لماذا لا تتوقف القيادة الفلسطينية عن ادانة المقاومة؟ - جادالله صفا




اول ما تتناقله وسائل الاعلام البرازيلية الرئيسية، هو الادانة الرسمية للسلطة الفلسطينية للعمليات العسكرية التي تنفذها الاجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، عندما يصف المتحدثين الرسميين للسلطة الفلسطينية هذه العمليات بـ "الارهابية"، حيث تتناقل وسائل الاعلام البرازيلية هذه التصاريح مبررة الرد الاسرائيلي على اساس حق اسرائيل بالدفاع عن نفسها امام مجموعات "ارهابية"، وباعتبار ان الاعلام البرازيلي هو اعلام منحاز بذاته الى جانب الكيان الصهيوني، والعديد من وسائل الاعلام البرازيلية هي بالاساس صهيونية ويهودية، ووسائل اعلام اخرى يظهر النفوذ الصهيوني بوضوح عليها، وله تاثير كبير في كيفية طرح الخبر الى المشاهد والمستمع والقاريء، فهذا الاعلام يستغل هذه التصريحات الرسمية الفلسطينية ليقوم بتشويه النضال الفلسطيني، والانسان الفلسطيني كمقدمة لتشويه القضية الفلسطينية، معتبرا ذلك بانها جزءا من المواجهة والصراع، وهذا بالاساس يؤدي الى تراجع بصورة النضال الفلسطيني وتراجع بالتاييد الشعبي والرسمي الدولي اتجاه القضية الفلسطينية والحقوق والثوابت الفلسطينية، ولا يصور القضية والصراع على اساس انه صراع من اجل العودة والدولة تقرير المصير، وانما نزاع على الارض.



التغييب الرسمي لجوهر وطبيعة الصراع مع هذا الكيان من تصاريح المسؤولين الفلسطينيين، باعتباره كيان استيطاني تتوسعي عدواني عنصري قائم على اقتلاع شعب من ارضه، ونفيه من وطنه وتشتيته بدول العالم دون هوية ووطن، وان السلام العادل والشامل سيعم المنطقة حال عودة الشعب الفلسطيني الى ارضه ووطنه، واقامة دولته، والاكتفاء باعتبار اعتداءات اسرائيل بانها جرائم تشكل عقبة امام عملية السلام، دون التطرق الواضح والصريح بانهاء الاحتلال وعودة الشعب الفلسطيني الى دياره التي شرد منها، تركت مفاهيم مختلفة عكست نفسها على حملات التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، كما تركت انعكاسات سلبية على الاداء الفلسطيني بشكل خاص، وتراجع بالحملات التضامنية العالمية مع نضال وحق الشعب الفلسطيني، فصدى هذه التصاريح ليس كما يتوقع اصحابها، لاظهار حسن النوايا الفلسطينية، ولكن تركت الباب مفتوحا على مصراعيه ليقوم الكيان الصهيوني بمحاولات الانقضاض على كافة الانجازات الوطنية التي حققها شعبنا الفلسطيني على كافة المستويات، فحملات التضامن مع الشعب الفلسطيني تراجعت وبشكل كبير جدا، واصبحت ضئيلة جدا ان لم اقل انها معدومة بالعديد من دول العالم، فاليوم نادرا ما نسمع عن مسيرات جماهيرية كبيرة، نقابية وطلابية كما كنا نشهدها بالماضي، فما كانت تحصل جريمة صهيونية ومجزرة بحق الشعب الفلسطيني الا والمسيرات تجوب الشوارع، بها البرازيلي والعربي قبل الفلسطيني، يرفعون الاعلام الفلسطينية، ويلبسون القمصان الفلسطينية ويرتدون الكوفية الفلسطينية، ويحرقون الاعلام الاسرائيلية والامريكية، يهتفون لفلسطين ولبنان والامة العربية، يهتفون تسقط امريكا وتسقط اسرائيل.



