رشاد
أبوشاور
|
المزوّرون! 16/05/2007 |
|
وصلتني دعوة من اللجنة الراعية لمؤتمر حقّ العودة، وعليها تواقيع: د. سلمان
أبوستة، د. حيدر عبد الشافي، الأستاذ شفيق الحوت، الأستاذ بلال الحسن، د.
نصير عاروري.. وبتوقيع الدكتور أنيس فوزي قاسم أستاذ القانون الدولي،
والمستشار القانوني لوفد منظمة التحرير الفلسطينيّة في مؤتمر مدريد. |
أبوجلدة والعرميط سيرة بطلين شعبيين
*القدس العربي 02/05/2007
أبوجلدة والعرميط
ياما كسّروا برانيط
أبوجلدة والعرميط بطلان شعبيان فلسطينيّان، قاوما الإنكليز، ومع من
التحقوا بهما من فلاّحي فلسطين، أوقعوا بقوّات الاحتلال البريطانيّة
الانتدابيّة خسائر فادحة.
لهما غنّت النسوة في الأعراس، وارتجل المنشدون الشعبيون الأهازيج، وسرت
سيرتهما في كّل فلسطين، حتي باتا شخصيتين خارقتين بأعمال حدثت، يبالغ
بها أحياناً.
الانتداب البريطاني حاول تشويههما، وصوّرهما كقاطعي طريق شقيين، وألصق
بهما أعمالاً لا تنسجم مع شهامتهما، وأخلاقهما التي ورثاها من أسرتيهما
الفلاّحيتين، ومن تدينهما الفطري، ومن تأثرهما بدعوة الشيخ عزّ الدين
القسّام الذي سمعاه يخطب في مسجد الاستقلال بحيفا.
فيزيائيّاً كانا شبيهي دون كيخوت وسانشو، فهما واحد نحيل قصير، وصاحبه
الذي يمكن وصفه بتابعه، ضخم وطويل و..يثق بمعلمه وقائده ويسلّم له
أمره.
كان اسم أبوجلدة مثار رعب لجنود الإنكليز، وكبار جنرالاتهم، وللتابعين
محليّاً لهم، فهو يضرب ويختفي، ولا يترك أثراً، ولذلك زرعت عيون
لمتابعته، فالعسس والمخبرون وجدوا في كل زمان ومكان، وأجّروا أنفسهم
للمحتلين، والأعداء، ولكّل من يدفع لهم..هؤلاء كرههم هو وصاحبه،
وترصدوهم، وسددوا لهم ضربات قاصمة، لجعلهم عبراً يعتبر بها غيرهم من
عديمي الضمائر، ولمضاعفة ثقة الناس بهذين البطلين، وما يمثلانه.
وأنا صغير سمعت بقايا ذكر لهما، ثمّ بهت حضورهما وشحب في الذاكرة
الجمعية الفلسطينيّة، فهما لم يكونا من أبناء العوائل الكبيرة، ولم
يتركا مذكراتهما، ولم يكتب عنهما سوي كلام عابر كبطلين شعبيين متواضعي
الوعي والأهميّة.
من جديد أحياهما كاتب، وقاص، وصاحب تجربة عريضة هو: نجاتي صدقي، في
مذكراته التي استخرجها من عتمة النسيان الأستاذ الشاعر حنا أبوحنا،
وصدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة في بيروت عام 2001.
في السجن التقاهما نجاتي صدقي، فانظر كيف يصفهما بكلام قليل، ينصفهما،
ويمسح عن سيرتهما بعض ما لحق بها من تشويه متعمّد من حكّام فلسطين
الإنكليز المتصهينين: تعرفنا في السجن إلي رجلين أشغلا حكومة الانتداب
مدة طويلة في حرب العصابات، وهما أبوجلدة والعرميط...
لقد ألّف هذان الفلاّحان عصابة لمحاربة الدولة المنتدبة، مثل كثير من
العصابات المنتشرة في البلاد، والمؤلفة غالباً من الفلاحين الذين باتوا
بلا أرض أو عمل.
لقد برز هذا الثائران إثر ثورة 1930، وألّفا عصابة اتخذت من الجبال
مجالاً لأعمالها، واصطدمت مع القوات البريطانيّة في غير معركة، وقد
أراد زعيمها أبوجلدة، وهو رجل نحيل الجسم، قصير القامة، أن يبعد عنه
وعن رجاله تهمة الشقاوة، فارتدي لباساً عسكريّاً، وقد زيّن كتفيه
بسيفين وثلاثة نجوم، وجّر سيفاً صقيلاً طويلا له يد مذهّبة.
