن طريق هذه المنظومة تم اختراق العالم العربي، وأفرزت إعلاما عربيا ينساق وراء التشكيل الاستعماري الغربي.

 

 مهما قيل من تصحيح صورة العرب والمسلمين في الغرب فإن ذلك يصعب حدوثه مادامت هذه المنظومة الغربية قائمة، أليس ذلك صحيحاً؟

 

- كل ما نطالب به هو تحرير فلسطين وهو ما ينبغي العمل عليه خاصة وأن هذه المنظومة تصور المقاومة الفلسطينية إرهابا ومن هنا أعتقد أن المشكلة عميقة للغاية وتكاد تكون أعمق من مشكلة تغيير الصورة.

 

حكومة الوحدة

 

 يبدو أنه في ظل العقلية الصهيونية يبدو صعبا على المفاوض العربي إدراج مدينة القدس ضمن أية تسوية مرتقبة؟

 

- الجانب “الإسرائيلي” حدد موقفه من القدس في أنها عاصمة أبدية ل”إسرائيل” ضمن اللاءات الأخرى التي ترفعها الحكومة هناك من لا عودة للاجئين والاستمرار في بناء السور والمستعمرات.

 

 هذا يجرنا إلى الإطلالة على الحكومة الفلسطينية التي تتزعمها حركة حماس، هل تعتقد أنها فشلت سياسيا وأنه كان أولى الاستمرار في الخيار الاستراتيجي لها وهو المقاومة؟

 

- إذا كانت التجربة قد فشلت منذ تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية بمفردها، حسبما يتصور البعض فإن ذلك يعد قراءة للتاريخ بأثر رجعي والأمر الذي دفعها إلى قبول تشكيل حكومة وحدة وطنية، لاحقا لا يؤكد بالضرورة أنها فشلت في إدارة شؤونها سياسيا خلال العام الأول الذي تولت فيه الحكومة.

 

وأؤكد أن حماس لو كانت تخلت عن خوض غمار التجربة السياسية لكانت الاتهامات الغربية و”الإسرائيلية” لها من أفظع ما يمكن بدعوى أنها ترغب في ممارسة العمل السياسي وتركز في المقاومة حسب المفهوم الأمريكي - “الإسرائيلي”.

 

 وهل كانت حماس نفسها تتصور أنها يمكن أن تتعرض لضغوط دولية، مثلما حدث منذ تشكيلها للحكومة في عامها الأول؟

 

- بالطبع لم يكن أحد يتصور مطلقا أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة التي وصلت إليها الحالة الفلسطينية نتيجة الصمت العربي، وأن الإذعان العربي وصل إلى هذه الدرجة، بأن تفشل الجامعة العربية في إدخال مليون دولار إلى الفلسطينيين.

من هنا فإن هذا الحصار فاق كل التوقعات وإن كان هذا هو حال العالم العربي الذي أوصلته النخب إلى القاع غير مدركة للأبعاد الاستراتيجية والانتظار فقط لإشارة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

 وهل هذا الصمت العربي كان سببا في تعاطي الإعلام العربي مع القضية الفلسطينية بشكل موسمي مثلما رأينا في الصمت عن الحفريات التي تقوم بها “إسرائيل” في المسجد الأقصى؟

 

- هذا شيء طبيعي نتيجة الإذعان العربي للولايات المتحدة الأمريكية ولو كان هناك حضور عربي بدلا من هذا التمزق لمواجهة الاستعمار والصهيونية لاختلف الحال.

 

 وهل هذا الغياب العربي تسبب في جعل قضية القدس في طي النسيان لدى الخطاب العربي الرسمي؟

 

- إطلاقا لا يمكن لهذا الخطاب جعل قضية القدس في طي النسيان، فهي قضية عربية وإسلامية، ما يمكن إحداثه هو إطلاق الشعارات البراقة والمطاطة تجاه نصرة القدس من دون فاعلية.

 

نزوح المستوطنين

 

 في تقديرك هل يمكن أن يؤثر النزوح “الإسرائيلي” وهجرة بعض المستوطنين إلى أوروبا وقبرص في إحداث حالة من تناقص السكان “الإسرائيليين” داخل الأراضي المحتلة؟

 

- أرقام النزوح كثيرا ما تفرض عليها حكومة الاحتلال سرية مطلقة، وذلك لأسباب عدة وغالبا ما يتم إنقاصها بأساليب كثيرة منها أن بعض “الإسرائيليين” يدخلون “إسرائيل” لتل أبيب بتأشيرة سائح ويسجلونه على أساس أنه من المقيمين أو يخرج منها نازحا ثم يقال إنه خرج منها بتأشيرة سياحية.

 

وأتذكر أنه في خلال الحرب على لبنان تزايد عدد النازحين منهم لأكثر من مليون مما يشكل نسبة مئوية ضخمة وأعتقد أن العدد يتزايد في الوقت الحالي.

 

 بعض المؤرخين يراهنون على تفكيك المجتمع “الإسرائيلي” عن طريق هذه الهجرات فهل تتفق مع هذه الآراء؟

 

- عوامل التفكك ضخمة، وإن كانت تجعل من الصعب أن تنهار “إسرائيل” من الداخل لعدة أسباب منها أن مقومات انهيار “إسرائيل” هي من خارجها وليس داخلها، وذلك لسببين هما الغياب العربي والدعم الأمريكي ل”إسرائيل”.

