اليسار الفلسطيني بالبرازيل  وانعكاسات مفاهيمه على  المؤسسات الفلسطينية - جادالله صفا*

 

من يعتقد ان ازمة المؤسسات الفلسطينية بالبرازيل بالمرحلة الراهنة، هي ناتجة فقط عن تصرفات اليمين الفلسطيني وقيادة الفيدرالية السابقة والحالية بالبرازيل، فانه واهم، ورغم انني احمل المسؤولية الاساسية لهم، الا ان انصاراليسار يتحمل مسؤولية اخرى لا تقل بحجمها عن حجم مسؤولية اليمين وقيادته للفيدرالية، ومن هنا تقع على عاتقي مسؤولية طرح هذا الموضوع وهذا الجانب او الوجه الاخر للازمة، التي تعاني منها هذه المؤسسة.

الفيدرالية الفلسطينية بالبرازيل، بلا شك هي المؤسسة الرسمية التي تمثل الجالية الفلسطينية في كل المحافل، والناطقة باسمها، والجمعيات الفلسطينية لها نفس الصفة التمثيلية للجاليات بالمدن التي تتواجد بها، وهذا ما تم تاكيده من خلال دساتير الجمعيات والفيدرالية، التي تم تسجيلها بالدوائر الرسمية البرازيلية ذات الشأن والاختصاص، هذا التمثيل ليس لرغبة فردية او فئوية، وانما جاءت نتيجة ارادة الجالية الفلسطينية التي اكدت دائما انتمائها الى هذه الجمعيات،  والجمعية كانت دائما وابدا تمثل الكيانية الفلسطينية للجالية الفلسطينية.

الجمعيات الفلسطينية كما الفيدرالية ومؤتمرات الجالية، شهدت على مدار مسيرتها صراعات وخلافات بين توجهات واراء تواجدت بالفعل بين ابناء الجالية، كما ذكرت بمقالات اخرى سابقة تم توزيعها ونشرها، ليس بالضرورة العودة لها من جديد،  وبمقالي هذا اود التوجه الى دور الطرف الاخر بالجالية، لنرى اين تقع المسؤولية عليه من ازمة المؤسسة الفلسطينية بالمرحلة الحالية، وللتاكيد لقد تمكن اصحاب التوجه اليساري ان يخوض صراعا طويلا مع النهج المهيمن والمسيطر على هذه المؤسسات والسفارة الفلسطينية، خلال فترة الثمانينات والتسعينات، ولم يتمكن هذا النهج من وصوله الى قيادة بعض المؤسسات الفلسطينية الا مرتين، المرة الاولى كانت ببداية عقد الثمانينات، حيث تم اقصائه بجرة قلم نتيجة غباء عناصره بتلك الفترة، وبمؤسسة اخرى تمكن من الوصول الى قيادة الجمعية، فرغم المحاولات الفاشلة للسفارة الفلسطينية ورئاسة الفيدرالية  لالغاء نتيجة الانتخابات واجراء انتخابات جديدة، الا ان الادارة الجديدة حافظت على وحدة الجمعية والجالية، واستطاعت بحنكتها وذكائها الاستمرار بفترتها الزمنية لادارة الجمعية المسموح لها حسب ما ينص عليه الدستور.