وماذا عن العرميط الصديق والتابع المخلص الأمين لأبي جلدة ؟!
يصفه نجاتي صدقي كما عرفه في السجن: رجل قوي البنية، شديد البأس، عيّنه
أبوجلدة نائباً له مطلق الصلاحيات.
نصف صفحة من مذكرات نجاتي صدقي حفظت ذكر ومواصفات هذين البطلين
الشعبيين، لكن...
لكن الشاعر الكبير هارون هاشم رشيد، رأي أن يعيد هذين البطلين إلي
الحياة بعد أن ماتا وشبعا موتاً في عمل أدبي ينصفهما ويصون ذكرهما
للأجيال، فألّف عنهما كتاباً عنوانه أبو جلدة والعرميط وتحت العنوان
بخّط ناعم: ياما كسّرا برانيط، وبخّط عمودي نقرأ كلماته من فوق لتحت:
حكاية حقيقيّة من بطولات المقاومة الشعبيّة الفلسطينيّة. (صدر عن دار
مجدلاوي في عمّان).
أمّا البرانيط فهي جمع برنيطة، وهي غطاء الرأس الذي كان يستعمله الجنود
البريطانيون، وتكسير البرانيط هو كناية عن تكسير الرؤوس، وهذا العنوان
هو مطلع أهزوجة شعبيّة فلسطينيّة سادت في الثلاثينات، وتناقلتها أجيال
الأجداد والآباء، وبهتت أصداؤها، وها هوذا صاحب (سنرجع يوماً إلي
حيّنا) التي شدت بها الفنّانة الكبيرة فيروز، يعيدها للذاكرة، فكفاح
عرب فلسطين لم ينقطع علي مدي القرن العشرين وهو مفتوح علي عقود هذا
القرن الحادي والعشرين، حتي يعود الفلسطينيون إلي وطنهم، وتعود فلسطين
لأهلها الأوفياء الصابرين المتشبثين بحقّهم.
يصف هارون كتابه بالحكاية، وينأي بنفسه عن وصف ما يكتبه بالرواية، لأنه
معني بتدوين نّص أدبي دون تصنيف محدد، يحفظ فصلاً من فصول نضال الشعب
الفسطيني، ويعيد ذكري نفر من أبطاله، أولئك الذين لم يتيسر لهم كتابة
تجاربهم، وتقديم شهاداتهم.
أبوجلدة الذي فرّ من خدمة الدولة العثمانيّة، يبدو بالفطرة عاشقاً
للحريّة، وقمم الجبال، ناقماً علي الظلم. اسمه أحمد المحمود من قرية
(طمّون)، وهي من قري نابلس. اشتغل في ميناء حيفا عتّالاً، وهناك تعرّف
بأوفي صحبه، ومنهم اختار رجاله للثورة علي الانتداب البريطاني الذي ما
أن هيمن علي فلسطين حتي بدأت عمليات تسريب اليهود إلي فلسطين تتزايد
باطراد، بالترافق مع تسريب الأرض لهم، وتدمير حياة الفلاحين
الفلسطينيين بالضرائب الباهظة.
تعرّف أبوجلدة بالرجل المتعلّم المثقّف سليمان العامري وتأثّر به،
واستمع لخطب الشيخ عز الدين القسّام في مسجد الاستقلال، وعايش مأساة
أهالي قري مرج بن عامر والأرض التي باعها إقطاعيون من خارج فلسطين،
وطرد منها سكّانها، فحقد علي السماسرة، وعلي الصهاينة، وازداد كرهه
للإنكليز أصل البلاء في كّل ما يصيب أهالي فلسطين، وبخّاصة الفلاحين.
لم ترحم عصابة (أبوجلدة) الفلسطينيين الذين اثروا في العهد العثماني،
والذين أرهقوا الفلاّحين حتي عجزوا عن سداد ديونهم واضطرّوهم للتنازل
عن أرضهم.
هؤلاء وضعهم أبوجلدة ورجاله في صّف الإنكليز والصهاينة، ووجهوا لهم
ضربات قاسية في منطقة (جنين) خّاصةً، ووصلوا إلي ممتلكاتهم، وإليهم
شخصيّاً، رغم حماية مستر طومسون رئيس شرطة جنين لهم.
