تصفية وجبهتان تسوويتان... دويلة بلا تعريف واستفتاء على وطن! - عبد اللطيف مهنا

جبهتان "تسوويتان" مفتوحتان اليوم، والقضية العربية الفلسطينية قيد التصفية... التصفية المدعوة حلاً، كهدف مبتغى لأربعة أطراف من بين خمسة تنخرط جميعها على مستويات تختلف في بازارها ذي المسارات المركبة وشديدة التعقيد، هذه العملية التي تظل نهباً لخليط من التمويه والوضوح، والممزوجة دائماً بالإيهام والتضليل والمناورات... والإملاءات.

الأطراف الأربعة هي، الدولية تحت العباءة الأمريكية المديدة الظليلة، وبعض الإقليمية التي لم تعد تحتمل وزر الإلتزام بالقضية القومية، وتتصرف وكأنما هي في حلٍ منها، أو يدفعها عجزها إلى توسم أي حل يساعدها على نفض يدها من همومها المزمنة، إلى جانب الطرفين المباشرين، الإسرائيلي وسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود في رام الله، أو جناح الرئاسة. أما الطرف الخامس فهو جناح هذه السلطة في غزّة، أو حكومة الوحدة الوطنية المقالة.

الجبهتان اليوم لهما عنوانان هما عباس وحماس... الأول، له تعبيران، أحدهما ظاهري والآخر باطني ويكمل واحدهما الآخر، الظاهر هو أبو مازن في واشنطن، والباطن هو الثنائي ليفني وقريع، الذي يعمل هناك بعيداً عن الأنظار والأخبار وأسراره تظل رهن كتمان الأمكنة المجهولة... حتى آن الوصول إلى لحظة إعلان "إعلان المبادئ"! والعنوان الثاني، أيضاً، له تعبيران، واحدهما اسمه كارتر الذي كان، والآخر عمرو سليمان الذي هو الآن وقد تتبع حكايته مصير حكاية سابقة...

الأطراف الخمسة تراوح حيث هي فلا تبرح منطلقاتها ومواقفها، تلك المعروفة التي هي هي فلا جديد ولا جدّة فيها. الأمريكان، الأوروبيون، يريدون خلاصاً من قضية قضايا أمة تتسبب في وجع مقيم في وجدانها... وجع لايبرأ بدون استعادة حقوق وكرامة ومحو ضيم لا تحتمله أجيالها. والمقلق لهما أن غالبية من نخبها ترى أن نهضتها ووحدتها وتقدّمها وعودتها إلى مكانها الطبيعي بين الأمم رهن باستعادة هذه الحقوق والكرامة والانعتاق من هذا الضيم، وعليه، فهذه القضية هي محرك المواجهة مع المشروع الغربي في بلادها الذي يريد هذين اطفائه.

الإسرائيليون، كانوا ولازالوا وسيظلون، يريدون تسويتهم هم، هذه التي تعني تهويد فلسطين، والخلاص من أهلها، والتفرغ من ثم لدور مركزي مقرر لهم في المنطقة، ونصيب يفترضه هذا المركز في ثرواتها، وكل هذا في سياق وكالتهم العامّة عن الغرب فيها. وهذا لايمنع من كلام دائم حول السلام وتفاوض ما حول الحلول، وكل ما يوفر الوقت الكافي لعملية التهويد الجارية، والمجال الرحب لحلب الدعم الغربي حتى آخر قطرة، وتوظيف العجز العربي إلى أبعد مدى، وابتزاز رام الله لدرجة قبولها بإلغاء نفسها، وغزّة لدرجة إخضاعها.

وحتى لا ننسى، الطرف الثالث، أي العرب التسوويون، فنكتفي هنا لنقول، أنهم يقبلون، كما يقولون ويعيدون، بما يقبل به الفلسطينيون! ومنهم من لا يفتأ يقول: لسنا ملكيّين أكثر من الملك... أي أنهم يقبلون من الغنيمة بالإياب، أو يكفيهم السلام مقابل السلام. أما الفلسطينيون، أي الطرفين الباقيين، رام الله وغزّة، أو عباس وحماس، فنكرر أن لا جديد لديهما:

على جبهة ليفني قريع، يسهّل الأمر التصفوي أن مسيرة الألف ميل قد بدأت منذ زمن ولم تبدأ من الخطوة الأولى، بل جاءاها بعد أن قطعت أميالاً وأميالاً، فخلف المتفاوضان ما راكمته أوسلو وحواشيها ومسارها. لقد كان ما دعي الاعتراف المتبادل بين إسرائيل والمنظمة في التاسع من الشهر التاسع من عام 1993. التنازل عن 78% من فلسطين التاريخية، التي غدت إسرائيل بعد العام 1948 وفق اتفاقيات أوسلو. القبول بمبدأ تحويل الأراضي المحتلّة من فلسطين بعد العام 1967، أي ال22% المتبقية من الوطن الفلسطيني، إلى أراضٍ متنازع عليها. القبول الموارب بمبدأ تقسيم القدس في التوافقات التي تمّت بين قريع وبيرز، وعباس وبيلن. التنازل عن حق العودة الذي هو جوهر القضية الفلسطينية، عبر وثيقة جنيف. التي بطلها ياسر عبدربه... وأخيراً القبول بمقولة "يهودية الدولة" التي تؤسس للترانسفير، أو الهدف الصهيوني التليد والدائم، وهذا كان جلياً في تصريحات نسبت لأبي مازن والتي منها ما كان لصحيفة المصور المصرية ودرشبيغل الألمانية... ولا ننسى مقولة تبادل الأراضي، وبقاء الكتل الاستعمارية الكبرى إلخ...هذا هو الموروث التفاوضي الذي يستند إليه الثنائي المفاوض، أما المضاف المحدث، فهو "إعلان المبادئ" العتيد المنتظر، الذي يؤجل قضايا ما يعرف ب"الحل النهائي". أي أن هذا الإعلان لن يعلن تنازلاً صريحاً عن القدس وحق العودة، ولكنه سيكون تمهيداً لشطبهما... إذن ، المشكلة هي في كيفية إخراج التسوية لا أكثر، هذا باطناً أما ظاهراً، فيكفي ذكر آخر ما سمعه أبو مازن من بوش في زيارته الأخيرة لواشنطن، أي في أواخر شهور الأخير الأخيرة في البيت الأبيض، مثل:

أن دولة بوش الفلسطينية لازالت "أولوية له ولإدارته"، وحيث هي دولة " لا تشبه الجبنة السويسرية"، فالمطلوب هو تعريفها الذي يرى أنه الصعب، لعله سوف ينجح في انجازه فيما تبقى له من وقت بدأ ينفذ في المكتب البيضاوي... وعلى أية حال، هو قادم إلى المنطقة للاحتفال بمرور 60 عاماً على اغتصاب فلسطين، وستسبقه إليها كونداليسا رايس... والبقية تأتي ومن بعدها يحلّها الحلال!... إذن، مرة أخرى، الحلول طبخت والمشكلة هي في كيفية الإخراج!

في الجبهة الثانية، المحدثة، جبهة كارتر... جاء الرجل وذهب، لم يستقبله الإسرائيليون لا أهلاً ولا سهلاً وودعوه ليس كما استقبلوه فحسب و إنما، على لسان تساحي هانغبي، رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بوصف تحركه ب "ضرب من الخيال والهذيان"... بيد أن خياله وهذيانه كانا مطلوبان... أي لم يأت كارتر على رأسه، وفق المثل الدارج، ولا يمكن أن تكون رحلته بلا وازع أمريكي، أو دون عدم ممانعة جادّة من واشنطن، وحتى غض طرف إسرائيلي. فالمطلوب حركة ما على المسار الثاني الصعب قد يفيد الأول السهل منها... على الأقل لم عدم المحاولة مع حماس، والتي لا تلزم أحداً، وقد تجرّ إلى تنازل يصبّ في حصيلة ما روكم؟!