 بعد اوسلو مباشرة حصل فراغ بالعمل المؤسساتي للجالية الفلسطينية، وقد ترك اثاره على كل ابناء الجالية بكافة توجهاتهم وقناعاتهم، واهملت المؤسسة الفلسطينية بانتظار الحل القادم الذي سيعيد للشعب الفلسطيني حقوقه التي طالما ناضل من اجلها، الى ان جاءت انتفاضة الاقصى، التي كانت العامل المشجع الذي ساهم باعاد الحركة بالجالية الفلسطينية باتجاه اعادة الفعل للمؤسسة الفلسطينية ودورها، وتمكنت بعض الجاليات من عقد مؤتمراتها على مستوى المدن وانتخاب هيئات ادارية جديدة، وبالعديد من هذه الجمعيات تمكن العديد من الافراد المحسوبة على اليسار الفلسطيني والصديقه له من الوصول الى قيادة هذه المؤسسات، وعندما بدأت حركة الجالية الفلسطينية باتجاه التحرك لعقد مؤتمر للجالية الفلسطينية، وما نتج عن هذه الحركة من فتح حوار لتوفير الارضية المناسبة لعقد المؤتمر، تقدمت مجموعة من الافراد المحسوبة على اليسار لتكن طرفا اساسيا على طاولة الحوار،  وعلى مدار ما يزيد من عام على الحوارعقد المؤتمر الثامن للفيدرالية الفلسطينية الذي كان ضحك على الذقون.

كما ذكرت اعلاه، وبدون الخوض بتفاصيل هذا الجانب التي تطرقت له بمقالات سابقة، الا انني اخصص مقالتي هذا بالبحث عن دور اليسار في ازمة المؤسسات الفلسطينية، ومن هنا لا بد من التاكيد ان الحوار الذي حصل قبل انعقاد المؤتمر الثامن للمؤسسات الفلسطينية، ترك اثارا سلبية على اداء اليسار، حيث كانت ردة الفعل الناتجه قد عمقت ازمة المؤسسات عندما اتخذت  العديد من الجمعيات الفلسطينية التي يرأسها بعض انصار اليسار قرارا بعدم التعامل مع نتائج المؤتمر، ورفضها للمجموعة التي كانت تحاور على اساس انها تمثلها.

 

استمرار الرهان على تغيير موقف بقيادة الكونفدرالية الذي نتج عن المؤتمر الثامن، وصلت الى حالة الفشل والقطيعة التامة بين الطرفين المتحاورين، وهذا ولد حالة من ردة الفعل وبالاخص عند الطرف المحسوب على اليسار، الذي اصر على تمثيله الكامل لكافة القوى المعارضة لنهج قيادة الكونفدرالية، ورهانه ايضا على امكانية احتواء انصار اليسار في حال التوصل الى اتفاق، ورغم رهاناته الفاشلة، وللخروج من هذا المأزق ، اضطر لتوجيه دعوة لتشكيل تحالف، مراهنا بذلك ليكون عاملا جديدا ضاغطا على قيادة الكونفدرالية الفلسطينية لتغير بمواقف قيادتها التي كان يحاورها، الا ان هذا التحالف الجديد لم يقدم اي مبادرة من شانها تفعيل المؤسسات الفلسطينية، وكل ما صدر عنه لم تكن اكثر من حسابات شخصية مع الطرف الاخر، ومحاولة تعطيلية لاي مؤتمر قد يعقد مستقبلا ان لم تضمن مشاركة هذا التيار، تناست المجموعة بقصد او غير قصد، ان تبحث ببرنامج تفعيل المؤسسات الفلسطينية، وكحد ادنى تلك المؤسسات التي يسيطر عليها بعض انصار اليسار، الا ان ما كان ظاهرا شيء وما كان خافيا شيء اخر، وهذا ما زال يفشل عمل المجموعة. 