الشاعر الكبير هارون هاشم رشيد ذكّر في هذا العمل الأدبي الحكائي السلس
والممتع، القريب من القّص الشفوي، بالمعارك التي خاضتها عصابة
(أبوجلدة)، ودهاء الرجل في التخطيط للكمائن المباغتة للقوات
البريطانية.
الإنكليز أطلقوا اسم (طريق الحراميّة)، علي طريق حيفا مرج بن عامر،
الذي اختاره أبوجلدة لنشاطه ورجاله، مستغلاًّ منعة جبال المنطقة
بكهوفها ومغاورها، وباغت القوّات البريطانية بالكمائن واستولي علي بعض
أسلحتها...
الحرامية هم أصحاب البلاد الذين يثورون لنيل حريّتهم، وطرد محتليهم
القادمين من وراء البحار، الذين يمنعون المتسربين اليهود الذين
تستجلبهم الحركة الصهيونيّة بالتواطؤ مع الانتداب البريطاني ليحتلّوا
بلاداً ليست لهم!
هؤلاء حراميّة وعصاة وأشقياء !و..من يقاومون اليوم هم إرهابيون !..هذا
هو منطق بريطانيا الاستعمارية، وأمريكا الإمبرياليّة، وكلتاهما سبب
مصائب فلسطين وشعبها..وهذا ما لا يجب أن يغيب عنا كعرب.
في مذكرات نجاتي صدقي، يخبرنا أن (العرميط) طلب من أمّه أن تحضر معها
خنجراً في الزيارة القادمة لأنه سيضعه معه في قبره، وسيذبح به الخائن
الذي وشي به !
وفي خاتمة الحكاية كما رواها الأستاذ هارون، مشهد شنق البطل أبوجلدة
الذي تقدّم إلي حبل المشنقة غير هيّاب ولا وجل...
وتكون آخر كلماته: بخاطركم يا شباب.. فلسطين أمانة في أعناقكم..إيّاكم
أن تفرطوا في حبّة رمل من أرض فلسطين...
وحتي لا يكون هناك تفريط، ولا تنسي الذاكرة، كتب الشاعر هارون هاشم
رشيد الحكاية، بالضبط في هذا الوقت الذي تشتّد فيه المؤامرات علي
مقاومة عرب فلسطين، وعلي حّق العودة إلي فلسطين...
عزمي بشارة: لست وحدك
رشاد
أبوشاور
18/04/2007
عزمي بشارة، المفكّر، الأكاديمي، الروائي، عربي فلسطيني من فلسطينيي
الـ48، الذين رموا بوصف قبيح علي مدي سنوات: (عرب إسرائيل)، رغم صبرهم
وصمودهم...
هو حاليّاً عنوان بارز في الصحف العربيّة، ومواقع الانترنت، وموضوع
لمقالات، وبيانات تضامنية، وإشاعات تحاول النيل منه، فهو مستهدف جديّاً
من أجهزة أمن العدو، وهو في واقع الحال عنوان لقضيّة، قضيّة شديدة
الوضوح وغامضة أمنياً، غموضاً مقصوداً لتسهيل تلفيق تهم تكفل (تدمير)
عزمي بشارة، وإخراس صوته...
قضية بشارة شديدة الوضوح، فهوعربي ـ هو يصّر في كل لقاءاته علي انتمائه
العربي غير العنصري، الديمقراطي نهجاً وممارسة، المعادي للفاشية وكّل
مستنسخاتها، وسلالاتها المعاصرة ـ فلسطيني، يعيش علي أرض وطنه الذي ولد
علي ثراه ولم يستجلب من المجر، أو أمريكا، أو أثيوبيا، أو روسيا أو..،
ليمنح المواطنة وهو في المطار، في (دولة) بلا دستورعن سابق عمد وإصرار،
حتي لا تفضح هويتها المغلقة الدينيّة الأصوليّة العنصريّة.
في (دولة) اللادستور يدور الصراع بين (أقليّة) عربيّة فلسطينيّة كانت
أكثرية ساحقة في زمن غير بعيد، وأكثرية جلبت من شتّي بقاع العالم
لتحتّل بيوتاً ليست لها، وحقولاً لم تزرعها، وأرضاً لم تحرثها،
وصبّاراً وتينا، وزيتوناً يتلذذون باقتلاعه...
