محرقة ومفاوضات... ونهاية أمريكية "لقضايا الوضع النهائي"!- عبد اللطيف مهنا

لعله أشبه ما يكون بنوع من الإجماع الضمني... ونقول إجماع، لأنه لا يعدم ندرة فاقعة في الاستثناءات وله دائماً مسحته الإقليمية والدولية، والمهم هو مشاركة المعنيتين فيه مباشرة، و نعني هنا، تل أبيب ورام الله، لكن الأهم هو رعايته الدائمة من قبل واشنطن، والمساعدة المعتادة لها من قبل الاتحاد الأوروبي... إجماع على ماذا؟

إنه على محاولة تلوين المشهد الفلسطيني التراجيدي ما أمكن، بحيث لا يقتصر على وقائع "محرقة فلنائي" المتوالية فصولاً في غزة، وسرد إحداثيات الحصار التجويعي الإبادي، وحكايات معابر الموت البطيء، ومشروع القتل الناعم بعيد المدى لمن ينجو من السريع العنيف منه بواسطة صواريخ الأباتشي وقنابل الفانتوم ونيران الدبابات، أو يذهب ضحية غوائل الأمراض المفتقرة إلى الأدوية في غزّة، وهذا وذاك بالتوازي مع مذبحة التهويد الزاحف، وجرّافات الهدم وأسوار العزل الزاحفة على النتف الباقية التي لم تهوّد بعد أو لم تهضم من أراضي الضفة الغربية، المترافقة دائماً مع حواجز الخنق ومقتلة فرق المستعربين.

... هذا المشهد التراجيدي والقاني أكثر من اللزوم لابد عند المجمعين من تلوينه وتزويقه بلون آخر، وإن بهت هذا المراد منهم فلا تكاد تعثر عليه الأبصار، وذلك بالإصرار على حشر ما تيسّر من ذكرٍ، بمناسبة ومن دون مناسبة، لما كانت تدعى يوماً زوراً وبهتاناً وتضليلاً بالمسيرة السلمية، أو تلك المرحومة التي لا بد من بعث عظامها النخرة ما استطاعت المزاعم التسووية إلى ذلك سبيلاً... وعليه، وحيث نكاد ننسى هيزعة آنابولس، وإن تردّد ذكرها توظيفاً بين الفينة والأخرى، لابد من الكلام عن منتجها اللامرئي، أو تابعها المكتوم، أو قيد الغموض، المسمى بالمفاوضات المرتدية هذه الأيام طاقية إخفاء عجائبية، والتي يقال أنها تجري بين الثنائي ليفني- قريع... مع لقاءات وكاميرات ومعانقات بين أولمرت- أبو مازن... ووفود من الرعاة ومساعديهم تترى لتطلّ علينا عبر الشاشات من فندق الملك داوود والمقاطعة، وقد تطوف على بعض عواصم المنطقة، ومن ثم تعود من حيث أتت، مخلّفة جعجعةً سلامية يتبعها غبار إيهامي لا يلبث وأن ينقشع...

اللون الدموي الطاغي والتهويد المرسوم المتواصل، والإبادة المتعددة الأشكال والوجوه، إن مادياً أو معنوياً لشعب يقهر ويرزح ما لم يشرّد منه تحت احتلالٍ غاشم، وعدو يغتصب وطنه، ويسعى على مدار الساعة لنفي وجوده، لا يمنع الملوّنين للمشهد الذي هذا حاله من مزاولة محاولاتهم طرش خشبة المسرح المأساوي بألوانهم السلامية الباهتة... لازال الكلام هو الكلام عن "حل الدولتين" مثلاً، بغض النظر عمّا بقي للفلسطينيين أو سيبقى لهم من كيلومترات من الأرض تشيد عليها الدولة العتيدة الموعودة! ولازالت "السلطة" تصرّ على لازمة عزيزة على قلب مفاوضيها تدعى "قضايا الحلّ النهائي"...

غموض المفاوضات المكتومة، التي يُحكى عن دوران عجلتها في الخفاء وبعيداً عن الأنظار، التي تديرها ليفني وقريع، تتيح مجالاً لتنبؤات المتنبئين حول ما يطبخ، وإن كان في غالب الأحوال بحصاً، ويعزز ما تثيره من تكهنات أو توقعات تصريحات أبي مازن المتفائلة باتفاق نهايات هذا العام، والتي لا تلبث وأن تنسخها فوراً تصريحات عاجلة تأتي من قبل أولمرت تستبعد ذلك...

بيد أن صحيفة "يدعوت أحرونوت" الإسرائيلية، ونقلاً عن ما دعته "مصدراً فلسطينياً"، قد قطعت قول كل خطيب، وسواء صحّ ما نقلته، وقد تمّ نفيه فلسطينياً، أو لم يصحّ، ففي هذا المسرّب عبرها مؤشر كافٍ يعدُّ كاشفاً حتى لمن هو مصاب بعمى الألوان، لما يريده الإسرائيليون ورعاة "المسيرة السلمية" من هذه المفاوضات، أو ما يرسمونه لنتيجتها المرصودة، والتي لديهم القدرة على فرضها... هذه القدرة التي تعودنا على أنه لا يعدمها استجابة في نهاية المطاف من قبل الطرف المقابل الأضعف.