لا اختلف مع الراي الذي يقول ان النهج المهيمن والمسيطر بالمؤسسات الفلسطينية، والذي له تاريخ وباع طويل، سيعمل دائما وباستمرار على تحجيم دور من يعارضه بادارة المؤسسات الفلسطينية، ويخالفه بالفكر والراي، وسيعمل جاهدا على اقصائه، وهذه السياسة والتصرفات ليست بجديدة، وانما اصبحت كالدم بالشرايين، ولكن هذا لا يمكن ان يسمح للمعارضة ان تسيء بتصرفاتها او تقدم على خطوات من شانها ان تضر بالمؤسسات الفلسطينية والجالية ايضا، نتيجة لحسابات شخصية، او لمصالح شخصية جاءت نتيجة تغيير بمكانتها الاقتصادية والتي لا تتلاقى مع الفكر الذي تحمله، وانما تتعارض معه كليا، وهذا ما نبهت له ادبيات بعض الفصائل الفلسطينية، ومن خطورته المستقبلية على كامل الانجازات الوطنية، وهذا ما اتفق معه، حيث الانجازات التي حصل عليها انصار اليسار بالبرازيل كانت دائما وباستمرار مهددة، ليس فقط من قبل النهج المهيمن والمسيطر على راس المؤسسة الفلسطينية، وانما من هذه المجموعة التي كانت دائما وباستمرار تتطالب بتنازل الطرف الاخر من اليسار عن اهم المؤسسات الفلسطينية الذي يسيطر عليها لصالح انصار فتح، والادهى من كل ذلك، هو الوصول الى المحاكم البرازيلية لحل اشكاليات خاصة بالمؤسسة الفلسطينية، فهذا التصرف ( قضية المحاكم) بالاساس ليس له حسابات وطنية، وان هذا التصرف والسكوت عنه من قبل انصار اليسار وعدم تحديد موقف واضح منه، يضع علامات استفهام كبيرة على دور اليسار للنهوض بالمؤسسات الفلسطينية على اسس وطنية، فالجماهير والمؤسسات الفلسطينية ليست ملكا لافراد او جماعات، وانما هي مؤسسات فلسطينية لكل ابناء الجالية بكل اتجاهاتهم وارائهم، وهي الملتقى والمكان الذي يجمع الجالية ويوحدها بكل المناسبات الوطنية والافراح الشعبية، فلا يجوز ان تصل الامور الى ما وصلت اليه. 

ان من يدافع عن هذا التصرف لا يجد الاسباب المقنعه لتبرير فعلته، عندما  يعتبر ان انتخابات الهيئة الادارية تمت بدون تنسيق كامل بين ابناء الجالية او الاطراف الاساسية، وهنا اتسأل متى تم التنسيق والاتفاق على اسلوب انتخابات؟ او متى تم اتفاق على اقامة نشاط بمناسبة وطنية كيوم الارض او يوم النكبة او التضامن مع الشعب الفلسطيني او اي مناسبة اخرى؟ لقد وصلت الخلافات الى اقامة نشاطين بمناسبة فلسطينية بنفس المدينة، وايضا لن ننسى اطلاقا ان المؤتمر التاسع للفيدرالية الفلسطينية، وطريقة الدعوه لعقده، والمندوبين المنتخبين والمعينيين، والقرارات الثمانية الاستثنائية التي اتخذتها اللجنة التحضيرية لعقد المؤتمر والتي تتخالف وبنود الدستور، وطريقة انتخاب الهيئة الادارية وانتخاب عضو مراقب بالمؤتمر ليكون النائب الاول لرئيس الفيدرالية الفلسطينية، لا تمت اطلاقا الى قانونية وشرعية وجودها، فالمؤتمر كله  يعتبر استخفافا بعقول كافة مندوبي الجالية المشاركين به، فبهذا الجانب تتوفر كل المبررات التي تسمح قانونيا بالغاء نتائج المؤتمر واعادة عقده من جديد، فهل هذا يتطلب منا الوصول الى المحاكم البرازيلية لمعالجتها، بالتاكيد لا، وكل اصحاب الضمائر الحية تتفق والرأي هذا، وبالتاكيد هذا لن يحصل.

