قصص قصيرة بقلم نضال حمد

 


شرحبيل وشادي


جلسوا القرفصاء تحت شجرة برتقال في بستان قريب من المخيم، تحدثوا في السياسة، خبزهم اليومي.. التهموا طعامهم وشربوا ما تيسر من المشروبات الغازية. شادي أصغرهم وأكثرهم حباً لمشروب الميرندا. وكذلك أكثرهم شغفا بالقراءة. أنصت لهم وهم يتذكرون يوم تعرفهم على شرحبيل. حيث كان يوماً لمعرفة الفرق بين الاستعمار والقمل. إذ أن شرحبيل الذي كان رأسه يعج بالقمل يوم جاء للتسجيل في التنظيم، كتب في استمارة انتسابه أنه يريد مواجهة الغزو وتحرير البلاد من الاستعمار. لم يتمالك فادي نفسه، حيث قال له عليك أولاً أن تحرر رأسك من غزو واستعمار القمل. لأنك بهذا الرأس المستعمر سوف تجلب الاستعمار لكل الرؤوس هنا في هذا المكان. انتفض شرحبيل وبنيته توجيه لطمة قوية لفادي .. لكنه تذكر ان فادي المسئول عن التسجيل، وعن التنظيم.. تراجع وبلع كل شيء، فقد كان حلمه ان يكون فدائياً. وكان له ذلك، واستطاع ان يحرر رأسه من كافة أنواع الاستعمار، واستشهد مع رفيقه شادي بعد شهور في مواجهة ملحمية مع الاستعمار الحقيقي، جنوب الجنوب في شمال البلاد التي أحب.


2007 أوسلو

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

محاولة انتحار

 

كانوا يشيرون عليه كلما مر بالقرب منهم أو التقاهم بالمصعد. سكن الدور الأخير من المبنى المؤلف من عشرين طابقاً. عرفه الطلبة وعرفته الطالبات من خلال سنوات جامعية عديدة جمعتهم به. كانوا يسمونه: " رجل برأس مثل القفل". لشدة عناده ورفضه التنازل عن موقفه. اعتبرهم جميعاً على خطأ يوم جادلهم بقضايا مصيرية وفكرية. درس الفلسفة وتأثر بها، ترك شعره يطول حتى كاد يلامس مؤخرته. ولحيته طاليت فوصلت إلى سرته. آخرون اعتبروه من عقلاء السكن، حتى أن طالبة تدرس الفلسفة مثله. جميلة كالبدر ، تركت الآخرين وأحبته هو. حاولت التقرب إليه بعد أن عرفته عن قرب وعلمت بأنه مل الحياة. وأنه اختار لحظة معينة لموت مرسوم. في ذلك اليوم المعهود، غادرت السكن ولم تعد أبداً. بينما قفز هو من الدور الأخير، حيث بادلها بسمة ورقصة خلال حفل عقد قران زميله قبل أيام قليلة. اختار طريقة انتحاره بعد حوار طويل مع زجاجة فودكا. قفز من السطح دون أن ينظر تحته. في أثناء تحليقه شاهد خلف الشبابيك الكثيرة بعض الفتيات، اللواتي وصفنه بالقفل، ينزعن عن أجسادهن آخر أوراق التوت. رفع رأسه عالياً وأخذ ينظر إلى أعلى، فرأى نجمة تشع نورا وعليها وجه الفتاة التي أحبته. ورأى قمرا منيراً، مكتمل الدائرة ولمح لدى تهاويه شيئاً مشعاً كان بدوره يسقط بسرعة فائقة. خيل له أنه سيسبقه إلى الأرض. بعد هنيهة اختفى الشيء المشع من مجال الرؤية، وأحس بجسده يرتطم بشيء ما. أدرك أنه لم يمت وأنه مازال على قيد الحياة. عرف فيما بعد انه وقع على متسول مر صدفة على الرصيف، حاملا بيده كوباً فارغاً إلا من بعض القطع المعدنية. كان يبحث عن شيء يضيفه إلى الكوب. مات المسكين بينما لم يحصل اليائس على ميتة أرادها وخطط لها. لكنه تعرف خلال مغامرته تلك على بعض خبايا السكن الجامعي.


10-03-2007

أوسلو

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

وحدها بنت الجيران

 

بيت الجيران يعج بالفتيات.. سكان الحي البائس، النائي، جلهم من فقراء البلد، تقاسموا الحمام الوحيد، الذي كان بالأصل كوخاً قديما لرجل غريب، قدم إلى الحي الفقير بعدما نبذ من حي الأغنياء البعيد. يقال أن الرجل الغريب الأفكار والأطوار مات في الكوخ. دفنوه هناك وحيداً ووضعوا فوقه مجموعة من الكتب الممنوعة، ثم هالوا التراب فوقه وفوق كتبه. مع الأيام غاب القبر وبقي الكوخ بجدرانه المصنوعة من ألواح الخشب. ثم صار حماماً للذين لا حمامات لهم. لم يكن هناك سقفٍ للحمام سوى السماء. لذا كان لا يستعمل في فصل الشتاء. بفضل الحمام اكتشف أحد فتيان الحي فحولته اثناء التلصص على بنت الجيران، وقت الاستحمام. أمعن النظر من خلال ثقب وجده في اللوح الخشبي. رآها تستحم، لكن شعرها الطويل الذي غطى جسدها منعه من مشاهدة الممنوعات.بدت كأنها فتاة أخرى، غير تلك الغزالة التي عرفها عن قرب. تخيلها سمكة في بحر، عروس المحيطات البعيدة. نسي أثناء التلصص نفسه تماما، فقد غلبته اللحظة، تفوقت على عقله، كاد أن يدخل إلى الحمام بكل جسده من الثقب الصغير.. فجأة أحس بسخونة،فنعاس ثم نام في مكانه. لم يفق بعد ذلك. وجدوه ميتاً في سريره.. لم يستطع الطبيب الذي حضر من الحي المجاور رغم بعده، تشخيص الوفاة.وحدها بنت الجيران ، التي رأت بؤبؤ عينه في ثقب اللوح الخشبي بينما كانت ترد شعرها عن جسدها البرونزي، عرفت السبب.لذا ارتدت صباح ذاك اليوم ثياب الحداد.

 

تمت في آذار - مارس 2007

 

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++


الحلقة المفقودة

 

التقيت به في مقهى مشرقي في اوسلو، لم يكن هناك أمكنة فارغة سوى على طاولتي، طلب الجلوس سمحت له.. بعد ان شبع من سندويش فلافل، سألني عن بلدي، طبعاً لم يكن يسال عن النرويج، بل عن البلد الأصلي. قلت له أنا من فلسطين.. قال بأسف، مساكين.. معذبين..

هو مثلي أجنبي في بلاد أجنبية.

بدون سؤال ، قدم نفسه: انا من بولندا.. اعمل في البناء.. نص بنص..

قلت ماذا تعني بنص نص ؟

قال يعني ابيض واسود..

قلت له: ما هو الأبيض وما هو الأسود؟

نظر الي بتعجب، وأضاف.. يعني اشتغل هنا وهناك ..

قلت له بصراحة أنا رجل لا افهم بالألغاز، اشرح لي الموضوع وبسط الأمر.

قال أنا اعمل جزء بالأبيض يعني ادفع ضرائب وجزء بالأسود يعني بدون ضرائب.

وحدثني بعد ذلك عن سر العمل بالأسود وما يمكن ان يوفره المرء من أموال.. ثم أضاف حتى نستطيع إنهاء العمل بالأسود، علينا إيجاد العلاج الشافي. وأخذ يقص على مسامعي في نهاية حديثه ، القصة التالية: عامل بناء بولندي يعمل بالأسود في بناء فيلا لرجل أمريكي في واشنطن.. العامل البولندي استأجر عامل بناء أوكراني كي يبني له فيلا في وارشو. العامل الأوكراني بدوره يبني فيلا في كييف ويقوم ببنائها عامل أوزبكي ، والأوزبكي لكي يبني فيلا له في بلاده عليه أن يحضر الأمريكي ليقوم ذلك. وبما أن هذا الطلب غير ممكن.. ستبقى هذه الحلقة من الدائرة مفقودة. لذا يصعب ربطها بالحلقات الأخرى. مما يعني أن شغل النص بنص، والعمل الأسود سوف يستمر بدون تغيير...

بعد حديثه سحبت نفساً عميقاً من اركيلتي كاد يخنقني، فأخذت اسعل بشدة، وأثناء نوبة السعال رأيت البولندي يلوح لي بيده ويمضي برفقة مقاول بناء نرويجي.
_________________
آذار- مارس 2007

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

أم الأربعة وأربعين

اعتاد التبضع من متجر صغير لامرأة في العقد الرابع من عمرها، متوسطة الطول، نحيفة مثل دمية بامبي. شعرها كستنائي اللون، أملس طويل. ووجهها مدور وبدون تجاعيد. صبغت خدودها باللون الأحمر. بدلت عيناها بفلقتي جوز طلياني.وقفت وجهها للباب ومؤخرتها للرفوف القليلة التي بدت فارغة على عكس كل المتاجر. رف طويل ووحيد اصطفت فوقه زجاجات البيرة المحلية، بعضها بكحول والبعض الآخر لمن هم مثله بلا كحول. خلف صف البيرة وقفت بضع زجاجات لنوع رديء من الفودكا.وفي الصف الأخير زجاجات عصير التفاح. أما الرف المتقدم فقد عج بالخبز الساخن، الطري و الشهي. الذي اعتاد أن يشتريه كل يوم وهو عائد من الجامعة. دخل الدكان وألقى التحية على السيدة التي بدت كراقصة من خلال وقفتها الشمعدانية ويدها المثبتة حول خصرها. ردت عليه بأحسن منها مع بحة مفتعلة في الصوت بعثرت كلماتها على مسامعه. قالت خبزك جاهز، لقد وضعت لك جانباً أشهى رغيف، وزدت فوقه ثلاث خبزات صغيرة لم تأكل مثلها من قبل. جربها اليوم وقل لي غداً رأيك بها. إنها من مخبز معروف في القرية المجاورة.بدأت التعامل مع المخبز الريفي منذ صباح هذا اليوم. خبز الفلاحين فيه الخير، انه ملح البلد، فإذا فسد ملح الريف فسدت البلاد. تناول الخبز بعد أن شكرها. وضع يده في جيبه لكنه لم يجد محفظته. ارتبك قليلا ولم يعد يعرف كيف يتصرف. لاحظت أم الأربعة واربيعن (هكذا كان يلقبها) ارتباك ابن العشرين(هكذا كانت تلقبه). هل نسيت محفظتك أم ترى ضاعت منك؟؟ أو أن احدهم انتشلها وأنت تفكر بدروسك وواجباتك الجامعية في الأوتوبيس اللعين. الذي رغم ضيقه يتسع للعشرات مرة واحدة. هل جلست بالقرب من شخص ما لم يرق لك؟ هل جلست بالقرب منك فتاة ما؟ أم تراك قضيت الرحلة واقفاً بين المسافرين، كأنك في يوم الحشر؟؟؟ على كل حال لا أريد مالاً اليوم، بامكانك تسديده في أي وقت آخر. رغب بشراء زجاجة بيرة بصفات معينة تتفق والمعتقدات التي تربى عليها. لكنه تراجع عن الفكرة بسبب المحفظة.
حين باغته صوتها كان قد التف كي يخرج من الدكان.
ماذا تفعل ليلة السبت؟
رد بصوت خافت لا شيء في برنامجي.
إذا أنت مدعو لسهرة ريفية.. سوف تتعرف على الريف وناسه وعلى عاداتهم وتقاليدهم وأفراحهم.. وستتذوق خبزهم الخارج للتو من الفرن. وستروي عطشك من شرابهم. و و .. ادعوك لحضور زفاف صديقة لي، سوف تكون رفيقي في الحفل.
تلعثم ولم يدر كيف وافقها وقبل الدعوة.هذه إحدى عاداته السيئة، التي لم يتخلص منها، بقيت ملازمه له أينما ذهب.
يوما السبت والأحد تعرف على الفلاحين وأفراحهم، عاش لحظات جميلة وممتعة، ورقص مثل أي فلاح آخر، فهو بالأصل من عائلة قروية، لم يجد صعوبة بالتأقلم مع فلاحي تلك البلدة. تذكر قول جدته "الفلاحين أينما كانوا من نفس الطينة والعجينة"... تملح من ملحهم، أكل من خبزهم، شرب من شرابهم، رقص رقصاتهم، علمهم رقصاته وغنى لهم عالروزنا وعاليادي اليادي وعلى دلعونا ويا ظريف الطول. لم ينس تلك الليلة ان الطريق إلى الجنة أو النار تبدأ بخطوة.وتمكن من حل عقدته مع أم الأربعة وأربعين، قبل أن يجد المكان من حوله يلف ويدور.
_________________
نيسان - ابريل 2007

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

المصيدة

في الطريق الى الجنة هناك ما لا نعرفه ..