قبل عزمي بشارة وقع كثير من عرب فلسطين في قبضة الجهات (الأمنية)
للاحتلال. علي سبيل المثال، قادة وكوادر حركة الأرض: منصور كردوش، صالح
برانسي، وغيرهما لوحق كثيرون، وتمّت مساومة بعضهم علي حياته إذا لم
يرحل، فرحّل بترانسفير شخصي، وكما كل عربي صالح هو الميّت فكّل عربي
فلسطيني مرشّح للترحيل والتهجيج عن أرضه.
الحّق أن بعض من رحّلوا لم يصمتوا، بل واصلوا مسيرتهم النضالية،
وتشبّثوا بفلسطين الوطن والحّق الذي تتوارثه الأجيال منذ ألوف السنين،
وحملوا صوت أهلهم في الداخل، وكتبوا وفضحوا ممارسات هذا العدو...
في سياق الحرب المعلنة، التي لم تتوقّف علي أهلنا الذين بقوا في فلسطين
رغم الاحتلال عام 48، وهول صدمة ضياع البلاد، وتشرّد الأهل، تندرج
(قضيّة) عزمي بشارة.
قضية! نعم، فهي ليست قضيته وحده، ولأنها كذلك، ولأنه شخصيّاً أرادها
قضيّةً للعرب الفلسطينيين، فالمطاردة تلاحقه منذ سنوات وتضيّق عليه
الخناق، والهدف توجيه ضربة للفلسطينيين، والحقوق التي يطالبون بها،
وبّث الخوف في صفوفهم، وجعله عبرة لغيره كما يتوهمون.
شعار دولة لكّل مواطنيها الذي طرحه بشاره مع إخوانه في التجمّع يستثير
الصهاينة: أجهزة أمن، قيادة جيش، ساسة، رجال دين، صحافيون يلعبون دور
الكلاب البوليسيّة التي تبّز كلاب سجن أبوغريب، بأقلامهم المدرّبة علي
تشمم رائحة (العربي) وملاحقة أفكاره، والنباح عليه بكلمات طافحة
بالعنصريّة والحقد..
واحد منهم كتب في يديعوت أحرونوت تحت عنوان (إلي متي سنترك بشارة يصول
ويجول؟!): وتجربة الماضي تشير إلي أن أتباع التيّار الراديكالي مثل
قادة حركة (الأرض) قد انزلقوا بالفعل إلي الهاوية، وانتقلوا من الأقوال
إلي الأفعال، وهم ليسوا وحدهم في ذلك، وحتي لا يحدث هذا الأمر مرّةً
أخري يتوجّب وضع حّد لبشارة...
هذا واحد منهم يكتب في الصحيفة الأكثر انتشاراً في (الدولة)
الديمقراطيّة (الوحيدة) في الشرق الأوسط! (ترجمة الدستور الأردنيّة 16
نيسان ـ ابريل الجاري).
في الستينات التي يشير إليها الصحافي العنصري الأمني، زجّ بالأستاذ
صالح برانسي في السجن لمدّة عشرة أعوام تقريباً بتهمة الاتصال مع
المخربين.. يعني الفدائيين!
شولاميت الوني حذّرت بشارة من (الملّف الامني)، فأجهزتهم الأمنيّة
قادرة ببساطة علي تلفيق ملّف مكتّظ بالأكاذيب، غير قابل للكشف لأسباب
أمنيّة، والقضاء عندهم جاهز لتنفيذ الحكم وفقا للملّف!...
من قبل، في الستينات، وجهوا ضربات لقادة حركة الأرض، ولما تمثّله
الحركة التي برزت في الحقبة الناصريّة، ورفضت المشاركة في (الكنيست)،
وطرحت في صلب مهامها: الانتماء العربي، والتشبّث بالأرض، وحماية
المجتمع الفلسطيني من التشويه، وعدم الاعتراف بالأمر الواقع الزائل
حتماً.
وكما تعرّضت حركة الأرض للضربات التي سهّل نفاذها بسبب اندحار المشروع
القومي العربي، فإن الكيان الذي هو في حالة حرب مستمرّة علي الشعب
الفلسطيني، يستهدف حاليّاً الحركة الإسلاميّة الفلسطينيّة، ورموزها
الذين في مقدمتهم الشيخ رائد صلاح، ويزّج بهم في السجن، وقد بدأ هذه
الحملة منذ الانتفاضة الأولي، عقاباً لهم علي الدور المشرّف الداعم
للأهل في الضفّة وغزة : دعم تمويني، رعاية أيتام، استنفار دائم للدفاع
عن الأقصي...