بالحقيقة ان الانجازات الوطنية الفلسطينية لا يتم الحفاظ عليها من خلال التصاريح المناهضة للمقاومة الفلسطينية وشرعيتها، كما يتردد على السنة المسؤولين بالسلطة الفلسطينية، وان التضامن الدولي والعالمي لم ياتي من مجرد شعورهم واحساسهم بالحق الفلسطيني فقط، ولكن المقاومة والكفاح المسلح والعلاقات مع حركات التحرر والتحالفات الدولية والعالمية بين الشعوب وحركاتها وممثليها، هي التي عززت مكانة القضية الفلسطينية، وتمكنت من كسب تاييد وتعاطف شعوب العالم وطرحتها بقوة، عندما تم التاكيد على ان الصهيونية والامبريالية الامريكية هي عدوة الشعوب، وتقف عقبة امام تطلعات شعوب العالم وتقدمها وتطورها، وكانت تعتبر الثورة الفلسطينية طليعة التصدي للامبريالية والصهيونية على هذه البقعة من الكرة الارضية.



اما اليوم فنشهد تراجعا كبيرا بالتاييد العالمي بشكل عام، والبرازيلي بشكل خاص، اتجاه التضامن والتاييد والتعاطف مع القضية الفلسطينية، فلا نشهد اليوم مسيرات واضرابات فلسطينية وبرازيلية كما كنا نشهدها بالماضي، تحدث المجازر والجرائم اليومية بحق اهلنا وشعبنا بفلسطين، دون ان يكون هناك تحركا فلسطينيا او برازيليا، وهذا التراجع لا نحمل مسؤوليته فقط للجالية الفلسطينية ومؤسساتها، وانما من يتحمل بالاساس هذه المسؤولية هو السلطة الفلسطينية التي من خلال تصاريحها شوهت صورة النضال الفلسطيني، ووصفته بالارهاب، واكتفت باعتبار الاعتداءات الاسرائيليه وجرائمه بانها عقبة امام السلام، وعدم التطرق الى ان هناك احتلالا يجب ان يزول، فالفلسطيني بدأ يشمئز من هكذا تصاريح، واصبح منطقه ضعيفا لايجاد التبريرات التي تؤكد على شرعية المقاومة، ومقاومة الاحتلال وبكل الوسائل بما فيها الكفاح المسلح، اصبح الفلسطيني حائرا بكيفية مواجهة الاعلام البرازيلي المنحاز الى جانب اسرائيل وجرائمها، فما هي الاجابة المطلوبة من الفلسطيني بالشتات عندما يواجه بسؤال ادانة القيادة الفلسطينية للعملية العسكرية الفلسطينية ووصفها بـ "الارهابية"؟ هل مطلوب منه ان يقول ان هذه القيادة لا تمثلني، ام يقول ان ما صرحت به هذه القيادة هو يمثل ارادة الشعب وضميره؟ هذا هو جوهر المأزق التي وضعتنا به القيادة الرسمية الفلسطينية، فكل التبريرات التي يستخدمها الفلسطيني بالشتات غير مقنعة للراي العام الغربي، ورغم وجود احزاب وقوى يسارية مناصرة ومؤيدة للقضية الفلسطينية الا ان نسبة التاييد والتعاطف مع القضية الفلسطينية تراجعت بشكل كبير.



فاعادة القضية الفلسطينية الى مكانتها الدولية، وتعزيز التضامن الاممي والعالمي مع الحقوق الفلسطينية، لا يمكن ان تاتي بثمارها الا من خلال تغيير كامل بخطاب السلطة الفلسطينية والامتناع عن التصريحات التي تسيء وتشوه النضال الفلسطيني، ومن خلال فضح اسرائيل وطبيعتها العنصرية باعتبارها اداة صهيونية امبريالية قائمة بجوهرها على العدوان والاستيطان والتوسع والعنصرية، ومن خلال التمسك بالحق الفلسطيني وشرعية المقاومة، والتاكيد على ان الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني ضد احتلال غاصب طرده من ارضه وسلبه حقوقه وحرمه منها، فلا يمكن ان يتطور التضامن الاممي والعالمي مع الحق الفلسطيني وينتقل بخطوات عملية الى الامام لمحاصرة النفوذ الصهيوني والاسرائيلي بالقارة، الا من خلال ايقاف السلطة لتصاريحها المشؤومة والمنبوذة اتجاه شرعية المقاومة، وتاكيدها على تحرك دولي لادانة جرائم الكيان الصهيوني.



جادالله صفا

كاتب فلسطيني مقيم بالبرازيل

27/04/2008