حطت الطائرة في المطار، رأى اشياء لم يعرف ما هي بسبب الضباب الذي حجب الرؤية، فقط علم الدولة الذي رفرف بفعل الريح كان استثناءا... سمع عبر الميكروفون صوتا يقول بلغة البلد أشياء لم يفهم منها سوى اسم المطار. ثم عاد الصوت وكرر نفسه بلغة إنكليزية جيدة. فهم أنه في مطار العاصمة. صعد كما بقية المسافرين إلى حافلة الركاب. كانت جديدة وغريبة، إذ أنه لم ير مثلها من قبل.. وصل الصالة، وقف كما الجميع في الطابور، جهز جواز سفره. رفع يده وفي نيته حك أذنه، لم تكد اليد تلامس الأذن، حتى ظهر أمامه رجل أنيق اللباس.حياه بأدب وسأله عن اسمه. أجاب: اسمي فلان الفلاني.. قال له الرجل الأنيق: تفضل معي... سار خلف الرجل، وفي الطريق تساءل: ترى من هو هذا الرجل؟ وهل عرف بأن جواز السفر الذي احمله ليس جواز سفري، وأن الصورة التي فيه ليست صورتي، وأنني لست أوروبياً، وبأنني مجرد لاجئ مشرقي يبحث عن ملاذ آمن... دخلا من باب خلفي.. وجد نفسه أمام شخص لم يره قط. حياه، ضمه إلى صدره، سأله عن أحواله وأخباره و عن الأهل والأصحاب. ذهل مما يحدث هنا.. فهو لا يعرف الرجل السائل ، ومع هذا حضرته الحاسة السادسة فوراً، فتعامل مع ذلك بحذر.. وأجاب بأنه والأهل بخير. بعد هذه المقدمة خرج مع الرجل من المطار من دون ختم في الجواز، وبدون مرور على التفتيش، وبلا سين وجيم.توجه مع مستقبليه إلى مركز المدينة، عند مدخل الفندق كان الخدم بالانتظار. جلس الرجل ومن معه في بهو الفندق.. توجه هو برفقة الخادم إلى الغرفة.ناول الخادم دولاراً أمريكياً واحدا وأمره بالانصراف... عندما فتح الحقيبة ورأى ما بداخلها عرف أنها ليست حقيبته.. وأيقن أنه وقع في مصيدة. هبت نسمات هواء باردة عبر نافذة نصف مغلقة.. توجه إلى النافذة لكنه ارتد صوب الباب عندما تذكر ان غرفته تقع في الطابق العاشر.

 

آذار- مارس 2007

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

زهرة المخيم


تغير كل شيء، حتى دجاجات العمة أم ادهم لم تخرج من خلف الأسلاك الشائكة لتبحث في أزقة الحارة عن بقايا طعام. ولا الكلاب بانت في الزواريب وعند حدود الجوع.. وحده الخبز الحافي يبحث عن فرن الحياة. لم تظهر سماء اليوم بتلوينات الأمس.. كأن من يشدها إلى الأعلى هو الذي يمنعها من السقوط على من هم تحتها.. كأنه أرادها اليوم بغير بهجتها المعتادة. وكأن القلق المصيري أصبح هم الناس بعدما تعرت السماء من الغيوم.وبعدما عز الطعام على الإنسان والحيوان.



قلق في المكان الذي لا يعيره احد أي اهتمام.. كآبة واضحة ترتسم على وجوه الناس في حارات البطون الفارغة والعقول الواعدة. الحديث بينهم لا يخلو من الخوف بالرغم من طرافته وأخذه لطابع الهزل حيث غلبت عليه النكات. . كانت نكاتا سوداء، فالترقب يسيطر على المقهى ويسود أوساط الناس قلق بالغ.. اجبر بعضهم على البقاء في البيوت والأسواق. فقد مرت عليهم أيام صعبة، ثم جاء الفراق والوداع. قبل أيام ودعوا أحبة لهم حملتهم السفن إلى بلاد غير بلادهم، والى مدن ومناطق تبعد عن المخيم آلاف الأميال. ثم تركوا خلفهم آلاف علامات السؤال لتتربع فوق تجاعيد الوجوه التي عانت وعاشت النكبات من الأولى في البلاد وحتى أخواتها كافة في بلاد الأشقاء.



جلس الفتى على حجر أمام دارٍ شبه واقفة، كانت بالأمس عامرة بمن دفن تحت أنقاضها.. تأمل الناس وهم يعبرون الطريق من والى المخيم. لم يأبه لاستعجالهم وهرولة بعضهم .. كانوا على ما يبدو قلقين من بدأ تساقط القذائف بشكل متقطع في جوار المخيم. لم ترهبه أصوات الانفجارات، مع أنه ليس من الذين لا يهابون الموت. قد تكون لامبالاة بسبب فقدان الأمل، لذا ظل يمسك بسيجارته وينفث فيها، ممعنا النظر في قطٍ ينتظر فريسته. أعجبته قدرة القط على الصبر، فقد انتظر لنصف ساعة خروج الفأر . انتظره نصف ساعة بالتمام ثم افترسه في ثواني معدودات ..



قال محمد علي متحدثاً بالطبع مع نفسه بصفة الجماعة : كلنا جياع ولم نأكل
طعاما جيدا وذو فائدة للجسم منذ بدأ الحصار. ولا غرابة في ان يكون القط أيضا بحاجة لفيتامينات لتحسين وضعه الصحي المزري. فقد جاع مثلنا لأكثر من شهرين ونصف من الزمن. هو يمكنه صيد الفئران أما نحن فلا نجرأ على الاقتراب من البحر لصيد السمك أو الذهاب إلى الحوش القريب لصيد الطيور. فالطيور المعدنية غيرت وبدلت لون السماء ، صارت هي الصياد ونحن الطرائد، هي القناص ونحن الفرائس.. تنتظرنا كي تفترسنا بدورها.



مرت فتاة أحلامه، زهرة تتمختر على الطريق المقابل.. اختلست نظرة، مالت برأسها في اتجاهه.. آه يا زهرة! كأنك الهوى يخفق بالهوى، تمرين بسرعة الريح.. انت أذن حية..

أنها حبه المباغت، عشقها وهام في حبها منذ التقى بها للمرة الأولى في تظاهرة تضامن مع أهل الأرض. شابة نحيفة، ممشوقة القد، بشرتها حنطية،طلعتها كالشمس أقرب إلى السماء، وبريقها كالقمر في أقصى الكرة الأرضية..شعرها خروبي ، وأسنانها بيضاء ، متساوية مثل أسنان المشط. حضرته صورتها وهي تنشد بأعلى صوتها " يا جماهير الأرض المحتلة".. كالمجنون حاول يومها الاقتراب منها، ليردد وراؤها نفس النشيد.

لم تبتعد كثيرا عنه، ابتسمت له، لمح البسمة فكاد يطير من الفرح، اقتنع بعد ذلك أنها تحبه.لما لا وهو الذي بح صوته وهو ينشد في التظاهرة خلفها، لأهل الأرض، ولها وهي تمشي قربه فوق الأرض.



مر أيضا قاسم الغول.. شاب طيب إنما أهوج بما فيه الكفاية.. يقال أيضاً انه مجنون،يعرفونه من صوته الجهوري ، الخشن، وجسمه الرياضي، وعينه المفقوءة،وطاقيته التي يلبسها بالعكس، عكس كل الناس،مقدمتها إلى الخلف ، بحيث يظنه المرء عائدا في تقدمه، أو مثلما قال احد هبلان المخيم " راجع لقدام وماشي" .. طلب الغول سيجارة وولاعة من محمد علي، ثم توجه كعادته إلى المدينة الرياضية حيث كان يقضي ساعاته تحت الشمس. يعد طيور السماء وطيور الأرض، هكذا كان يقول لنا. اليوم أحصيت 100 طائر في الجو وعشرة على الأرض. كنا ننظر على الأرض فلا نجد طيوراً حية ولا أخرى ميتة.كأن الطيور انقرضت.



عادت زهرة تتمايل وتنورتها الملونة تقاوم الريح، أما شعرها الطويل فقد بدا من بعيد كأنه بساط الريح. تقدم نحوها ببطء، لم ينتبه للسيجارة التي كانت في المنفضة، تركها تحترق، انشغل بزهرته وبقلبه المحترق. لم تعيده لحظة الطيران خلف قلبه لإطفاء السيجارة. لم يأبه لمخاطر اشتعال المكان بسبب تسرب بعض البنزين من خزان وقود كان متوقفاً بالقرب من سيجارته المشتعلة. هو نفسه كان اكثر اشتعالاً من السيجارة، لذا تابع وواصل مسيره. في الطريق القصير مسد شعره بكف يده. و مسح بإصبعه المبلل باللعاب حاجبه. إذ أنه يعاني من انتصاب بعض الشعيرات على حاجبه، فيبدو في تلك اللحظة مثل عجزة المكتب السياسي في الحزب الشيوعي السوفيتي.



وصلت زهرة قبله، صارت عند المفرق المؤدي إلى أضيق زاروب في المخيم، لحق بها، أسرع الخطا، وصل قربها، وقلبه آخذ بالخفقان ، خفق بقوة، مما جعلها تضحك عندما سمعت نبضات وخفقان قلبه. ضحكة ملاك، وبسمة آلهة. تطلعت بعيني غزالة، ولم تنبس بكلمة.. سارع بسؤالها: هل تذهبين إلى البيت؟ هزت رأسها علامة الموافقة.. تعجب منها، هل هذه هي زهرة التي قادت التظاهرة أم أنها توأمها.. اقترب منها بشكل كبير، حتى انه أحس بتنورتها المتمايلة بفعل الريح وهي تلامس يده.



قال لها يا زهرة أتقبلين بي عريساً لك ؟

خبأت وجهها بكفها، لم تجبه على سؤاله..

أعاد تكرار السؤال وما أن فتحت زهرة فاهها حتى بدأت القنابل تتساقط على المكان.انتشر الغبار والدخان، فيما أحس محمد علي بألم في صدره. لم ير بعده زهرة ، لم يسمع صوتها. تساءل: ترى اين هي؟.. خاف عليها ، خاف ان تكون أصيبت .. لكن خوفه تبدد حين رآها تتقترب منه، تسنده وتضمه إلى صدرها. وتمسك بيده، وتمسد شعره المبلل بالدم. سمع دقات قلبها المتسارعة، قبل أن يقطع تلك السمفونية صوت قاسم الغول.. جاء يركض كالمجنون، انتزعه من أحضان زهرته، التي صبغت ملابسها بالدم. حمله بين يديه وركض به نحو المستشفى.. بينما وقفت زهرة مذهولة تذرف الدموع، وتنشد بصوت ملائكي جابو الشهيد جابوه يا فرحة أمه وأبوه..



