تحيا فلسطين ...... تحيا تشيلي ... - جادالله صفا


وصلت الدفعة الثانية من اللاجئين الفلسطينين الى تشيلي، والتي تضم 25 فردا، ليستقروا بمدينة سان فيليبي شمال العاصمة شنتياغو، ومن جديد تستقبلهم السفيرة الفلسطينية بالمطار جنبا الى جنب مع ممثلي المؤسسات الفلسطينية المتواجدة وعدد من ابناء الجالية الفلسطينية اضافة الى اخوات فلسطينيات من البرازيل توجهن الى سنتياغو ليكن من مستقبلي اهلنا واحبتنا، الذين حرموا ليس من الارض الفلسطينية الطاهرة وانما من الارض العربية الواسعة.

عندما تمكنت العصابات الصهيونية من طرد مئات الالاف من ابناء شعبنا عام 1948 واقامة كيانها على الارض الفلسطينية، شعرت الحكومات العربية وقادة الكيان الصهيوني بخطورة استمرار المخيم، كرمز للمعاناة، ورمز للصمود والمقاومة، والذي اصبح فيما بعد يشكل خطرا حقيقيا يهدد وجود الكيان الصهيوني ويكشف حجم مؤامرة الحكومات العربية من خلال عجزها عن اداء واجبها الوطني والقومي اتجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والشرعية الغير قابلة للتصرف، فاحتضنت المخيمات اعظم واشرف ثورة عرفها تاريخ البشرية، واصبح اللاجيء الفلسطيني القضية كلها، مما شكل خطرا على وجود الكيان الصهيوني، ففرغ هذا الكيان كل اسلحة الدمار ولم يستطع النيل من صموده وبقيت معنوياته عالية ترفرف بسماء فلسطين والمنطقة العربية كلها، تحمل رايات الصمود والتحدي والمواجهة، ارتكبوا المجازر بحق اللاجئيين، مراهنيين على التنازل عن حقهم بالعودة، مراهنين على انهم سيتنازلوا عن حقهم بالعيش بكرامة، ولكن لم ينجحوا اطلاقا،حرموهم من العمل، من الاقامة، من التنقل، من الخروج من المخيم، حاولوا يحرموهم من الهواء عساهم يفارقوا الحياة ولم يتمكنوا، بقي اللاجيء متمسك بوطنه، ببيته، بارضه، راهنت اسرائيل على موت الكبار لعلى الصغار ينسوا، فكانوا الصغار رمز للمقاومة واكثر صلابة من الكبار، فما العمل؟ هذا السؤال الذي يواجه معسكر الاعداء للتخلص من اللاجيء الفلسطيني الذي يشكل نعم خطرا حقيقيا على وجودهم.

عندما قاطع العديد من رؤساء وملوك الدول العربية لمؤتمر القمة العربية بدمشق العاصمة السورية، شعر المواطن العربي والقيادة السورية بحجم الضغوطات التي مورست عليهم لمنع حضورهم القمة، رغم المبررات التي خرجت من هنا وهناك حول الخلاف على الملف اللبناني، هنا نتساءل حول موضوعة اللاجيء الفلسطيني الملاحق بالعراق والذي يعيش في مخيمات القهر على الحدود الاردنية العراقية، والسورية العراقية، هل توجد ضغوطات تمارس على حكومات هذه الدول لعدم استيعاب اللاجئين الفلسطينيين على اراضيهم؟ ومن هي هذه الدول التي تمارس هذه الضغوطات؟ هل هي الادارة الامريكية ؟ وهل اللاجئين الفلسطينيين اصبحوا يشكلوا خطرا على الامن الوطني والقومي العربي؟ فاصبح من الضروري ابعادهم الى قارة اخرى باخر الكرة الارضية؟ اسئلة كثيرة تدور بمخيلتي عساها تجد جوابا.

