إيران على الحافة ... جورج جالاوي

 جورج جالاوي *

أخذته العزة بالإثم، وسرعان ما تلبست قائد سفينة صاحبة الجلالة “كورنوول” عفو الخاطر ومن دون قصد روح المستعمر وعقلية الاحتلال الامبريالية فباح بمكنون قناعته وتبجح قائلاً: إن البحارة أسروا في “مياهنا”، وكان يعني بذلك مياه العراق الاقليمية المحددة بمقتضى القانون الدولي ومعاهداته.

وما لبث ان أثار اعتقال القوات الايرانية لخمسة عشر بحاراً بريطانياً في الخليج ضجة اعلامية وصحافية كبرى فطفحت الجرائد بعناوين رئيسية حادة اللهجة ضاربة في هجمتها تدق طبول الحرب الأسبوع الماضي، وانطلقت الدعوات تحرض على إنزال أقصى العقوبات جزاء على هذه الفعلة.

وكانت حركة مناهضة للحرب قد قامت بعمل جليل رائع في حشدها لأغلبية تبلورت ملامحها وبرزت هويتها، نهضت لتناوئ الحرب وغزو واحتلال العراق.

إلا أنه لا ينبغي للمرء ان يتوهم أنه بسبب هيمنة قضية مناهضة “الحرب على الارهاب” واشتداد عودها وتعالي أصواتها فإنه لن تستطيع أي حكومة بريطانية أن تحشد الدعم لخوض غمار مغامرة عسكرية خائبة أخرى.

وتنطوي في ثنايا حادثة أسر البحارة البريطانيين كل امارات ومواصفات ذلك الصنف من الحوادث الذي لطالما سخِّر في الماضي ليكون الذريعة إما لشن حرب أو لتصعيد المواجهة.

ففي عام 1949 أطلقت النار على بارجة صاحبة الجلالة الحربية “اميثيست” وهي تبحر في مياه نهر يانفتسي. وتفجر على الفور بركان السخط في بريطانيا على جيش ماو الشعبي للتحرير الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الاستيلاء على السلطة، لإطلاقه النار على السفينة. وصمتت يومها الأغلبية الساحقة من الاعلاميين والصحافيين الغربيين فلم تطرح السؤال الوجيه الذي كان يجب أن يطرح: ما الذي كانت تفعله سفينة حربية بريطانية تتهادى فوق مياه نهر صيني؟

وثار جدل عريض بشأن ما إذا كان البحارة البريطانيون قد اعتقلوا في المياه الايرانية أو العراقية. إلا أن ما لم يطرح للنقاش هو مسألة ان بريطانيا انضمت إلى الولايات المتحدة في حملة إغراق الخليج بأساطيل البوارج الحربية وحاملات الطائرات التي تسد الأفق لكثرتها، في حين تشدد الضغط على إيران وتهددها.

وأوردت مصادر أمريكية موثوقة تقارير عن تسلل قوات خاصة شرعت بالقيام بالمهام الموكلة إليها في إيران. وكان تحالف “أوقفوا الحرب” محقاً في تشبثه بموقفه من أن احتلال العراق يهدد بإشعال حرب اقليمية أوسع وأخطر.

واضافة إلى النقاش الذي يطرح نفسه على الفور والذي يذهب إلى أن هذه الحادثة لا تستحق اراقة المزيد من الدماء وايقاد نار حرب جديدة، فإن من المهم جداً تحدي هذا التضليل الامبريالي وتبديد هذا الوهم الاستعماري.

ويكمن جزء من هذه المساعي في طرح السؤال الواضح: تخيل مثلاً ان إيران احتلت فرنسا، وجردت حملة من عشرات السفن الحربية قذفت بها إلى القنال الانجليزي وأنه تسربت تقارير مؤكدة عن أن هناك فرق كوماندوز تعمل سراً داخل مقاطعات الوطن، وأن ايران تضغط لفرض عقوبات ومحاصرة بريطانيا، فكيف ستكون ردة فعل الرأي العام والاعلام والصحافة والحكومة البريطانية؟

فما الذي يجعل أي امرئ يذهب إلى الرأي القائل: إن الحالة الإيرانية مختلفة؟

وثانياً: وفيما يجهد أساطين الدعاية لتزيين “الحرب على الارهاب” من وراء غلالة من المشاعر الانسانية الزائفة، ينبغي أن تواصل تلك الدائرة اتساعها ويجب أن يزداد عدد الناس الذين يجهرون برأيهم ويصدعون بالحق ويهتفوا مناصرين للمبادئ التي قامت عليها حركة مناهضة الحرب.

وليس من شأن الحكومات الغربية والشركات الكبرى التي تدعمها والوالغة في دماء مئات الملايين من الناس والتي تستغل كرمهم وعرقهم في جميع أنحاء العالم، ليس من شأن هؤلاء الجناة الظلمة أن يجلبوا “النظام” إلى “الأقوام المتوحشة” و”الشعوب الهمجية”.

إنها رسالة وعمل “أولئك النفر منا الذين يعيشون في كنف هذه الدول الامبريالية أن يقوموا بكل ما يمكنهم القيام به لوقف هذا السعار المجنون نحو التسلح وعسكرة الشعوب والدول وأن يتضامنوا مع كل هؤلاء في جميع أرجاء العالم الذين يناضلون من أجل عالم أفضل”.

ويقع على عاتقنا جميعاً عبء معارضة هذا الهوس الجامح الذي يدفع إلى شن الحرب على إيران، فهل بوسعك فتح حوار بهذا الشأن في مكان عملك، أو في الجامعة حيث تدرس، أو الترتيب لمنتدى أو مؤتمر أو لقاء لإيقاف زحف شبح الحرب، وماذا لو بعثت برسالة إلى الصحف المحلية، أو وزعت التماساً في الشوارع أو شاركت في تظاهرات مناهضة للحرب.

وكما وافقتنا الرأي “جمعية الشعب” أو التجمع الشعبي في لندن الأسبوع الماضي، فإنه إذا جرى شن هجوم على إيران فسوف تمس الحاجة إلى لجوء المجتمعات قاطبة إلى العصيان المدني، وإلى مسيرات حاشدة يقوم بها طلاب المدارس، واحتجاجات واضرابات في كل موقع عمل.

فإذا ما شن جورج بوش هجومه وقصف إيران بالقنابل فينبغي أن نسعى لشل هذا البلد ووقف الحركة فيه عسى أن يثوب قادته إلى رشدهم.

وأخيراً فإنني أناشد جميع الأمراء في هذا العالم ان يطرحوا هذا السؤال في كل ناد وواد: ما الذي تفعله البوارج الحربية والأساطيل البريطانية في المياه العراقية أو الايرانية في الخليج العربي أو الفارسي على مبعدة آلاف الأميال عن بريطانيا؟ 

* نائب في البرلمان البريطاني

** الخليج الاماراتية