لم يتمكن قاسم الغول من الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب، إذ أن صاحبه الجريح، الذي سأل عن زهرة.. لفظ آخر أنفاسه في المكان الذي ترك فيه سيجارته المشتعلة. توقف قاسم عن الركض ، وضع الشهيد بجانب الجدار حيث كان يجلس قبل دقائق، سحب نفساً عميقاً مما تبقى من سيجارة محمد علي.. ثم خلع قميصه الصيفي، وأخذ يصرخ بأعلى صوته، ويدق بكلتا يديه على صدره، كأنه طرزان يطلب النجدة من اصدقائه في الغابة. لكن قاسم لم يكن طرزانا ولا الحوش في المخيم كان غابته.. لذا لم تأت النجدة.. ولم يعد هناك بد من دفن الشهيد.

 

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

عاصفة منتصف الليل
 


لم ينم طيلة ليلة كاملة،ظل يتقلب في سريره كدجاجة فوق نار حارقة، فقد شرب كمية كبيرة من الخمر ، ظلت تسري في شرايينه ،مما أثقل رأسه وجعله بلسانين... ردد في سريره مرتجفاً: البرد، اللعنة على البرد.. في الخارج بدت سرعة الريح أسرع من الدوار في رأسه.. إنه البرد، آه منه، فالبرد هو الذي جعله يتقلب ذات اليمين وذات الشمال إلى أن نام بدون شعور ودونما خوف أو إحساس بالعاصفة وانعدام السلامة والأمان..

اعتاد شرب الخمر منذ بدأ العمل بحاراً على متن سفينة أجنبية. طافت بلاده، وطاف معها الموانئ و البحار.. تعلم كذلك على متنها معاشرة حوريات البحر وشابات الموانئ.. لم يغب عن باله أول إبحار مع السفينة بالاستينكا،حيث عانى يومها الأمرين من دوار البحر ودوار الخمر ودوار الشمس ودورة العمر على سرير عابر في ليلة عابرة..

قال لها : مارسالينا .. كل شيء في حياتي عابر .. حتى أنت ستكونين كذلك ..

لم ترد مارسلينا التي انتشت روحها به واشتعل جسدها لهيبا معه .. لم تقل شيئا ، اكتفت بهزة من رأسها عنت موافقتها.. تقدمت نحوه ، دنت من أذنه وهمست : لكني لن أنساك يا سرخان (سرحان).. فقد أحببتك لأنك مثلي بلا إنوان (عنوان) ، (خر) حر ، تتقاسم (الخب) الحب و (الخرية)الحرية و (الخياة)الحياة مع من هم مثلك... أجادت مارسلينا بعض الكلمات العربية من خلال معاشرتها للبحارة، لكنها لم تستطع فك طلاسم الحاء والعين في لغة الضاد.

قال لها كل هذه الخاءات ( من حرف الخاء) دليل قاطع على ان حياتنا خراء بخراء ..
قالت له لا لا سرخان .. خياتنا خلوة ..
مارسلينا! قولي بحرة فوقي وبحرة تحتي
ردت : بخرة فوقي وبخرة تختي ..
أرأيت الحياة شيء بخري يا خلوتي و حلوتي ..

تراءت له وهو يهم بصعود سلم السفينة، صورة جده البحار، الشيخ الهارب من مصيره، يحمل أطفاله ومتاعه وزوجته المصابة بشظية..وضعهم على متن زورقه الصغير وترك خلفه كل شيء.. فر هرباً من الغزاة الذين كانوا أكثر قسوة وعدوانية من قراصنة البحر، وأشد فتكاً بالناس من سمك القرش. تذكر سرحان جدته،بسمتها المبللة بدمع تساقط على خديها وهي تقص على مسامعهم حكاية الهرب من الموت. لم يفهم بداية كيف ان جدته تبكي مبتسمة. ومع الزمن عرف أن البسمة تعلو شفاه الأهل بالرغم من الجراح. تذكر أيضا إصرار جده،حين حدثهم عن هبوب الرياح العاتية واشتداد دوار البحر.. كان التيار قويا وعاتيا ، لكن الجد فكر بزوجته المصابة وبطفله الصغير.. ظل يقاوم ويجمع قواه ويرتل ما حفظ من الذكر الحكيم، حتى ابتعد عن الشاطئ، شاقا عباب البحر، متجها نحو عالم جديد. وبعد وصوله بر البلاد المجاورة ، شاهد الملائكة وهي تقوم بإجراء مراسيم دفن ملائكية لقلبه الذي ظل هناك في ساحة بيته المسلوب.

ركب سرحان البحر في طريقه إلى العالم الحديث مثقلا بتلك الذكريات.. تعلم خلال ركوبه البحر أشياء كان يجهلها... أشياء جديدة، من ومع المرأة الشبح كما سما مارسالينا ، بطاقته إلى الحرية. برغم حبه لها وتعلقه بلهيبها ، ظل يقول بداية الأمر أن العفاريت والشياطين والجن ركبته ..فكيف يمكنه وهو لم يطبق العشرين من عمره ركوب كل تلك الأشياء خلال فترة وجيزة..لأول مرة في حياته..اقتنع سرحان ان لمغامراته البحرية علاقة بقوة خارقة، أو أنها بمساعدة الجن، المهيمن على مثلث برمودا.أو بدعم من أرواح الهنود الحمر، التي لجأت الى البحر، للاختباء من سفن الموت القادمة من وراء البحار. فهناك كثير من الصفات المشتركة بينه وبين الهنود الحمر. يكفي شراكته لمارسالينا عواصف الحياة على متن السفينة.

عندما وضع قدمه على سطح السفينة بالستينكا، رفع يداه شاكرا الله على هديته في الثامن من آذار / مارس. قبل ذلك اليوم لم يسمع بيوم للمرأة في بلاده.. لاحظ الفتى سرحان أنهم على متن السفينة احتفلوا بيوم حواءهم. ولم يكن هو أسوأ منهم لأنه بنفس المناسبة احتفل بيوم مارسالينا بشكل يليق بفحل في أول طلعته...كان أيضا يومه،بداية حياته الجديدة. ذكرته الاحتفالية الغريبة معها بحكايات الشابات الشقراوات اللواتي كن يتقربن من الصيادين والفلاحين في بلاده المسلوبة، حيث تنتهي بعض الليالي بقيام بعضهم بتوقيع أوراق بيع ممتلكاتهم للشقراوات، ومن شغلهن في خدمة مشروع الاستيلاء على أرض اللبن والعسل.

لم يشك بصدق مارسالينا السمراء. جارته في الكابينة على متن السفينة.. شابة بعمر الورد، مثل القهوة بالحليب، ممشوقة القد ، مجبولة الجسم ، مجعدة الشعر، ذات بسمة وأسنان بيضاء مثل الثلج. عرف فيما بعد أنها من أم هندية حمراء، من قبيلة تؤمن بالمحبة والحياة. علمته "مارسالينا" بعد عدة ليالي من السفر المشترك بحرا، انه من الصعب على أهل البحر السفر دونما شركاء ورفقاء درب.

عندما حل يوم الفراق وغادرت مارسلينا السفينة في ثالث توقف لها في ميناء بحري كبير لم يعد يذكر اسمه.ودعته بحرارة آلهة الشمس والحب .. شعر عندها انه فقد كل شيء في الميناء المجهول.فكر أن يلحق بها.لكنها ردته بنظرة من عينيها،خوفا عليه من الأيام ومن مهنتها. فهي حرة وتمارس حريتها كما تريد.. لم ترغب الارتباط به بالر
غم من شعورها القوي هي أيضا بشيء جذاب وغريب يشدها إلى هذا الفتى المبتدأ.

مضت سيدة لياليه البحرية ، شهرزاده الهندية ، شوكولاتته اللذيذة ، قهوته بالحليب ، خمرته ورفيقة سفره... لوح لها بيده طويلا، ظل يفعل ذلك رغم تواري رصيف الميناء وابتعاد السفينة عن اليابسة. مضت مارسالينا لتمارس حريتها بينما ظل هو على متن السفينة بدون وجهة ،حبيس حريته البحرية ، ورهينة للحظات أعادت له وجه جده الذي عشق البحر وعرف أسراره وخباياه ، حيث كلم الأسماك بلسان تفهمه ، والأمواج بنظرات تعرفها. جده لم يجد الوقت ليودع كل تلك الأشياء التي أحبها ، حين فاجأته عاصفة البشر الغرباء فوق أرضه، وفي حديقة بيته.. لم يكن عندها يفكر سوى بإنقاذ عائلته من الموت. ترك البيت والساحل والبلدة، ولم يتمكن من العودة إليهم. مات غريبا في بلد مجاور ظل يعتبره كذلك حتى بعد موته. صنعوا له تابوتاً من خشب زورقه الذي أوصله إلى منفاه.. وهكذا تم دفنه بطريقة بحرية مبتدعة، كان نفسه أوصى بها قبل مماته. دفنوا جثمانه في البلد الجديد بينما قلبه ظل هناك في بهو المنزل الأول ، تحت حراسة الملائكة.

جرع سرحان شرابه الذي جعل الرأس أخف من الكأس، واللسان أثقل من الإنسان،حاول تخيلها،أمعن النظر في سمارها الخلاب. رآها آلهة مجبولة من التمر والتراب والشوكولاته.. اشتهاها،فصفص حبات فستقها،التهم كل شيء قبل ان يشعر بالدوار يلفه ويرميه.. ارتمى على سطح السفينة.. شاهدها قادمة تمشي فوق الأمواج وعلى سطح البحر.لكنها لم تصل.. ذهبت كما ذهب بيت جده..
حضرته أوقاتهم الليلية الدافئة وحديثه معها عن بلاده التي لم يرها قط.. وكيف انها استغربت منه ، لأنه روى لها تفاصيل دقيقة وصف فيها كل شيء في بلدته، مع انه ولد وعاش وكبر في بلاد أخرى. ولم يتسن له رؤية بلاده ولو مرة واحدة خلال سنوات عمره العشرين. أحيانا كانت تظن انه يبالغ في أحاديثه بسب كمية الكحول التي يشربها.. لكنها اكتشفت مع الأيام ان الأمر أكبر من الكحول. فالشاب العشريني يحفظ أحاديث أجداده بدقة بحيث أن الذي يسمعه يعتقد انه عاش كل تلك التفاصيل الدقيقة. حسدته على تعلقه الشديد بأرض جده ومنزله وزورقه وحكاياته.. بينما حسدها هو على قبولها العيش بلا وطن سوى السفن والموانئ والأسرة العابرة..

ظل سرحان تلك الليلة يشرب الخمر دون توقف، وصلت سفينته عند منتصف الليل إلى منطقة اشتدت فيها العاصفة البحرية. في تلك اللحظة واصل سرحان حديثه للجد،الذي بلغ نهاية رحلة عبور البحر من بلد إلى بلد. رحلة الجد البحرية، وهو يصارع العاصفة بكل ما لديه من قوة وخبرة وإيمان. راقبه سرحان بعيون مشدودة وفاه مشدوه.. رأى براعة جده في تحدي الإعصار..أصر الجد على رفض السماح للإعصار بابتلاع أيا كان من الذين على متن مركبه الصغير.