ولكن المأساة هي اكبر من ذلك بكثير، والمؤامرة اوسع مما قد نتوقعها، فرغم فشل كل المحاولات الماضية بتاريخ المواجهة مع هذا العدو، لتصفية المخيم الفلسطيني الذي اصبح رمزا لمعاناة اللاجيء الفلسطيني، واصبح هذا المخيم ايضا رمزا نضاليا على طريق العودة، ورغم كل المجازر ومحاولات التوطين والضغوطات والتجويع والحصار الا ان اللاجي الفلسطيني ابى الا ان تكون فلسطين عنوانه، وما يحصل الان بالعراق من ملاحقة اهلنا وابنائنا واخوتنا امام مرأى العالم وسكوته امام جرائم ضد الانسانية، الا لتؤكد على حجم المؤامرة التي تحاك ضد الحق الفلسطيني، فلتوطين لن يكون حلا، لان الفلسطيني لن يقبل ذلك، واما استمرار المخيم واستمرار التجمعات الفلسطينية تشكل خطرا على وجود الكيان الفلسطيني، فكان لا بد من البحث عن طرق اخرى قد تساهم في تفتيت الشعب الفلسطيني وتقسيمه، تمهيدا لتصفية قضيته، فاسرائيل تمارس على الارض الفلسطينية دورها بتثبيت التجزئة الجغرافية واليمغرافية بين 48- 67، القدس، الضفة الغربية وغزة، شمال الضفة وجنوب الضفة، كنتونات عدة، اما بالشتات الحصار ومنع فرص العمل، التجويع والملاحقات، قد تساهم بتشتيت الفلسطيني الى دول اخر بحثا عن فرص عمل وعن مصادر رزق ليواصل الحياة، ليعيش بكرامة، مما يضطره للهجرة من المخيم الى الدول الاسكندنافية، الى كندا، الى اي دولة بالعالم، المهم نريد ان نعيش حياتنا.

اما التجربة العراقية والملاحقات لابناء فلسطين بالعراق ومنعهم من الاستقرار بالدول العربية التي لجئوا اليها لم تكن اكثر من مؤامرة لابعاد هؤلاء اللاجئين الى اقطار بعيدة، يصعب العودة منها الى فلسطين او الاقطار العربية، لا جوازات سفر لديهم، لا امكانيات اقتصادية، بالتاكيد سيحترمون من حكومات الدول الجديدة التي ستمد لهم يد العون، وتقدم لهم الراحة والاطمئنانية كما قال نائب وزير الداخلية التشيلي، اثناء استقباله للفوج الاول: "ألقوا بمعاناتكم وراء ظهوركم، ودعوا تشيلي تعيد لكم سعادتكم"، فهذه الخطوة بالتاكيد سيتبعها خطوات اخرى، فالوضع اللبناني سيء للغاية، واي انفجار به سيكون المخيم بالتاكيد هو الهدف والمستهدف من معسكر الاعداء، وعدم استقرار بسوريا سيدفع الفلسطيني ثمنا باهضا مقابل ذلك، مما يحول قضية اللاجي والمخيم الفلسطيني من قضية سياسية وطنية بحته الى قضية انسانية تلاقي شفقة من دول العالم وحكوماتها وشعوبها، فالفلسطيني بالتاكيد سيدفع ثمن مواقفه والتي تتمثل اولا بتمسكه بوطنه وحقه بالعوده، وثانيا ثمنا لموقف سابق له بالدولة التي عاش بها، حيث ستلاحقه فرق من مليشيات الموت التي ستشكل والتي ستحاسبه على مواقفه، وتحمله مسؤولية خراب الدولة، ان معاناة الشعب كان سببها اللاجيء الفلسطيني الذي عاش بها عشرات السنوات، او معاقبته لموقف مسؤول او قائد فلسطيني مؤيد او معارض، حتى السكوت، الفلسطيني يدفع ثمنه.

لا بد من التنبيه ان المخطط والمؤامرة التي تستهدف اللاجيء الفلسطيني، ونقله الى مسافة بعيدة عن فلسطين، تتوجب منا كفلسطينيين البحث عن اشكال نضاليه جديدة، لان الفلسطيني لن يعيش بمخيم بهذه الدول الجديدة، ولن يكون هناك مخيما رمزا للنضال والمقاومة، فاذا لم تتمكن اسرائيل من تذويب اللاجئين الفلسطينيين بالمجتمعات العربية، فبالتاكيد تسعى جاهدا الى تذويبهم بالدول الجديدة التي سينتقلوا اليها، فاندماج الفلسطيني بالمجتمعات الجديدة ستكون اسهل من اندماجها بالمجتمعات العربية، ومن هنا ننبه الى خطورة ما قد يحصل مستقبلا باتجاه المخيم بلبنان او سوريا، وتقع على عاتق قيادتنا الفلسطينية والقوى والفصائل وكل اصحاب الشأن بالعمل الجاد من اجل تلاشي وتجنب ما هو اخطر من ذلك، وقبل ان يتم بناء جسرا جويا بين المطارات العربية ومطارات امريكا اللاتينية.



ونَصيبي مِن ثَري الأوطانِ

ما كانَ سِوي بَعضِ غُبارٍ

ثارَ في خَفْقِ الخُطي يَومَ فِرَاري

وَتَهاوي مُرغَماً مِنَ فَوقِ نَعْلي!

الشاعر احمد مطر




جادالله صفا

كاتب فلسطيني مقيم بالبرازيل

21/04/2008