 

ومن عوامل التفكك الموجود في “إسرائيل” أيضا وما يمكن أن يقضي على أي مجتمع من الداخل، الانقسام الديني، الأزمة السكانية نتيجة النزوح وهذا موجود في داخل المجتمع “الإسرائيلي” ولا يمكن أن يسبب انهيارا للمجتمع “الإسرائيلي” بجانب تصاعد الأمركة داخل هذا المجتمع وعدم مقدرة الجنود “الإسرائيليين” على تحمل الحروب على نحو ما رأيناه في الحرب اللبنانية الأخيرة، فهذه كلها من أسباب التفكك، ولكن لا يمكن أن تؤدي إلى الانهيار.

 

 ولكن هل يمكن أن يلعب التنوع الديموجرافي بين الفلسطينيين “والإسرائيليين” دورا في عوامل التفكيك؟

 

- الأزمة الديموجرافية مرتبطة بالأزمة السكانية ولا شك، ففي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الفلسطينيين نتيجة تكاثرهم فإن من “الإسرائيليين” من يحجم عن عدم الزواج والإنجاب باستثناء الجماعات الدينية الذين يتسمون بالخصوبة.

 

 على خلفية ذكر الحرب اللبنانية هل تعتقد أن الجندي “الإسرائيلي” أصبح يعيد حساباته في العدوان على الآخر، في ظل الخسائر التي تكبدتها “إسرائيل” جراء الحرب السادسة على لبنان؟

 

- هم يعدون للحرب المقبلة ويتصورون أن خسائرهم في لبنان كانت لأسباب تكتيكية وليست استراتيجية، ولو كانت هذه الرؤية تغيرت لانصاعت “إسرائيل” إلى القرارات الدولية ولالتزمت باتفاقيات السلام، إذا كان لديها شعور بأن هذه الحرب قد أثرت فيها وأنها تكبدت فيها خسائر استراتيجية.

 

 لكن الملاحظ أن العدوان لم يسهم في تنشيط من يسمون أنفسهم بدعاة السلام، داخل المجتمع “الإسرائيلي”؟

 

- نعم لقد اندهشت بالفعل لعدم تفعيل هذه الحركات لنفسها وكان ينبغي على دعاة السلام تنشيط حركاتهم وإن كانت لا توجد مؤشرات حتى الآن تجاه هذا التنشيط.

 

أسطورة خاطئة

 

 إشكالية الدعم الأمريكي ل”إسرائيل” مع الدور الصهيوني النافذ في دوائر صنع القرار بالولايات المتحدة، وما ينتج عنه من ظهور حالات تجسس صهيونية ذاتها على صناع القرار في أمريكا، في تقديرك، كيف يمكن فهم هذه الإشكالية؟

 

- لا يجب أن ننسى أن “إسرائيل” دولة ضعيفة أمام الولايات المتحدة الأمريكية وترغب في أن تكون دولة مستقلة وتلعب دور الدولة، ولكن عندما تكتشف الولايات المتحدة ذلك تقوم بضربها وبشراسة، وأخيرا انتهيت من تأليف كتاب عن مدى تأثير اللوبي الصهيوني في أمريكا، وتوصلت إلى أن تأثير هذا اللوبي وما يذاع عنه هو أسطورة خاطئة.

 

 إذن نظريات تغلغل اللوبي الصهيوني في داخل دوائر صنع القرار الأمريكي يعد من النظريات الخاطئة كما تذهب؟

 

- نعم فهذه نظريات خاطئة وعندي دلائل كثيرة فإن كان هناك تأثير للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة إلا أنه ليس بالشكل الذي يذهب إليه البعض.

 

 ولكن يتردد أن نفوذ هذا اللوبي ساهم في الاستفادة من احتلال أمريكا للعراق لاستعادة بعض الآثار التوراتية وفي هذا السياق ما هو الدور الذي تلعبه “إسرائيل” حاليا في العراق؟

 

- لا أعلم إن كانت هناك محاولات لاستعادة مثل هذه الآثار على وجه الدقة، وفي الوقت نفسه لا أرى أن هناك دورا فاعلا ل”إسرائيل” في العراق، وما يتردد في هذا الشأن هو نتيجة للدور الذي يضخمه الإعلام العربي في حق “إسرائيل” وفي يقيني أن ذلك التصور يساهم في بث الرعب في نفوس الجماهير العربية من “إسرائيل”.

 

وأعتقد أنه مع ضعف النخب العربية عن مواجهة “إسرائيل” فإن دور المقاومة لا يزال قويا بعد تقليص دور المقاطعة “الإسرائيلية” وتوقيع اتفاقيات مع “إسرائيل” منها الكويز والغاز وغيرهما.

 

 ولكن ورقة التطبيع لا تزال إحدى الأوراق التي يمكن للعرب الضغط بها على “إسرائيل” أليس كذلك؟

 

- نعم هي شكل من أشكال الضغط، ولكن “إسرائيل” تسعى إلى الدخول في علاقات طبيعية على أي شكل من الأشكال مع العرب، فقد اخترقت الدول العربية عن طريق الحكومات، وأعتقد أن ورقة التطبيع الثقافي لا تزال ورقة قوية وخاصة في أيدي المثقفين، وهي ورقة يمكن للعرب استخدامها وإن كانت ليست كافية إلا أنها ينبغي أن تكون مطروحة، حيث لا يجرؤ مثقف “إسرائيلي” أن يزور دولة عربية أو أن يشارك في فعاليات ثقافية بالدول العربية.

 

ومن هنا فإن المقاطعة الثقافية وإن كانت مهمة إلا أنها ليست كافية فالمقاطعة الاقتصادية هي من الأوراق التي يمكن بها الضغط على “إسرائيل”.

 

alkhaleej.ae

www.safsaf.org