شرب سرحان نخب جده الإنسان، ولكنه لم يكن يدري بنفس الوقت انه اقرب إلى أن يبتلعه الإعصار من جده الذي وصل بر الأمان.. لم تغرق السفينة لكن سرحانا غرق من شدة الخمر، فقد نام ثملا دون ان يعي انه كذلك..ذهبت سكرته وجاءت فكرته عندما وجد نفسه يعوم بما حملته العاصفة من مياه غطت أجزاء من السفينة.
_________________
2006

 

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 

ساقي

 

لحسن حظه أنه وحده دون شركاء في المنزل .. فسكان بقية الغرف غادروا صبيحة هذا اليوم المشمس إلى السوق للتبضع .. لذا وجدها فرصة،حيث قال بينه وبين نفسه أنها اللحظة الأفضل كي يلوذ منهم بقليل من النوم ..

نام وفي نيته ان يرتاح قليلا مما عاناه في العمل ومما رآه في أحد الأفلام الهمجية الهوليودية..

لكن الكوابيس فاجأته في عز الظهر، وأرته نجوم الظهر كما يقولون ..

ففي نومه او حلمه وجد نفسه دون إحدى ساقيه.. رأى نفسه بلا ساق .. لم يصدق ما رآه وكيف حصل ذلك ومتى وأين ولماذا ..

أخذ يركض على ساق واحدة كأنه إنسان غير كل البشر.. خاف من نفسه وعلى نفسه ..

لا يتذكر كيف حصلت تلك المصيبة . كل ما يتذكره أنه رأى نفسه بدون ساق فأخذ يركض ويصرخ بصوت عالي : آه .. ساقي .. ضاعت ساقي .. راحت ساقي .. فقدتها وفقدت القدرة على الركض .

لم يلفت انتباهه أنه كان يركض على ساقيه وهو يصرخ مطالبا بساقه .. ولم يشعر بالألم ولم ير الدماء. لكنه كان متأكدا من فقدانه الساق.. لقد دخل في حالة رعب وهلع أو في حالة جنون وصرع . كل ما كان يسمعه هو صراخه :

ساقي !

أضعتها..

ترى هل أضاعها حيث ضاعت أحلامه الأولى ... وهل فقدها يوم فقد مدينته وجيرانه والمدرسة والحارة وأجمل قميص أهدته له والدته في يوم عيد ميلاده.. كان قرر النوم لأجل أن يحلم بعصافير تزقزق وطيور تغرد وحوريات ينثرن الورد وجميلات يسقينه شراب الحب من ثمار الفردوس. نام كي يلتقي بشهرزاد لتقص عليه بعض قصص الحب العذري.. كان مولعاً بالغراميات التي لم يعرفها سوى من القصص والحكايات. فهو لم يعلق في شباك حب ولم يلفت انتباهه ما يمسك به من قلبه.

كان صبيا هادئا وفتىً ذو توجهات مدرسية ، يختلف عن أقرانه في الحارة والمدرسة. لم يكره الحرب لأنها فرضت على شعبه،ولكنه بنفس الوقت لا يخفي رغبته بذهابها بلا رجعة. فهي كالنار المستعرة تلتهم وتحرق كل من يقع في دائرتها. وهي التي أخذت بعض زملائه وجيرانه . كما أنها قد تكون السبب في بتر ساق جارهم الحاج.

كان مع أقرانه من الأطفال يتجمدون خوفا من الحاج،إذ اعتبروه رجلا مخيفا لأنه بلا ساق ، كانوا لا يفهمون أسراره حين يرونه يوم بساقين اثنتين ويوم آخر بساق واحدة. وكانوا يتناقشون ويسألون بعضهم ويحللون ويجيبون على هواهم..

أما الحاج المثقل بهموم ساقه الاصطناعية ومشقة السير بها في الصيف الحار،حيث عادة ما تكون درجات الحرارة مرتفعة والرطوبة مزعجة. مما يجعل احتكاك ساقه المبتورة بأطراف الساق الصناعية أمرا مؤلما يتسبب بالأوجاع وبالجراح في كثير من الأحيان،بحيث لا يعود الحاج يقدر على استعمال ساقه الصناعية بل يضطر مجبرا للسير بدونها ، والظهور خارج منزله بساق واحدة، لكن بمساعدة عكازين صنعا خصيصا لمثل تلك الحالات.

هل أضعت شيئاً ما يا عزيزي ؟

جاءه الصوت من الممر الضيق الذي يقع بين غرفته والصالون المشترك لسكان المبنى الصغير. لم يعرف هل السائل جاء من الخارج أم أنه جزء من كابوسه اللعين. خاصة انه ظهر أمامه بعكازه الخيزراني، ونظر في بياض عينيه من بعيد.

للوهلة الأولى ظن أن هذا الرجل هو الحاج نفسه ، يقف أمامه على ساق صناعية وعصاً معدنية. لم يعد بعد سنوات الغربة الطويلة يتذكر بالضبط شكل وهيئة الحاج. لكن الرجل الذي يتحدث إليه أشبه ما يكون بحاج طفولته. نفس الوقفة ونفس اللحية ونفس الشارب ونفس ثنية الساق وضخامة الركبة. ونفس العصا الخيزرانية التي كان يستعملها الحاج. إذن هو هنا هذا الذي تعب وتحمل وصبر كي لا يخرج في كثير من الأحيان من منزله بدون ساقه الصناعية... انه الحاج من جديد ويبدو انه على خير ما يرام. وبساقين مثل كل الناس. هو مثل الجميع أما أنا فقد أصبحت مثله في الزمن السابق . بلا ساقي ، تلك التي ذهبت كمن ذهب ولم يعد..

كان يتمتم بتلك الكلمات حين جاءه صوت الحاج :

- هي ليست أكثر من ساق من لحم ودم وعظم. وأنت لست الأول ولا الأخير في هذا العالم الذي تصلح تسميته عالم بلا سيقان..

- كيف يمكن للمرء أن يسير على ساق واحدة ؟ أنا شخصيا لا أفهم ذلك وأجد صعوبة في الإجابة على السؤال.

ولكي يخفف عنه عبء الإجابة قال له الحاج :

الإنسان حين يفقد ساقه او عضو من أعضائه عليه الصمود والتحلي بالصبر وفولذة الإرادة. لأن العضو المبتور يذهب ولا يعود بينما الإنسان يبقى إلى أن يموت. وفي تلك الفترة يجب عليه ان يتعلم الحياة من جديد، والسير من جديد. وان لا يجد في نفسه أية فوارق عن الآخرين. لأن تصنيف النفس خارج المجموع في تلك الحالة يجعل الإنسان في خبر كان. ويجعل ثقة الشخص بنفسه مهزوزة وضعيفة. مما يؤثر على كافة مسارات حياته. عليك ان تقبل بالواقع الجديد وتتحداه وتمضي في مشوارك بهمة وعزم وجرأة.

استمع لنصائح وإرشادات وخبرة الحاج وهو يمشي إلى جانبه كل على عكازاته.. وفي لحظة عابرة جمع قواه وسأل الحاج عن سر بتر ساقه. فرد عليه الحاج وهو مبتسم: كنت صيادا أصيد السمك في البحر.. وذات يوم اقتربت من زورقي الصغير سفينة كبيرة كانت تعج بالقراصنة الغرباء الذي وصلوا إلى بحرنا ونزلوا برنا فيما بعد. بأشكالهم وهيئاتهم المخيفة التي تثير الرعب. طلبوا مني ان أكون دليلهم على الساحل. وافقت مجبرا وخوفا من زعيمهم الذي كان بساق واحدة خشبية. وبعين واحدة وضع فوقها لفافة سوداء. عندما وصلنا الشاطئ حدثت جلبة وإطلاق نار وفوضى وفجأة وجدت نفسي مصاباً وبدون ساقي.

صحوت فيما بعد على نفسي في غرفة بيضاء في المستشفى حيث كانت تتم معالجتي. بعد ان شفيت عدت الى البحر ، الى الحارة القديمة وبقيت هناك حتى توفاني الله وأحضرتني الملائكة الى هذا المكان. حيث يتم جمع الموتى الذين فقدوا أطرافهم في الحياة.

ماذا توفاك الله؟ موتى ومكان لل..

نعم توفاني الله! ومكان لل ..

بقدرة قادر في تلك اللحظة انتفض صاحبنا مرعوبا من الهلع،حيث ظن انه قد مات بعدما بترت ساقه.. ولكنه وجد نفسه فوق سريره يلهث ويكاد يختنق . فتناول على عجل كأس الماء الذي فوق الطاولة الصغيرة بالقرب من سريره.. شرب كل ما كان فيه.. وبعد أن هدأ قليلا .. تحسس ساقه فوجدها في مكانها وفعل الشيء نفسه مع الأخرى حيث وجدها أيضاً مكانها.. ضحك من نفسه .. لكنه لم يعد للنوم ، ارتدى ملابسه وخرج يتمتع بالشمس خارج المنزل.


++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

حوار مع حمار

 

(شبه قصة)

أثناء زيارته لبلدة جبلية نائية وجد حمارا يتجول بين الحقول.. بدت على الحمار علامات الصمت، وقف مكانه بهدوء، ودونما خوف من سماع وقع أقدام أحد الغرباء وهي تدق الدرب غير بعيد عن مكان وقوفه، تحت شجرة زيتون ضربت جذورها عميقا في الأرض.. لم ينزعج الحمار من وجود الزائر على مقربة منه. لوح بذيله كثيراً، يبدو إنها إشارة ترحيب وحسن نية.. أما زائر البلدة القادم من المدينة الكبيرة، والذي تنقصه الخبرة بالحيوانات الأليفة وغير الأليفة. تعامل مع الأمر بشكل عادي، فلم تظهر عليه عند الاقتراب من الحمار، علامات الخشية من رفسة أو ما شابه ذلك.

أمعن المدني النظر في الحمار، وكذلك فعل الحمار مع المدني.. ثم فجأة وبعد مرور دقائق فقط تذكر الزائر المدني أنه لم يمتط في حياته ولو مرة واحدة حمارا او حصانا، باستثناء ركوبه في احد الأعياد مع أولاد الحارة عربة " طنبر" جرها جحش أو بغل كهل.. لم يعد يتذكر بالضبط متى وكيف.. لكن عربة العم أبو مرعي الذي عمل لكسب العيش في مدينة لا ترحم الغرباء والفقراء ظلت حاضرة في ذهنه. إذ كانت تجوب الشارع ذهابا وإياب طوال اليوم.

بينما طال توقف المدني الزائر مع ذكرياته، أخذ الحمار يحدث نفسه فقال: صاحبنا المدني لا يعرف ما الذي يميز الجحش عن البغل ، ورغم هذا سيغامر بالركوب على ظهري ، ظهري أنا ، الحمار المتمرد، الشارد من أصحابه، في قرية جبلية، بعيدة ، نائية، حيث لا أنس ولا جن.

لم يفكر الزائر المدني أكثر مما فكر خلال تلك الدقائق الطويلة، ودونما تردد قرر أن يركب على ظهر حمار غريب، تصادف وجوده على الطريق الجبلي. جمع قواه وحشد إيمانه قبل ان يضع رجله على سرج الحمار.. ثم قفز فوجد نفسه دون عناء فوق ظهر الحمار، الذي أبدى تفهمه لرغبة الضيف، بالرغم من عدم استئذانه بذلك.

استغرب المدني عدم اعتراض الحمار على الطريقة التي امتطي بها من قبله.. ولم يدر هل انه محظوظ أم أن هذا الحمار أحمر من بقية الحمير التي سمع وقرأ عنها.. فلحسن حظه في ذاك اليوم، ان الحمار الهارب من العتالة والأثقال والأشغال الشاقة، لم يبد مقاومة، ولم يرفض حمله على ظهره المتعب.

