استيقظت مبكّراً ، فغسلت وجهي ، ونزلت الدرجات القليلة إلى قاعة الاستقبال . حييت موظف الاستقبال ، ثمّ خرجت إلى الشارع . توقّفت أمام الفندق على الرصيف ، وأدرت نظري في الشوارع المتقطاعة ، وصوب البحر المختفي وراء الأبنيّة المقابلة ، والذي لا يظهر منه شئ إلاّ إذا قطعت الشارع ومشيت قليلاً ، لأراه يتمدد بزرقة باهتة تحت غشاء ضبابي شفيف ، ويندغم في فضاء بعيد .
مشيت بضع خطوات ،ثمّ دخلت الكافتيريا. وضعت إصبعي على الزجاج ، فهمهم مستفسراً باليونانيّة التي لا أعرف منها سوى كلمات قليلة:
مدّ يده في الثلاّجة الزجاجيّة ، وأشار بإصبعه إلى فطيرة التفّاح.
هززت رأسي موافقاً وأنا أنحني على واجهة الزجاج ، ثمّ وقبل أن يلفّها أشرت له بأنني أريد واحدة ثانية .
لفّهما، وناولني اللفّة ، ففردت راحتي بالقطع النقديّة المعدنيّة ومددتها إليه ، فتأملها ثمّ انتقى قطعاً وهزّ رأسه مع شبه ابتسامة ، وكأنه يقول:تمام .
مضيت إلى حديقة (هاينا) التي عرفتها أمس مساءً عندما عدت من قاعة الندوات . دخلت وجلست ، مددت ساقي وتمطيّت متخلّصاً من كسل النوم ، وبعض تعب الأمس.
حضر النادل ، فطلبت منه أن يحضر لي شاياً وماءً...
أمضغ قضمات من الفطيرة متلذذاً ببطء،متأمّلاً ما حولي . فردت دفتري وأخذت في كتابة ما أراه في الحديقة :أشجار ضخمة مختلفة بعضها ينبثق عالياً في الفضاء ، وبعضها يميل من ثقل أغصانه .
حمام يهدل ، يكرج على الحصى المفروش على أرض الحديقة . قطّة تمّط جسدها وهي تتقدّم متسلبدةً ، متهيئةً للانقضاض على الحمامة التي تكرج بسرعة ، ثمّ تطير مرفرفة على علو رغم انخفاضه فإنه يحميها من تربص القطّة ...
رفعت رأسي وأنا أسمع صوتاً ولمسة على كتفي :
_ أهذه لغتكم ؟
_ نعم
أتكتبون من اليمين إلى الشمال ؟
_ نعم ...
هل تقرأ لي ما كتبت ؟
العجوز نحيلة ، وجهها لطيف ، ابتسامة أليفة تضئ وجهها .
قرأت لها بانكليزيتي المتواضعة : في حديقة هاينا ، قطة تلعب مع حمامة ، الحمامة تطير ، والقطّة لا تيأس ، تنتظرها أن تهبط من جديد ..ماذا تقصدان ؟! أمس رأيتهما واليوم أيضاً . قطة وحمامة في حديقة هاينا ، تلعبان رغم أنهما ليستا من جنس واحد ، ما أحلى لعبهماالمسلّي ...
ابتسمت وقالت :
_ أنت عربي ؟
_ كيف عرفت ؟
_ قرأت لكازانتزاكي أن العربي عاشق ...
ربتت على كتفي ، ابتعدت بخطى بطيئة متثاقلة . جلست مسندة يدها على الطاولة ، مركّزةً نظراتها على باب الحديقة .
جلست صامتة ، في وجهها وحركة جسمها وهيئتها انتظار ..
من البوّابة دخل رجل بدين ، في يده اليمنى كيس ، وفي اليسرى مجلّة ...
نهضت لاستقباله ، اقترب وأخذها بين يديه هي الضئيلة الجسد ، وجلسا يحكيان معاً في نفس الوقت .
نظر صوبي ورفع يده محيياً فأحنيت رأسي وقلت له :
_ good morning
رّد بوّد :
_ good morning
أخرج ما في الكيس ، مدّ لها يده بقطعة كرواسا . كان يحكي وهي تأكل وتضحك بفرح ، يبدو أنهما لم يلتقيا منذ الأمس ، وربّما قبل الأمس ..من يدري ؟!
تساءلت : ألا يعيشان معاً ؟ أهمها عاشقان قديمان ؟!
رفرفت الحمامة وارتفعت بضربات جناحيها ، والقّط أخذ هيئة النمر ، وانسيابيّة حركته ، وأنا واصلت الكتابة من اليمين إلى اليسار ، عن أشياء في حديقة مدينة (هاينا) ، في جزيرة كريت اليونانيّة ..
العجوز نهض واتجه صوبي ، مدّ يده الكبيرة ، ولفظ اسمه :
_ سقراطوس ..
أنا أجبته وأنا أقف :
_ رشادس ...
ضحك لأنه عرف أن الإس ليست من اسمي ، وطلب أن يرى كيف أكتب من اليمين إلى الشمال ، ففتحت دفتري وكتبت تحت نظراته المندهشة كلاماً عن رجل يوناني بدين في حديقة هاينا ، التقى بصديقته التي أخبرته عن العربي الذي يكتب من اليمين إلى الشمال ، وهو يشرب الشاي ويأكل فطيرتي تفّاح ، ويراقب قطّة وحمامة .
هزّ رأسه وهو يقول :
_ عجيب أمر البشر ،إنهم يتكلّمون لغات كثيرة ، يكتبونها من اليسار إلى اليمين ، ومن اليمين إلى اليسار ..
_ ولا تنس يا سيّد سقراطوس أن هناك من يكتب لغته من فوق إلى تحت ...
_ من يفعل هذا ؟
_ الصينيّون يا سيّد سقراطوس ...
_ آه الصينيّون ..أنا لم أر صينيّاً في حياتي ، سوى في السينما ...
وضحك حتّى اهتّز جسده .
ربت على كتفي ، ومضى إلى عجوزه التي نادته :
_ يكفي يا سقراطوس ، لقد أزعجت العربي ...
أمّا العربي الذي هو أنا فقد أخذ يخربش كلمات لا صلة بينها ، ثمّ انهمك في رسم امرأة ورجل حول طاولة خضراء ، يجلسان تحت شجرة وارفة ، و..حمامة تعلو فوق رأس قّط ، ورأسها يميل إلى الأسفل كأنها تتدلل على القّط غير خائفة منه ، بينما هو ينظر إليها نظرة رجاء أن تهبط إليه لأن عنقه توجعه من شدّة لويه لها .
السيّد سقراطوس البدين ، نهض واتجه صوبي بهدوء ، بوجه مرح ، ومدّ يده بقطعة كرواسا ، دون أن ينطق بكلمة تكتب من اليمين أو اليسار...
* من المجموعة القصصيّة( سفر العاشق) التي ستصدر قريباً عن المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر _ بيروت .