ما الذي نقلته "يدعوت أحرنوت" :

قالت: إن الثنائي ليفني- قريع، يناقشان اقتراحاً أمريكياً يقضي بإرجاء مباحثات "قضايا الوضع النهائي" العتيدة، ومنها القدس واللاجئين، خمس سنوات... خمس سنوات بالتمام والكمال هي أكثر من كافية للإجهاز على ما تبقّى ولم يهوّد بعد من القدس، ويكفي للقول للفلسطينيين بعد إنقضائها، حسناً، وأمام الأمر الواقع المفروض، ما الذي بقي لكم فيها لكي تطالبوا به؟!!

وفي الإقتراح، اتفاق مبادىء بحلول نهاية هذا العام يعيدنا إلى تفاؤل أبي مازن الذي مرّ ذكره، مع سؤال:

وعلى ماذا هذا الاتفاق ما دامت "قضايا الحل النهائي" قد أٌجّلت؟!

... وهناك جزرة مسمومة في الإقتراح الأمريكي، كالعادة، إنها إعطاء الفلسطينيين "شكل من أشكال السيادة البلدية" في القدس، "تعني قيام السلطة بتوفير الخدمات لهم"..!!!

إذن، المطلوب هو إعفاء المحتلّين من هذه الخدمات وليس أبعد من ذلك، وليس هذا وحسب، وإنما، وهذا هو الأخطر، ربما التمهيد لاعتبارهم بعض انقضاء الخمس سنوات رسميّاً جالية أجنبية في مدينتهم، أي استرتيجيّاً برسم الآتي من الترانسفير... "يدعوت أحرونوت" تقول، أن "السلطة" لكي توافق على هذا الإقتراح من قبل رعاة "حلّ الدولتين"، تشترط "انسجاباً جوهرياً" من الضفة... وهذا أمرٌ قد لا يكون مثار خلاف باعتباره قابل للتأويل والتفسير ورهن للتفاوض... ماذا يعني هذا الجوهري؟ ما هو حجمه؟ وما هو جوهره... إلخ؟!

هذا الكلام يرجّحه تصريحٌ لافت لأولمرت، يقول فيه:

إنه مقتنع بأنه بالإمكان التوصّل إلى تفاهمات مع أبي مازن خلال العام الحالي، "لكنني لا أعتقد أنه بالإمكان التوصّل إلى اتفاق شامل هذا العام"!

... وهو، يتوازى أيضاً، مع انطلاق جوقةٍ من الذئاب في عواءٍ ينبّيء بمزيد من الدماء تراق على خشبة المحرقة الفلسطينية قريباً في غزّة، ذئابٌ من نوعٍ مائير فلنائي نائب وزير الحرب الدموي المعروف الجنرال باراك، والجنرال شاؤول موفاز نائب رئيس الوزراء، ذو التاريخ الذي لا يقلُّ دمويةً عن لاحقه في وزارة الحرب، وصولاً إلى، تساحي هانغبي رئيس "لجنة الخارجية والأمن" في الكنيست، ولا ننسى، الترانسفيري آفيغدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"... التهديدات هذه ترافقت مع قطع إمدادات الوقود الشحيحية عن غزّة، إثر العمليات الفدائيّة الجريئة مؤخراً... المشهد التراجيدي الفلسطيني تزاد تراجيديته عمقاً، عندما يزداد الواقع العربي انحداراً والصمت الرسمي اطباقاً، وتتفاقم تداعيات العجز العربي عبثيةً... ونسمع، مثلاً، عن منع الشاحنات المحمّلة بالأغذية المتوجّهة صوبَ معبر رفح الحدودي...صوب الحدود الغزّية الوحيدة مع غير العدو... هذه التي دفع الأشقّاء نحو أسيجتها بقوة مسلّحة بالآربي جي تعززها الدروع تحسباً لاحتمالات خطر اجتياحها من قبل المحاصرين الجوعى!

... وعندما نرى لعبة الموت، وتعبئة غرائز الإنتقام التلمودي، وتجلّيات ثقافة الغيتو، ومظاهر عصبية الأساطير التلفيقية المفتعلة، تنطلق وحشاً متضخّماً منفلتاً، في مشهد مقابل يصول على مدى خمسة أيام بلياليها فيما تدعى مناورات "الطوارىء الداخلية" الإسرائيليّة... هذه التي اشترك فيها كافة مستوطني كيان يعدُّ ما تقدّم، بالإضافة إلى الدور والوظيفة في إطار المشروع الغربي في بلادنا، شرطَاً أساسياً من شروط تماسكه واستمراره.

... وعندما نسمعُ بأن السيد الأمريكي "الراعي النزيه"، أو من يقترح تأجيل بحث "قضايا الحلّ النهائي"، يقرّر في شخص بوش قبل انتهاء ولايته، و الذي يبدو أنه يريد أخذ "قضايا الحل النهائي" معه عند رحيله، تمديد احتلال العراق إلى ما شاء الله، بدعوى خطرين أثيرين على قلبه، هما: خطر "القاعدة"، والخطر الإيراني..!
 

13-04-2008