فرح الحمار البلدي بلقاء الحمار الآدمي..وسعد بلقاء هذا الرجل الخام، تماما كما سعد المدني بدوره بتفهم الحمار له وبرغبته وتعاونه معه..أمسك المدني بحبل شد إلى سرج وربط بإحكام حول عنق الحمار.. شده صائحا: حا ..

فتحرك الحمار إلى الأمام بعدما أجابه: آ

جواب الحمار أحدث مفاجأة لم يعرف معها المدني كيف يتصرف..

هذا الزائر الذي لا يفهم لغة الحمير الجبلية، إذ أنه طوال عمره عاش مع حمير آدمية مدنية، ناطقة، تتكلم لغة مفهومة وأخرى غير مفهومة استطاع أن يفك طلاسمها مع مرور الأيام...

حدث المدني نفسه متسائلا:

هل هذا حمار يتحدث العربية أم انه حمار لا يجيد سوى قول آ ؟

ثم فكر بينه وبين نفسه، لما لا أختبره بطريقة أخرى، فبدلا من حا ، سأقول له دي ..

فرح بما جاءت به عبقريته وبسرعة إيجاده الطريقة التي يمكن عبرها كشف سرّ هذا الحمار.

وأصبح الآن راغباً بمحادثة الحمار، بالرغم من تسرب الخوف والوساوس إلى رأسه وتفكيره..فقد تكون ركبته العفاريت أو سكنه الجان.

يجب عليه أولا أن يدعه يتمهل، فالحمار يسير سعيدا بما على ظهره من حمل بشري عابر وغير مقيم، حمل ليس ثقيلا ، وآمر لا يعرف قيادة الحمير ولا يفقه لغتهم. فليس كل حمار حيوان غير ناطق وليس كل إنسان حيوان ناطق.

قال الزائر للحمار السائر بعد شدّ الحبل من جديد: دي

رد الحمار فوراً: وي

تعجب صاحبنا، وقال : أنه يجيد أيضا الفرنسية !

يا لها من مفاجأة سارة ، حلمت طويلا بتعلم اللغة الفرنسية ، ولم يكن بمقدوري إيجاد من يعلمني ، فهل سأتعلمها من حمار؟ لا بأس فليكن ، إنها فرصتي للتعلم والاستفادة.. خاصة بعدما حضرته فورا بعض ذكرياته على رصيف الشارع المؤدي إلى مدرسة البنات ، وتذكر ترديده مثل الببغاء على مسامع الصبايا والطالبات بضع كلمات فرنسية مثل ، ، بونجور، بونسوار ، تيام مورا مور ، كاس كاسيه مدام، ميرسي وكذلك رانديفو.. كلمات تعلمها في زمن التسكع الشبابي بالقرب من مدارس البنات، وكذلك في مرحلة الدراسة الثانوية.

قال : هذا كان زمان..

معه حق.. فهو الآن أمام معضلة، أمام لغز يجب حله..

هل هذا الحمار فعلا يتحدث الفرنسية ؟

وهل هو فعلا حمار عربي ام انه حمار أممي يتقن العربية ؟

وهل يتحدث مثل كل العرب الفصحى والعامية؟

هكذا بدا صاحبنا، وأخذ يردد في قرارة نفسه أسئلة منوعة وكلمات غريبة..
ويقول : قد أكون في حلم، لم لا يحلم المرء وهو يمتطي ظهر حمار بعدما عزت الخيول في بلاده المترامية الأطراف؟

قرر المدني اختبار الحمار للمرة الثالثة على التوالي ليعرف ان كان في حلم أم علم.. فقال له : دي

وبسرعة البرق سمع جوابا يقول : سي

يا الله انه يجيد اللغة الطليانية كذلك

ما هذا الحمار العبقري ؟

انه أذكى من كثيرين من بني البشر .. يجيد لغات عديدة ، يرد على المفردة بمثلها وعلى وزنها ، حمار شاعر وبمشاعر، حمار من أهل الدار ، حمار لم يستسلم لهزائم محيطه وخراب عالمه، متحدث لبق، يبني كلامه وفق التقويم المحلي، كما انه يتحدث بأممية جليّة و صريحة، عكس أممية أصحاب معسكر أممي سابق، حمار قال انه يحب السير تحت المطر ولا يحمل مظلة حين تمطر الدنيا في بلاد الحلفاء... حمار منفتح، عقلاني، واقعي، يؤمن بحتمية التحرر من ديكتاتورية الفلاحين والمزارعين، حيث استعبد طوال حياته..

بعد سماع ذلك ظن المدني أن هذا الحمار شيوعي وصاحب أفكار يسارية و ميول ثورية.. واضح انه لا يحب الإقطاعيين، قد يكون قرأ المادية، النظرية العلمية،الدياليكتيك ، ومجتمع السعادة..أظن انه يؤمن بضرورة الكفاح لأجل الحرية وديمومة الحياة بكرامة، وأظن أيضاً أنه يعلم ان الحياة وقفة عِزْ ..

يا له من حمار ذكي، نسيت بعد كل هذا الخلط انه أجابني بالطليانية، فعندما قلت له دي أجابني سي ، وهذه كلمة إيطالية، من اللغة التي يجيدها الأخوان اللذان شيدا برج الحمارين في مدينة بولونيا وسط ايطاليا؟

ترى هل يعرف هذا الحمار لغات أخرى.. يجب ان اختبره، فأنا أجيد بعض الكلمات باللغات السلافية، سأجرب معه اللغة الروسية علّه يعرفها.

قلت له : حا

أجابني مرة واحدة : دا

يا له من عبقري ! حسنا ، سأجرب أن أوقفه بالعامية..

قلت له: هِشْ

قال لي: فِشْ

يا لهذا الحمار الموسوعة،ردوده جاهزة ولسانه فصيح

ماذا افعل معه الآن ؟

سأطلب منه ان يتوقف ونجلس معا للحديث في أمور الحياة والدنيا.

طلبت وكان لي ما أردت

لكنه بادرني بالسؤال

ما هي أخبار المدينة؟

قلت لا جديد في المدينة ، هي كما هي بدون تغيير نحو الأفضل ، الأخلاق فسدت والبيئة دمرت والبشر أصبحوا أكثر مادية.

ما هي أخبار الحمير في بلادكم ؟

يقال وأنا لا أجزم لأنني عديم الخبرة بالحمير، أنهم الآن أكثر وعيا وحنكة ،حيث تمرسوا في العمل والحياة ومنهم من تفوق على البشر..

إلى أين تتجه ؟

لست ادري ..

هل تريد العودة من حيث جئت ؟

نعم .. أرجو ان نعود الى حيث موضع اللقاء لأنني اشعر بالدوار..

لنعد يا صديقي الآدمي .

نعم لنعد يا صديقي الأممي..

( تمت)
 

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

(شبه قصة)


اكس اكس اكس


بالكاد كان يرى بياض عينه حين وقف أمام المرآة وأخذ يتحدث مع الوجه الذي كان مقابل وجهه .. قال له : ليس الأسوأ أن تجلس وحدك بل أن تعيش لوحدك.وليس على المرء ملامة إن تظاهر بالجنون كما تتظاهر الأبقار هذه الأيام. وليس عيب على الإنسان أن يتظاهر بمرض أنفلونزا الطيور بعدما طارت العقول من رؤوس البشر . وليس مهما أن ما أقوله سيعجبك أم لا بل المهم أن تفهمني وأن أفهمك لأننا وحدنا في القطار نعبر المدن والأقطار. نخلف وراءنا الشجر والحجر والبشر.. نلمح البساتين والتلال والجبال والبحار والبحيرات والأنهار.. نودع او نوزع كل ما يلمحه البصر في لحظات السفر .. هذه هي سياسة خذ وهات سياسة عادلة.وكلانا متفقان على الحوار.. افهم وحاول أن تفهمني،غير ذلك كلانا سيخسر السفرة ويفقد السكرة بفقدان الفكرة..

فجأة قطع حبل أفكاره واسترساله سؤال باغته لأنه خرج من فم الذي كان يقابله في المرآة : أنت إذن تتحدث لأحدهم ..؟

تلعثم بجوابه لكنه لملم أفكاره وأجاب : أنا لا أحدث سوى نفسي ... لم يكن جوابه مقنعاً لنفس نفسه فسألته : إذن لماذا تفعل ذلك؟

دون أن يشعر دخل في الحديث مع الذي يقابله وأخذ يشرح له أمره، فقال: أقوم بذلك لأعرف نفسي أكثر .. لأجرب نفسي كانسان بوجهين ، واحد يعتبر أنايَ أناهُ.. وهو في أناي يعني أنا فيه هو .. أنه شخص آخر داخلي ، لكني لا أستطيع تقبله، أرفضه لأنني اعتبره ليس مني ، فلسانه ليس لساني ، ومنطقه ليس منطقي،وفكره لا يمت لفكري بصلة .. أنا مؤمن بوجود الخالق عز وجل بينما هو ملحد،لا يؤمن بأي شيء.. حياته دنياه ودنياه حياته..لا اشتراكي ولا شيوعي ولا قومي ولا عروبي .. كذلك لا هو قومجي ولا هو ليبرالي على طريقة العرب الجدد... انه آخري الذي تأخر ظهوره في هذه الرحلة الصعبة،انه أنا الآخر الموجود في داخلي... حتى قلمه ليس قلمي.. كل ما يجمعني به فقط وجهه لأنه يشبه إلى حد كبير وجهي ..

هل هذه فلسفة أم تجارب علم نفس في مستشفى مجانين؟

لا هذه ولا تلك .. هي محاولة لفهم الآخر فينا عبر الدخول في الأنا الأخرى ..

هل تعرف ماذا أجابته أناهُ الأخرى عندما سألته عن رأيه بعيشته في المهجر؟

قالت له : لا تعتقد انك تعيش وحدك في المهجر ، فهناك مثلك ملايين .. لا يمكنك رؤيتهم كل يوم،لكنهم يظهرون على السطح كلما تعالت الأصوات المطالبة باصطيادهم وتعليبهم وتصديرهم إلى بلادهم .. ففي البلاد التي صارت بلادهم هناك من يريد إعادتهم من حيث أتوا. كل فترة يظهر بين ظهرانيهم من يدعي انه يداً إلهية أو قاضي قضاة الخالق على الأرض .. وهناك أيضا من ينصب نفسه والياً يقسم البشر حسب دينهم ولون بشرتهم .. حكايتنا معهم طويلة..

لم ترق له الإجابة حيث رآها تذهب بعيدا في تخوفها من المستقبل، وكأن المستقبل سيأتي معه بالماضي الذي عاشه الأجداد في قرطبة وطليطلة وغرناطة واشبيلية.. لم يحب تلك الإجابة. اشتم فيها رائحة من ذاكرة محاكم التفتيش.. لقد كرهها حيث أن فيها نظريا ما قد يتحقق بعد زمن .. كل شيء الآن يساعد على فهم تخوفه وتوقعات أمثاله. بصراحة لقد كره الإجابة لأنها ذكرته بقول والده الذي حرص على تكراره دائما على مسامعه : غدا يا ولدي سيخرج هناك من يبيدكم أو في أضعف الايمان يطردكم من المكان الذي اخترتموه فردوسا.. فتصبحون بلا وطن وبدون خيمة أو هوية .. عارض والده و قال له لا تكن متشائماً يا أبي ..
لست هذا ولا ذاك يا ولدي...لكني لا أرى لكم مستقبلا في تلك البلاد ،فكل شيء يعيد تكرار نفسه بعد فترة من الزمن .. حتى الأعمال السيئة والوحشية تكرر نفسها تماما مثل الموضة...