ولأن المشروع الصهيوني يقوم علي نفي الفلسطيني، ويعمل علي تدمير هويته،
فإن كل حالة استيقاظ تشكّل له قلقاً، وتستفزّه، هو المستنفر طيلة الوقت
ما دام هناك طفل فلسطيني يولد، وترضعه أمّه حليب الانتماء لفلسطين،
والنمو وفي الروح إرادة علي تحرير الأرض.
الهجمة علي عزمي بشارة هي جزء من الحرب التي لم تتوقّف علي الشعب
الفلسطيني، لا تحت الاحتلال في الـ48، ولا في الضفّة والقطاع، ولا في
الشتات والمنافي.
لنتأمّل ما يجري علي أرض فلسطين: في النقب لم تتوقّف محاولات ترحيل
القبائل العربيّة الفلسطينيّة من أرضها، وها هي الحملة تشتّد، فآخر ما
سمعته وقرأته أن (جيش) الاحتلال يريد إنشاء معسكرات وسيصادر الأرض، هذا
بعد فشل محاولات إغراء أهلنا بتبديل أرضهم ومراعيهم وقراهم غير المعترف
بها منذ تأسيس (الدولة)، بأرض نائية بالكاد تكفي لبناء بيوت لسكنهم،
وهو ما يعني حرمانهم من ثروتهم الحيوانيّة التي يعتاشون منها، بما
سيجرّه هذا عليهم من فقر وضيق عيش.
قضيّة عزمي بشارة جاءت بعد تصريحات رئيس الشاباك يوفال ديكسن، التي
حذّر فيها من خطر العرب في الداخل علي (إسرائيل)!
الكيان الصهيوني جعل من الجندي شاليط الذي أسر وهو بكامل سلاحه
الميداني، قضيّة يتحدّث فيها قادة الدول من أمريكا إلي أوربة.
عزمي بشارة هو عنوان لقضيّة حقيقيّة، كما صالح برانسي من قبل، وكما
الشيخ رائد صلاح، وكما كل مناضل جماهيري ميداني سخّر حياته لوطنه
وشعبه. لهذا لا بدّ أن يكون الشعار:عزمي بشارة لست وحدك.. وهو شعار لن
يكون وقفاً علي بشارة، فهو تجسّد في التفاف جماهيرنا في الداخل حول
الشيخ رائد وإخوانه عندما اعتقلوا...
هذا الشعار يعني: لن نسمح لهم بأن يفترسوك، فأنت تفضح الآن عنصريتهم،
وبوليسيّة كيانهم...
لا مجال الآن لاستذكار الخلافات، والتباينات، بينما الحرب ـ نعم الحرب
ـ بكافة أشكالها تلاحقنا، وتحيط بنا، تلتهم أرضنا، وتحيل حياتنا إلي
جحيم...
ليجتهد عزمي بشارة وإخوانه في إدارة المعركة، ونحن الفلسطينيين حيثما
كنّا، في الوطن، أو الشتات علينا مسؤولية وطنية تدفعنا لفعل كل ما
نستطيع، فعزمي بشارة ليس مستهدفا بشخصه، ولكن بما يمثّله، فهو عربي
فلسطيني، وهو مفكّر، وهو سياسي، وهو صاحب شعار خطر: دولة كل مواطنيها
في حرب، وإن كان لا يعجب بعضنا، فهو يربك (الدولة) التي ما زالت بلا
دستور؟ وبلا حدود معروفة، والتي تريد أن تكون دولة يهوديّة (صافية)!
(الدولة) التي لم تستقر منذ تأسيسها، دولة الحرب المستمرّة علي كل
الجبهات، يخيفها أن تظهر حركات سياسيّة فلسطينيّة، تتصدّي لنهب الأرض،
ومسخ الشخصيّة، وتغريب الفلسطيني في أرضه.
عدونا يخوض حربه معنا بالقطعة. يجزّئنا لتسهيل التهامنا أرضاً، وتفتيت
قوانا البشريّة، فنحن ضفّة، وعرب 48، وقطاع، ومدن وقري، وأفراد...
حتي نفشل خطط هذا العدو العنصري المفترس ينبغي أن نخوض معاركنا بأقصي
طاقاتنا، وعلي كّل الصعد...