انصار اليسار الفلسطيني بشكل عام، لم يتمكن حتى اللحظة من وضع برنامج ليكون عامل مساعد للنهوض بالعمل  الجاليوي والمؤسساتي، وانما ما زال يكتفي بامكانيات العودة الى الحوار ليضمن مقعدا هنا او هناك، كذلك اطراف اليسار ما زالت تصطدم فيما بينها بافكارها ومفاهيمها بكيفية معالجة الوضع السيء التي تمر به المؤسسات الفلسطينية، فهناك خلاف حول الدور التمثيلي للفيدرالية الفلسطينية بصفتها مؤسسة للجالية الفلسطينية، ورغم دفاع هذه الاطراف عن التمثيل النسبي باي انتخابات قد تحصل، الا انها لم تعمل على تعديل دساتير المؤسسات التي تراسها والذي عفى عليه الزمن، ولم تحاول حتى تثبيت بند التمثيل النسبي، ورغم تثبيت هذا البند واقراره بالمؤتمر التاسع للفيدرالية الفلسطينية الذي قاطعوه.

  واذا استثنينا الجمعية العربية الفلسطينية بالعاصمة برازيلية، والتي تاسست عام 1958، وما انجزته بالعديد من المجالات، الا اننا لا يمكن ان ندافع عن اداء غير جيد لقوى محسوبة على اليسار تتواجد على رئاسة بعض الهيئات الادارية لبعض الجمعيات والمؤسسات، والأمر من ذلك هو عدم استعداد بعض افراد محسوبة على اليسار من بناء مؤسسات جديدة بمدنهم رغم توفر الارضية المناسبة والقانون الذي يسمح بذلك، كذلك عدم تفاعل هذه القوى بطريقة جدية لحشد الناس باتجاه المؤسسات الفلسطينية، وعدم توفر قناعات لديها بان المعارضة لسياسة الهيئات القيادية للفيدرالية والجمعيات الفلسطينية تاتي من داخل المؤسسات، وليس من خارجها، فرغم سيطرة انصار اليسار على مجموعة مؤسسات بالبرازيل، الا انهم غير قادرين على جمع مؤسستين اثنين بلقاء، وهذا بالاساس يعود الى محاولات فرض الرأي من قبل افراد في كيفية فهم ادارة الصراع والتنافس مع النهج الاخر، والاهم من كل شيء هو يجب التفريق بين المؤسسات الجماهيرية وحقها باتخاذ القرار في كيفية معالجة علاقتها مع الاتحاد، وذلك بطريقة جماعية من خلال هيئتها الادارية، وبين كيفية ادارة الصراع بين الاتجاهات السياسية ضمن المؤسسة الواحدة، وكيفية استقطاب ابناء الجالية للمواقف السليمة، وتوفير القناعات لديها من خلال مسيرة نضالية صعبة وشاقة وطويله، تضمن مصالح الجالية من خلال استمرار مؤسستها، فالخلاف هو خلاف بين اتجاهات واراء وليس خلافا مع المؤسسة، فيبقى المطلوب ان تؤكد كل الجمعيات الفلسطينية والمؤسسات على انها جزءا من الفيدرالية الفلسطينية، ولها نفس الحقوق والواجبات، فالهيئة الادارية للفيدرالية ليست هي التي تقرر اذا كانت هذه المؤسسة او الاخرى جزءا ام لا من الفيدرالية، فالدستور واضح بذلك وحدد الشروط، كذلك لا توجد مبررات عند اي هيئة ادارية ان ترفض مؤسسة لان تكون عضوا بالفيدرالية اذا توفرت بها شروط الانتماء، كذلك انصاراليسارليس لديهم مبررات مقنعة بان تحاول التحريض بمقاطعة الفيدرالية والمؤسسات، مع التاكيد على ان ابناء الجالية الفلسطينية هم اعضاء متساويين بالحقوق والواجبات بالجمعيات الفلسطينية، فتجربةالجمعية العربية الفلسطينية ببرازيليا هي اسطع مثالا على ذلك، حيث تعتبر كل ابناء الجالية الفلسطينية هم اعضاء فعليين لهم كامل الحقوق والواجبات.  

 جادالله صفا

 

كاتب فلسطيني مقيم بالبرازيل

 

13/04/2008