سمع كلامه لكن قبل ان ينتهي الوالد من حديثه حضرت أمامه صورة العالم بعد ان قام غبي أو عنصري بنشر رسوم كرتونية تسيء لشخص ليس ككل الأشخاص، شخص لازال يتبوأ المركز الأول بين أعظم مائة شخصية غيرت وأثرت في التاريخ البشري.. قال بينه وبين نفسه تلك الرسوم إذا ما تكررت ستؤدي نتائجها الكارثية إلى عودة محاكم التفتيش مما سيعجل بظهور المسيح الدجال والمهدي المنتظر ويأجوج ومأجوج . لكن هل يعقل هذا كله؟...

تلك الكلمات لم ترق لقرينه في المرآة الذي عاجله بالقول : ما هذا هل أنت مع حرية التعبير ام ضدها؟

قال في قرارة نفسه ، هذا سؤال خبيث من إنسان خبيث و حق يراد به باطل.. لكنه اجاب :

أنا ضد حرية التعبير إذا كانت بلا تفكير .. ومع حرية التعبير وضد انتقائية النشر والتحرير .. يعني لا يجوز الكيل بمكيالين والظهور بوجهين والحديث بلسانين والتعامل بمنطقين.. يعني هذا مسموح وذاك ممنوع . يجب ان يعرف الصحافي والكاتب أنه لا توجد حريات مطلقة.. فحريتك تنتهي عندما تصل إلى حرية الآخرين. هناك حدود لكل شيء ومسارات ومدارات تحدد سير ودوران كل شيء. على الكاتب العمل بها.

بصراحة أنت تتفلسف وقد يكون هذا نتيجة الجلوس وحدك .. فأنت تعتبر وحيد وحدتك،أسير فكرتك، وحبيس هجرتك. وإن كنت تعيش برفقة أحد ما فأنت أسير عيشتك. وعليك تقاسم الحديث والحوار مع الآخر من حولك. كما عليك تقاسم كل شيء من ورق التواليت حتى ورق الجدارن... عند هذه الجملة بالذات قاطعه الآخر قائلا : لكني اجلس وحدي مع كتاب يقول أن الأرض مثل البيضة وليست مثل الكرة.... كان يفكر بالبيض والكرات والأرض المخوزقة من كافة الجهات حين فاجأه من يقول له في وحدته : كتابك كلام لا يغني ولا يفيد،أما كتاب قرينك ففيه أشياء جديدة ومفيدة،خذه وتعرف على ما فيه
.

اعتقد أنه يحلم أو أنه يعيش مع آخرين .. مع العلم أنه لا يذكر أحدا منهم. لكن بعد أن رأى الضيف الذي دخل وحدته دون دعوة مسبقة تردد.. قال بلهجة آمرة استسلم الآخر لها دون مقاومة: قلت لك اقرأ ،وقل لهم أنه لا يوجد حيث تعيش تواليت قبل أن تفكر بورق التواليت وقل لهم أن بيتك بلا جدارن وبلا سقف وبلا أرضية وأنك نفسك إنسان بلا عنوان .. وقل لهم انك كنت تحلم بوقوفك أمام المرآة ومحاكاة قرينك. ففي بيتك لا توجد مرآة ولا يوجد تلفاز ولا توجد كهرباء ولا خط هاتف ولا مياه صالحة للشرب ولا سرير للنوم .. بيتك الذي أنجبتك فيه أمك لم يذهب مع الريح كما فعل أجدادك يوم اضطروا للهرب من لعنة حرب كانت بعيدة عنهم كثيرا لكن نتائجها أثرت فيهم أكثر من تأثيرها بأي مكان آخر. بيتك الذي أجبرت عائلتك على تركه،الذي شيدته بالعرق والجد والتعب،حيث جعلت فيه تواليت أجنبي وحمام عربي وجدران مزينة بورق الجنة،وسقف ملون بالزهور والورود.. بيتك الذي دخلته أول مرآة كبيرة وفريدة، كان جدك احضرها معه بعد رحلة أوصلته إلى بلاد الحكيم كونفشيوس. تلك المرآة عز على جدك تركها في البيت، كما عز عليه ترك عظام أمه وأباه في قبر العائلة،خاف أن تعبث بهم يد الغزاة ففتح القبر ، حمل العظام ووضعها معاً في وعاءٍ متين ثم احكم إغلاقه وحمله معه بعد أن وضعه في خرجٍ دابته التي هامت في الأرض وعبرت الحدود طمعاً بالنجاة ومواصلة الحياة وبحثاً عن قبر جديد لعظام الأهل.كان ذاك كل ما حملته العائلة من بيتٍ فسيح يتألف من تسع غرف للنوم والاستقبال والطعام وللعمل. بيت جاء غرباء على هيئة بنات آوى أووا إليه ومن ثم طردوا من كان يسكنه. بعد أن نبشوا المقابر وعبثوا بالموتى.. وبعد أن ذهلوا حين وجدوا قبر العائلة فارغاً . يذكر جدك أنهم كانوا جياعا ورغم إيواءهم من الجوع والبرد من قبل سكان البلد،إلا أنهم انقلبوا وكشفوا عن حقيقتهم وابرزوا أنيابهم ومخالبهم.. كانوا قد خططوا كل شيء، بينما جدك وأباه وجده لم يجهزوا أنفسهم حتى لكابوس في حلم شبيه بما حصل معهم في الواقع..

ليس من عادة البشر او الحيوانات ان ترث الآخر وهو حي يرزق، وليس من عادة الناس أن يغيبوا أصحاب الدار ويسرقوا الأرض والأزهار ثم يقولوا وجدناها بلا بشر مجرد تربة وحجر،جعلناها جنة وسكناها ولن نخرج منها..وهي لنا حتى الأبد..

رحم الله جدتي ، جدة قريني كانت تقول أنهم سلبوا الناس كل شيء.. حتى عبق أزهار الصباح ، ورائحة النعناع والميرميرة والخبيزة والفرفحينة، والزيت والزعتر والزيتون ودوار الشمس وزهر اللوز وذهب الخريف الذي يأتي مع الشمس وينتشر فوق السنابل فتغدو كمروج الذهب . .

قاطعه القرين : هم حسب قولهم قد عادوا وانتم حسب ادعائكم قد تهتم وضعتم.

هم أخذوا صورتنا وجعلوها صورتهم، حديقتنا وجعلوها حديقتهم ، وطننا وجعلوه وطنهم، ضياعنا وأراضينا و بيادرنا وجعلوها خاصيتهم.. طعامنا وقالوا انه طعامهم. آثارنا وادعوا أنها آثارهم..

كان جدك يقول حين تجلس وحدك تعرف سر وجودك.. وحين تدخل الغريب إلى دارك قبل أن تتعرف عليه ودون أن تعلمه بأسرارك تكون الكاسب،لكن أن فعلت العكس ستدور الدائرة عليك وتخسر ما كنت بنيت. لذا فلا تعش وحدك في وحدتك.كن مع الناس وبينهم عندما تقتضي الضرورة والحاجة.. فالجنة بلا ناس لا تطاق. والحياة بلا جيران ومعارف وأصدقاء أيضا لا تطاق.. إن صادقت فأصدق فالصدق شيمة وعلامة تميز الصادق عن الكاذب والأمين عن غيره.

هل تعني اننا محظوظان لأننا ركبنا القطار وابتعدنا عن دائرة الاستئصال؟

لسنا محظوظين بولادتنا في بلاد غير بلاد الآباء والأجداد.. حيث كبرنا في بلدان غير بلدان الانتماء .. فأنا كما جدي خسرت البيت والتواليت والجدران والمرآة والمرأة والمدرسة والحارة والألعاب والشجر والحجر والأرض... غدوت مجرداً من هويتي ووطني،صرت أربع حروف اكس لاتينية لدى سلطات الهجرة في بلادي الجديدة ، المكتسبة رغم أنها بلادا أجنبية ساعدت الآخر على سرقة بلادي الأصلية.وأنت أيها القرين نسخة طبق الأصل عني ...

انتهت
 

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

ثلوج تهيج الأشجان

 

(شبه قصة)

 

 
موسيقى الثلوج المتساقطة خلف جدران غرفته تجعله يسترخي أكثر في سريره العريض ، الذين كان فيما مضى من الأيام مريحا . فقد مر على شرائه عشر سنوات عجاف،نام خلالها نوما مريحا.. الآن صار السرير قديم العهد،حيث تقوست فرشته واحدودبت كأنها ارض ضربها الجفاف.

خارج غرفته وخلف شباك حريته أبيضت الأشجار والبيوت والحدائق والطرقات وكل ما وقع ضمن دائرة الرؤية..أذهله الأمر. بدا المشهد كأنه من أفلام هوليود، خيالي ورائع وقوي التأثير .. وقد يكون هو الذي عجل بإصابته بنوبة حنين وشوق للبيت البعيد،للعائلة التي فرق بينها الدهر، ووزعتها لقمة العيش بين البلاد المشرقية والأخرى الغربية. وقد يكون هو أيضا الذي أعاده بالحنين إلى منزل العائلة، لحضن الأم التي ودعها منذ شب على الحياة،وخط السواد ذقنه الفتية.. تطلع إلى الثلوج وأخذ ينشد دون أن يدري أبيات الشاعر العربي المهجري رشيد أيوب :

يا ثلج قد هيجت أشجاني ............. ذكرتني أهلي وأوطاني
بالله قل عني لجيراني .............. مازال يرعى حرمة العهد

يا ثلج قد ذكرتني أمي ............. أيام تقضي الليل في همي
مشغوفة تحتارُ في ضمي ............. تحنو علي مخافة البرد

كانت الثلوج المتساقطة بكثرة مثل كرات بيضاء طيارة،تهبط فتركب الواحدة خلف أختها وتفعل بقية الحبات والكرات الشيء نفسه، مما يجعلها متلاصقة وواحدة كالبنيان المرصوص. حيث عندما تهب الرياح لا تتطاير منها سوى الحبات التي لم تعمل كما أخواتها وبشكل جماعي،مما يعني أنها خالفت تعاليم الجماعة،فوقعت في أسر الرياح.

أدرك ميمون بعد دقائق من ملاحقة الثلوج الطائرة والرياح العابثة بها أن عليه الاقتراب أكثر من زجاج النافذة.. اقترب حتى ارتطمت أرنبة انفه الرفيع بزجاج النافذة البارد.ألقى نظرة على الخارج، فرأى وجه الأرض بهي الطلعة،ناصع البياض،يلبس ثوب زفافٍ من أجمل ما يكون.. ورأى ملائكة الرحمة وهم يعلمون الأطفال لعباً ثلجية لم يتعلمها في طفولته. نظر إليهم وهم يعجنون الثلج لعباً نظرات متتالية فيها غيرة وعطف وحنين لطفولة لم يعشها مثلهم.

أخذته الحمية حيث قرر منذ تلك اللحظة أن يكون إنسانا آخر ، مختلف عمن يدورون حوله، مختلف عن الذين يلتقي بهم كل يوم.. ويقول لهم كل مساء تصبحون على أمل ووطن وجواز سفر وديمقراطية من بنات أفكار المستقبل.

جرت العادة مؤخراً ان لا يرتشف قهوة الصباح مع زوجته،فهي منذ استلمت عملها الحالي تصحو من نومها أبكر منه. حيث تتناول قهوتها الاكسبريس بشكل سريع جدا،ثم تخرج مسرعة كي تلحق بأوتوبيس الساعة السادسة والنصف صباحا. لكنها قبل خروجها تكون أعدت للأطفال حقائبهم وزادهم وملابسهم المدرسية. كان عليه هو بعد ان يصحو من النوم في السابعة صباحا ان لا ينسى مواعيد الأطفال، إفطارهم ثم ذهابهم إلى المدرسة بين الثامنة والثامنة والربع صباحاً.