عزمي بشارة لست وحدك!.. إنهم لا يستهدفونك وحدك، هم يتربصون بك منذ
سنين ولذا: يجب أن تدار المعركة ببراعة، بحيث يكسب شعبنا، وتفتضح
عنصرية عدونا أكثر...
* القدس العربي
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
رشاد أبوشاور
يمشي على رؤوس أصابعه،سواء أكان ينتعل صندلاً في الصيف،أو حذاءً ثقيلاً في الشتاء ... هو من إحدى قرى رام الله . مرّةً يدّعي إنه من ( بيت ريما )،ومرّةً يقول بأنه من ( دير غسّانه) ،ومرّةً من ( ابوجخيدم) ،وهو في كل حال كما يرّد متبرّماً على إلحاح سائله:من دنيا الله يا أخي، فّك عنّي وخلّصني من السؤال عن أصلي وفصلي. أنا أصلي وفصلي هذا ،أرغولي،ثمّ ينفخ في قصبتي الأرغول مدلّلاً على قوله...
يعيش أبوعبد الله على كرم الأجاويد،فهو لا يفاصل على إحياء ليالي الأعراس.أبوعبد الله لا حرفة له، فهو لا يزرع أرض أبيه التي أورثه إيّاها. لم يشاهد زارعاً أو حاصداً.هو على باب الله، يزهو في الصيف مع موسم الحصاد والأعراس،وعيشته مستورة فهو لا يتذمّر،ولا يطلب فوق ما يجود به الخيّرون لقاء إحيائه ليالي الأفراح التي يشيع فيها البهجة بأرغوله .
طويل القامة،عريض المنكبين،رأسه ضخم،يبدو مدوّراً عندما يخلع كوفيته. لغداه ينتفخان بالهواء حين يبدأ العزف، ووجهه يتكوّر ويحمّرحتى يصير كالشمندرة الحمراء.
يردّد مع بدء السهرة مستفّزاً حميّة الدبيّكة:
_ أنا أدوّخ الدبيّكة الشباب ولا أتعب ...
عند انعقاد حلقة الدبكة يحمّي بأنغام مديدة كأنما ينادي على ناس بعيدين، يريدهم أن يسمعوا، ويهرعوا للسهر والانبساط،بالأنغام التي ترقّص الحجر، كمايردّد محبّوه إعجاباً وثناءً على عزفه .
يندمج مع المغنّي الذي يدور حوله،والدبيّكة الذين يكرجون بطيئاً،ثمّ يتحمسّون فيطيرون عالياً مستجيبين للويح يتقافز بخفّة الحمامة،يرعّش جسده كلّه كأن به مسّاً، وهو يدوّر منديله الخرزي وقد أمسك به برشاقة بين الشاهد والإبهام، في تناغم بين الجسد الليّن والمنديل المرفرف .
ما أن أطّل أبوعبد الله الحجل ، ولحظته قريبات العريس،حتى لعلعت الزغاريد، وانتشرت البهجة ، فالعرس سيبدأ في هذه الليلة الصيفيّة المقمرة، في ( العبيدية) التي يفصلها عن القدس وادي النار...
من يقف على طرف البلدة يخيّل إليه أنه يستطيع ملامسة قبّة الصخرة، فالقبّة والقرية على مستوى واحد، والنظرة الأفقيّة تبدي المسافة قريبةً عكس الطريق المتعرّج الخطر في الوادي ...
مدّ الفراش وتجعّص الضيوف وأقارب العريس من كبار السّن،وقد جعلوا وجوههم صوب قبّة الصخرة وسور القدس وبيوتها، ثمّ صلوا العشاء جماعة،ومن بعّد دارت أكواب الشاي المطيّب بالقرفة، في حين تحرقص الشباب متلهفين على بدء السهرة...
قال اللويح خليل الورد مخاطباً الحجل:
_ الليلة للفجر على نفس واحد يا عجوز ...
أخرج أبوعبد الله أرغوله،ونفخ أنغاماً قصيرة ، مدوزناً نفسه وأرغوله، ثمّ أخرج مبسمي الأرغول من فمه :
_ الليلة للصبح يا ولد ! ..أنا الحجل، لقبّوني الحجل لأني أكرج كرجاً . أنا دوّخت أباك شيخ الدبيكة قبلك ...
_ ما دام هيك : فللفجر ياعّم حجل،على نفس واحد بدون توقّف،لا لأرغولك ولا للدبيّكة ...
_ للف