كل صباح مر عليه شبيه بالصباح الذي سبقه.. يجلس مع أطفاله حول المائدة ينظر إليهم وهم يتناولون طعامهم،ويتجادلون ويختلفون ويحتدون فيما بينهم،ثم يحتكمون له،فهو الأب والحكم..وهو أيضا بمثابة القاضي الذي يحكم بينهم ويحل خلافاتهم الطفولية،وهي بالطبع خلافات على أشياء صغيرة أو غير ذات قيمة ومضحكة،لكنها بالنسبة لهم مهمة. ينطق بحكمه الذي يعجب البعض ولا يعجب البعض الآخر .. ثم يعود لارتشاف قهوته،حين تظهر على محياه ملامح استغرابه من الكمية القليلة المتبقية في قاع الفنجان. لكنه كان يرى فيها إشعارا بان الوقت حان لذهاب الأطفال إلى مدارسهم.

ميمون من محبي القهوة بالحليب،عادة غربية اكتسبها من الإقامة في بلاد أوروبا ، ففي بلاده المشرقية الحليب يصل إلى الدار من دار الجيران، الذين يملكون الأبقار أو الماعز ، وليس كما هي هنا في علب وقوارير وأشكال وأنواع متعددة، تقوم زوجته بغسلها وجمعها في كيس بلاستيكي خاص بالقمامة ، تحمله معها لتودعه مكب النفايات وهي في طريقها إلى العمل.

يخرج الأطفال متجهون نحو مدرستهم التي لا تبعد كثيرا عن المنزل.تهاحمه النسمات الباردة فوراً ، يشعر ببرودة وصقيع الجو عندما يفتح باب المنزل.. يهرولون الى الخارج، يلوح لهم بيده مودعاً، يحس بالبرد الذي حملته النسمات الجليدية وهي تتسرب إلى جميع أنحاء جسمه. حيث تعكس وضع الجو البارد جداً. مما يعني انه يوجد صقيع وزمهرير وجليد،وثلوج بيضاء.

بعد خروج الأطفال وقف في المطبخ يمعن النظر في ميزان درجة الحرارة المعلق على الشباك من خارجه،كانت إشارة الميزان متوقفة عند الدرجة الثالثة تحت الصفر،مما يعني أن درجة حرارة الجو في الخارج ناقص ثلاث. ذكرته درجات الحرارة بابنه الأصغر الذي كان في الأسبوع الفائت يقوم بتعلم فحص ومعرفة فحص وتحديد وكتابة درجات الحرارة.كانت تلك المهمة من واجباته المدرسية لخمسة أيام متتالية،وكان يقوم بكتابة درجات الحرارة بعد التأكد منها على أوراق مدرسية خاصة. وقد كان الطفل الصغير يقف كل يوم صباحا على الكرسي كي يتمكن من رؤية ميزان الحرارة المعلق على الإطار الخارجي لنافذة المطبخ.بعد ذلك يبدأ قراءة الأعداد، واحد اثنان ثلاثة أربع ثم يضيف ناقص أو زائد، فإذا كانت الدرجة فوق الصفر يكتب الرقم بالخط الأحمر،مما يعني إن الجو ليس باردا جدا ، وإذا كانت تحت الصفر يكبته بالخط الأزرق،إشارة إلى قساوته و برودته. أما إذا كانت صفراً فلم يكن الأب يدري ما الذي على الطفل وضعه أي الالوان..لكن من حسن حظ الأب والابن أن درجة الحرارة في تلك الأيام لم تتوقف أبداً عند الصفر.

تذكر صبيحة ذلك اليوم أنه حينما كان تلميذا صغيرا قامت مدرسته برحلة إلى جبل البركة،كان الثلج شيئا عجيبا يراه مع زملائه لأول مرة في حياتهم. يومها لعبوا على الثلج حتى تجمدت أعضائهم من البرد. جلسوا تحت الشجر،التهموا كل ما كان بحوزتهم من سندويشات،وشربوا شايا ساخنا فاحت منه رائحة الميرمية والنعناع.. وقبل ان يقفلوا عائدين لاحظ أن الشجر في منطقة جبل البركة كان واقفا ولم يكن يمشي كما سمع يوما ما في أغنية لمطرب محلي محبوب.اقتنع بأن شجر جبل البركة يبارك الأطفال الصغار ويعيد الدفء لما تجمد من أعضائهم،بعدما رأى ثمار ه وهي تهبط من علٍ لتحط بالقرب منهم،حيث التهموها بشهية.
_________________
 

(شبه قصة)

 

حوار بين الحق والباطل

 



من مجموعة بعنوان : من خزان الذاكرة



سؤال من جندي محتل لطفل تحت الاحتلال :

من أنت ؟

أجاب الطفل بثبات وحزم:

- أنا من لا يعرفني إلا ربعي..

أنا الذي هزني موت رفاقي ، أطفال الحارة والمدرسة..

أنا من الطين ولدت ومن التراب بعث ومع الحجر جئت.

أنا قرين محمد وعلي

وظل فاطمة ، إيمان

وطيف زينب و سارة

أنا لعنة كل طفل قتلتموه بلا ذنب..

أنا وجه الحقيقة أيها المحتل ..

أنا نقيضك الأبدي يا سجاني..

رد الجندي بنبرة عالية :

أجب أيها الفتى بوضوح .. نعم بوضوح أيها الصبي..

قلت لك من أنت؟

أجاب الفتى بثقة استمدها من قوة الحق :

- أنا من قال لك أنك لا تعرفه..

أنا ضوء القمر على قشرة أرضي السليبة..

أنا أشعة الشمس على جبهة الصباح الفلسطيني..

أنا الوردة الفلسطينية المتفتحة وأريجها الذي يعبق بحرية الزمن رغم توقيتكم..

أنا الذي هز عروش استعلائكم، ورد الضربة بالثبات والغارة بالتشبث بالمكان،واستمرار الصمود بالرغم من هول التضحيات..

أنا ضحيتكم ولعنة الزمن التي ستلاحقكم مدى العمر ..

صرخ الجندي الغاضب والمستفز بوجه الطفل الهادئ ،المعتز بأنه جاء من رحم الأرض التي تنجب زعترا ومقاتلين .. و قال بغضب ولؤم وتحدٍ وخبث : قل من أنت أو سأطلق النار عليك .

الفتى : أنا الذي تعلم من الأهل أن الحياة وقفة عز ..

أنا المتمرد، المتذمر،المتمدن والمتحضر والمتجدد...

أنا صرخة المتحدي وقبضة المتصدي وإرادة الشعب الذي يريد الحياة،ويصعد سلم الخروج من القبور إلى القصور..

أنا الذي وهب حياته للشهادة ففي موتي انبعاث من جديد وحياة، وفي موتكم نهاية.. أنا من طلب العيش بكرامة والموت بكرامة... أنا طفل الحجر، من حجارة ارضي المتكلمة بلسان شعبي ارسم طريق الحرية والقيامة.. واخط بدمي القاني كلمات وكتابات تبقى للأجيال خالدة وتصبح مع أفولكم وبزوغ فجرنا حكايات...

أنا الذي يسير على جسر أحلام الملايين المشردة حاملا فكرة لا تطيرها زمرة،وشمعة لا تطفئها شلة،ونبرة لا تخمدها مذلة،وصرخة لا تقمعها قوة محتلة.. أسير متشبثا بقناعة لا تقبل التفتت والتفسخ والتقادم،لأنها تتسلح بالمناعة، مناعة فلسطينية تصد الداء وتعالج العلل، وتتحلى بالصبر وبطول النفس، وتشحذ الهمم وتقاوم عصر الانهزام والمهزومين، بإعادة بناء معسكر المقاومة والصمود عبر الالتحام في ثورة الشعب إلى أن نسترجع البلاد من براثن الاحتلال.

أنا ...

لكن قبل أن يكمل الطفل جملته عاجله الجندي برصاصة قاتلة ..

*كتبت في شباط - فبراير 1983 / بيروت

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

(شبه قصة)

 

أخترق الحصار ، أدخل الحب

 
من خزان الذاكرة حصار بيروت 1982
 

 

سأخرج من الموت لأدخل الحياة من بوابة قلبك، عبر بريق عينيك.. لن أتوقف للحظة واحدة، سوف أتابع مسيري نحوك ومسيرتي نحوها. هي الأرض التي نحب.. هي الأرض التي عشقناها قبل أن نراها، هي فلسطين وأنت بابها.. لن اسمح لنبض قلبي النابض لقلبك بالتوقف بفعل شظية أو رصاصة، سأمتطي الريح حصانا كي أسافر إلى المخيم، سأركب ظهر بقرة بحر سمينة، علها توصلني إلى شاطئ المدينة، سأطير على جناح نورس ليحط بي في عيننا الحلوة..

سألني النورس ونحن فوق الأرض وتحت السماء،عن سر تسمية المخيم بعين الحلوة؟


قلت له : يقال ان نبع ماء أو عين مياه عذبة كانت في المكان.. وأنني يا مؤنسي في سفرتي أذكر منذ صغري وطفولتي ذلك المكان،ولطالما شربت من النبع العذب.. كنا منذ طفولتنا نلهو عند النبع الذي سميناه النبعة، والنبعة تلك هي عين ماء حلوة،حيث كانت تجلس بقربها يوميا فتاة حلوة، باهرة الجمال ، يقول الكبار انه بعد موت الفتاة صارت مياه العين أقل حلاوة، لكن العين بقيت ولم تمت مع الفتاة، بقيت عينا حلوة، ونبعا حلوا وسمي المخيم نسبة لها مخيم عين الحلوة ...

إن هدأت حركة البوارج الحربية في بحرنا الأبيض المتوسط ، الذي صار اسود متخبط بعدما كان بحرنا الأزرق الهادئ.. بعد ذلك سأبحر على متن زورق صغير بلا مجاديف سوى يداي ، سأتركه يمضي بي مع الأمواج جنوبا، جنوبا، حتى يصل لميناء المدينة .. قرب قلعتها الأثرية حيث كنا نلتقي.. وحيث كنا نستريح مع عراقة التاريخ العربي القديم.. هناك كوني بانتظاري.. غير بعيد عن المخيم وقريبا من المدينة.. عند صخرة الفارس العربي الذي كان يحرس البحر من كلابه والمدينة من الغزاة الأجانب.

ترى ستأخذ الطائرات والبوارج فرصة أو قليلا من الراحة عندما اشد رحالي إليك؟ وكم من الوقت يحتاج العاشق حتى يصل إلى حبه.. الدرب قصير حين نقيسه بالأميال ، والمسافة قريبة لكن الخطر شديد.. والمسافة كما الدرب تصبح بعيدة جدا حين تقاس بمقاييس اليوم السابع لسلامة رب الجليل..

الأمواج هادئة لكن البحر مزروع بالحيوانات المعدنية القاتلة.. هي مجازفة، مغامرة سأخوضها حتى النهاية.. ليست المرة الأولى التي أخوض فيها مغامرات قاتلة كهذه.. بطبيعتي ومنذ صغري ونشأتي في أزقة مخيمنا اعتدت على خوض المغامرات، شققت طريقي بساعدي، كنت أقوم بما انوي فعله بالرغم من غضب الوالد.. ألم تصل قدماي إلى عقر دارهم.. هناك حيث ترك صديقي ساقه اليمنى قبل أن يستشهد رفيقنا السوري وقبل ان يترك أخانا العراقي ساقه اليسرى. في تلك البلاد التي تعجن الزعتر والزيتون والعنب والتين مع البرتقال والليمون واللوز والجوز خبزا، رأيت زيتون البلاد وتينها وتفاحها وما تيسر من صور فاكهة أهل الجنة، مازالت الصور حاضرة..

كنت أسير في أودية العفاريت الآدمية والشراك الحربية، كأنني ذئب الجبال الشيشاني أو فرس الجهاد العربي،كأنني من سادة الوديان، سلاحي الشهامة والأيمان والانتماء لذاكرة المكان. أصوات الأنفجارات تصم الآذان ، تعكر صفوي واستفرادي بأفكاري وذكرياتي.. عندما سقطت عمارة العمليات كما سميناها في زمن الجمهوريات الثورية.. عمارة عادية ، بناية من ثمانية طوابق أو أكثر.. كانت تقف في مكان غير بعيدة عن العمارة التي فجرتها أشباح الحرب الأهلية في بلاد الأرز.. تحت أنقاضها دفن العشرات ، وهناك الآلاف ممن دفنوا تحت أنقاض مباني كثيرة مشابهة في الوطن الفينيقي ، الكنعاني ، العربي ، اللبناني ، الذي أراده البعض وطنا صغيرا كما فكرتهم...

كنت أفكر بمدرسة المخيم، بزملائي على مقاعد الدراسة ، بأولاد وبنات الحارة ، بحبيبتي التي كنت أحبها من غير ان تعلم أنني أهيم في عشقها.. بمن كن يحبني ، يهمن في عشقي وأنا مثل حبيبتي التي تجهل هيامي، كنت في غير وارد،جاهل لما يدور في قلوبهن ولما يدور حولي... كنت أفكر بزمن ولدتني ، جهلي، وبما اسميه حبي الثاني بعد أن طار بالزواج التقليدي العربي حبي الأول .. طار كي يستقر، هكذا فسر الكبار في السن عادات أهل الشرق، يطير الحب العذري بالزواج القسري، بإرادة الأهل لا بموافقة القلب..

هزني الدويّ الذي أحدثه انفجار الصواريخ على مقربة مني.. رأيت السيارات تشتعل والمباني الصغيرة تتهاوى كعلب البسكويت ، كالأهرام المشيدة من الورق وعلب الكرتون.. العمارات الضخمة وقفت مثقوبة الجدران المتبقية ، كأنها قطع كبيرة وضخمة من الجبن السويسري.. صارت الأرض التي شهدت الهزة الأرضية بفعل القنابل حفرة كبيرة تتسع لعشرات الجثث.. الجرحى على الطرقات يئنون من موت الرحمة في الحياة.. من جراح واشتعالات وإصابات.. إنها الحرب ما أقذر عفاريتها الكبار وما أتعس جنودها الصغار.

تحضرني الآن بقرة البحر التي حاولت حملي للميناء ، فشقت عباب البحر واحترقت الحصار البري ، ويحضرني طائر النورس الذي طار بي من العاصمة المحترقة إلى المخيم الممسوح بفعل الطيور المعدنية والحيوانات الفولاذية.. بفعل طائرات الظلام. كانت حرية النورس وحركته أقزى من الذين احتلوا السماء من فوق الخلق على الأرض..

ترى من مات بالإضافة لعبد ،حاتم ،شحادة وصاحب المقهى أبو جميل .. آه يا علي فوذة ،اسمح لي ان استعير كلماتك واقوم بتغييرها وفق وجعي : آه من لا يتذكر عين الحلوة .. من ينسى مقهى أبو جميل .... ترى من لم يمت لكنه فقد في الحرب التي لا ترحم أحدا. كلنا ضحايا الخريطة ، ضحايا التخطيط الخارجي.. لا مبادئ لدى القاتل ولا مبادئ لذا الذين يسيسون معركتنا من أجل اشارة نصر مكسورة الأصابع على كف مثقوبة الراحة..

في المعركة على الجندي الغازي ان يقتل كي يقتل و يعيش، وعلى الفدائي المقاوم ان يقاتل كي يحيا وينتصر لا كي يقتل.. في الحرب يموت الإنسان في الجندي الغازي ، يذبل قلبه وتصبح الشمس أقل حرارة من موت الآخرين، الموت الأبيض بقنابله الحارقة .. طفلة بعمر الزهر ، عنقود عنب من جنان الله المعلقة . قتلت بدون ذنب ودفنت على عجل .. كتب على شاهد قبرها بخط عربي واضح الطفلة الشهيدة بسمة عبدالله بسمات..

حملة سلامة الجليل توضح نوايا الغزاة ، تظهرها للعلن ، تبسطها على مد النظر، ولا يتجاهلها سوى عديمي وقصيري النظر.. يجب مسح وشطب الوجود الفلسطيني في لبنان.. يجب إعادة إنشاء لبنان على الطريقة الإسرائيلية وبما يخدم المصالح الصهيونية. يجب ولكن هل سينجحوا في القضاء علينا.. هل هنا سنموت كلنا غرباء عن أمكنتنا، بعيدا عن أزقتنا، في العاصمة.. وماذا نقول لمقبرة المخيم.. للقبور الشاهدة على شهادتنا.. هل ضاقت بنا المقابر ولم تعتد تتسع لنا القبور حتى ندفن في الغربة.. لا سنقاوم ولندفن تحت أنقاض أي مكان ، فما نفع الشاة بعد ذبحها...

ما هذه الكوابيس المرعبة؟ أينتهي كل شيء بهذه السهولة.. أين الصمود والتصدي والرفض والتحدي والأخوة والقومية والميثاق المشترك, أين فرسان القادسية والجاهلية وحطين وأين صلاح الدين؟؟؟ أين أمناء الأمة وسلاحهم وثرواتهم و نفطهم وسخطهم؟؟؟.. لا احد إِلانا في مواجهة الغزو فالعدو أمامنا والبحر وراءنا يا ابن زياد..

هل كلنا مشاريع موت لمرايا نرى فيها وجوهنا شهيدة؟ هل نحن مشاريع تجريبية للموت القادم بقنابل عنقودية أو أقلام حبر ولعب أطفال مفخخة؟ لا يهم ان كنا او اصبحنا شهداء أو قتلى في الملحمة المذبحة .. الهم أين نحن وأين هم من المذبحة ، المجزرة ، الكسارة التي تكسر رؤوسنا، والمطحنة التي تطحن عظامنا.. لا أحد غيرنا في هذه اللعبة التي تكبرنا مئات المرات.

حبيبتي هل هي حية أم أنها ماتت.. حرة أم أسيرة.. جريحة أم معافية ؟؟؟ لا أحد يدري ، لا أحد يعرف أين كانوا أو أين أصبحوا، كل شيء يبدو غريبا، صدامي، ثقيل الوقع .. لم أنتبه لما يدور على الشاطئ .. هناك معركة طاحنة.. طاحونة لحم وعظام، يمتزج فيها الرمل باللحم والدم النازف بالماء المالح.. هناك ضحايا ، هناك قتلى وجرحى.. من بينهم بقرة البحر التي حملتني ، وكذلك النورس الذي طار بي .. هناك دمار وخراب وغبار ورؤية غير واضحة.. حتى ان زوقي الصغير الذي فقدت مجاديفه تم إغراقه بعد أن مزقته الشظايا .

أدخل إلى الحب عاري الجسد ، ممزق البدن، منكسر القلب ، مكسور ومبتور الأعضاء.. كيف أموت وأنا في ريعان العمر.. ولما أموت ولم أتذوق بعد جسد حبيبي.. لم ألمسه ، لم أضع يدي عليه، لم أجرب ريه بماء الحب ودمع الحياة.. لقد عشته دون ان أمسه، ففي مراياه عشت حب عذري زينته العشق.. وظللت بعدما كنت أرتقب الموعد الذي تمنحني فيه حبيبتي عبق جسدها وتضمني إلى صدرها ، تحتضنني ، تقبلني وتؤكد التصاقها بي حبا وانشغال..
لكنها الحرب اللعينة غيرت كل الخطط وأفشلت كافة المشاريع وأطفأت اشتعالنا أللهيبي في لحظة مطر رصاصي ، في يوم قنابل تدميري. ..

تذكرتها حين قدمت لي فنجان القهوة في منزل جدتها ..
- سألتها : كيف حالك ؟
ردت : ماشي الحال ، عايشين من قلّة العرب والموت ..
- ما هي أخبار صديقي ؟
قالت لا أخبار .. منذ أردنا استعادة سلامة الجليل والخليل..
واستدركت فتابعت، لقد انقطعت أخباره منذ التحق بالمجال الخارجي.
كنت أعرفه جيدا لأننا كنا في صف واحد في المدرسة الابتدائية.. ترك هو المدرسة وألتحق بالقواعد منذ الصغر.. كان شبلا صغيرا.. لكنه أكد في المواجهات والمعارك أنه أسد من مخيم ينجب اسودا ومحاربين.. كان مقاتلا مغوارا.

أردت أن أقول لها أنني التقيت به في الجنوب .. في ليلة موت ورصاص وقنابل.. كنا في دورية مشتركة في وادٍ يصل الجنوب في لبنان بشمال البلاد التي نحب.. كانت هناك محاولة إنزال .. لم تتم بفعل يقظتنا.. كان كما عرفته صامتا ، لا يرغب بالحديث ، قليل الكلام ، لا يحب الثرثرة.. لكنه عنيف كنمر ، كاسر كنسر وجريء كما كان دائما..

أحضرت صينية نحاسية ، وعليها فنجاني قهوة وركوة ، كانت قهوتها متوسطة لم تكن حلوة ولم تكن مرة.. انها المرة الأولى التي اشرب فيها القهوة بحضورها .. هذه قهوتي المفضلة ، ترى كيف عرفت أنني أحب القهوة متوسطة ، سكر معقول وهال غير كثير ورغوة زيادة..؟ سكان العاصمة هنا يفضلونها على الريحة .. أي مرّة.. بعد تلك القهوة لم نلتق ..

مرت أسابيع من الغزو ، نحن الآن محاصرون من كل صوب في غرب العاصمة ، البحر خلفنا والموت أمامنا.. السماء لهم والبحر لهم والجبال . ومعهم كافة أنواع النفايات المحلية، عملاء ومأجورين من حولهم ..

الصمت حولنا باستثناء دوي القنابل وهدير الطائرات وأزيز الرصاص واحتراق المدينة ، وبداية التركيز على الصمود والمواجهة والمحافظة على التموين والطعام والماء.. فالطائرات تصطاد طالبي الماء من المدنيين والمحاربين.أصبحت كل هذه الأشياء يوميات نعتاش معها ونعيشها لحظة بلحظة.. تزداد أعداد الموتى والقتلى بشكل كبير ,تتكاثر أعداد الشهداء الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم.. في مخيمنا استشهد أصدقاء وأصحاب وزملاء ورفقاء وأقارب.. في وادي الجرمق قرب قلعة ارنون، استشهد صديقي عبد الستار ومعه رفيقنا أبو علي الحمصي.. المعركة تشتد والحصار يتركز ويشتد أيضا... إما ننتصر ومنا من سيموت واقفاً أو نركع مستسلمين ..

أنا هنا وحبيبي لا أدري أين ..لا أعرف عنه أي شيء .. وأهلي ترى ما هي أخبار أمي وأبي وأخي وأخواتي وكل أقاربي؟؟ لا أخبار في هذا المدى المغلق بالدخان والغبار ورائحة الموت البارودي.. أي خبر، أي خبر .. لا أخبار عنهم ، كل شيء مجهول ، كلنا مجاهيل .. لا خبر ولا علم، ولا احد يدري كيف ستنتهي هذه الحرب وكيف سينتهي هذا الحصار اللعين.


* نشرت في مجلة حيفا لتجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين وفي موقع الصفصاف