كارتر هو الذي أشرف على الانتخابات التي استدرجت حماس من خلالها إلى قفص أوسلو، أو إلى السلطة التي سرعان ما سحبت منها، والتي تعاني اليوم ما تعانيه في محاولاتها العبثية للجمع بينها وبين المقاومة، والتي أوصلت تداعياتها حماساً إلى ما هي فيه في غزّة من حصار تواطئت في نسجه كافة أطراف التسوية الأخرى، هذا الذي يساوي محاولة الإبادة السياسية لها والبشرية لفلسطيني القطاع المحاصر. وكارتر هو الذي ذهب للقدس المحتلّة مودعاً ليقول، إن حماساً التي أشرف بنفسه على ارتكابها لخطيئتها الاستراتيجية الأولى، المتمثلة في القبول بلعبة الإنتخابات تحت سقف أوسلو، وبالتالي التورط في اللعب في ملعبها، هاهي ترتكب خطيئتها الثانية على يديه والمتمثلة في: أنها "أبلغته أنها ستعترف بحق إسرائيل في العيش بسلام إذا تمّ التوصل إلى اتفاق سلام يوافق عليه الشعب الفلسطيني في استفتاء"... هل يستفتى على ثوابت... على وطن؟!! هل هذيان كارتر أفلح في الحصول على التنازل المطلوب؟!!

أولاً، علينا التأكيد أن حماساً لم تخرج عن الخط المقاوم ولا نية لها في الخروج، وإنما هي لازالت تدير صراعها وفق نهجها ومنطقها وقناعاتها، وفي نفس الوقت علينا أن نتذكّر أن موقفها هذا هو إجمالاً لا جدّة فيه، فكلنا نذكر مقولة الهدنة التي أطلقها مؤسسها القائد الشهيد الشيخ أحمد ياسين... وموافقتها على وثيقة الأسرى... وصولاً إلى قبولها الدولة على الأراضي التي احتلّت إثر حرب 1967، وعاصمتها القدس، وبلا مستعمرات، وهذا ما كرره مؤخراً رئيس وزراء السلطة المقال اسماعيل هنية... وإذا ما أضفنا إلى ذلك موقف حماس المعلن القاضي بعدم الاعتراف بإسرائيل، والإصرار على حق العودة... أي باختصار، كل ما هو من ناحية الوجهة النظرية الاستراتيجية يعني ألف باء بداية نهاية إسرائيل... لكن، علينا، وعلى حماس أن نلاحظ أن الهدنة أنجبت التهدئة، وهذه من أقارب الاستفتاء، أو هذا الخطأ الثاني بعد خطيئة المشاركة في الانتخابات، وإذا كان الخطأ الأول بُرّر بكونه اعتراضي على استحقاق ذهاب السلطة إلى التسوية وبهدف لجمها، فإن الثاني يبرر بمحاولة الخروج من العزلة والنجاة من تداعيات الحصار... وهنا وصلنا إلى "لعم" العرفاتية الشهيرة التي اسمعت لكارتر اليوم بلكنة حماسية... قد لا يطول وقت وتتنصل حماس من هذيان كارتر وأعتقد أن هذا ما ستفعله، لكن بعد ماذا... أبعد ما يعزّز الانطباع الذي يريدون مثله في رام الله وتل أبيب، والمستحبّ إقليمياً ودولياً، وهو أن حماساً قد بدأت من حيث انتهى الأوسلويين، أو كما يقول المثل الشعبي الدارج: أول الرقص حنجلة ؟!

حنجلة حماس لم تنتهي عند هذا، فعبر ما ادرجناه تحت عنوان الجبهة التسووية الثانية ووصفناه بتعبير عمرو سليمان، قبلت حماس التهدئة المصرية على أن تمتد إلى الضفة بعد ستة أشهر، مقابل إنهاء الحصار، وأن تتم في إطار توافق وطني، وإطلاق أسرى فلسطينيين مقابل جلعاد الإسرائيلي... وإذا كان الإستفتاء على فلسطين، على الثوابت الوطنية، يستحيل تصوره فلسطينياً، لاسيما إذا ما نظرنا إلى الواقع الفلسطيني وطناً وشتاتاً، يضاف إليه المحتل عام 1948، إذ أن هذا الذي في مضمونه هو تنازل عن وطن، يعني كل الفلسطينيين وليس فلسطينيو السلطة وحدهم، وإن مجلساً وطنياً ينوب عن هذا الإستفتاء، لايمكن أن يوجد أصلاً بدون إعادة بناء المنظمة، وإن هذا يستحيل دون إجماع على برنامج حد أدنى يتوافق عليه الجميع، وهذا لم يحدث ولا يبدو أن سيحدث، فإن تهدئة في إطار توافق وطني تتوسع إلى الضفة في واقع الانقسام الفلسطيني والمسارين التسوويين النقيضين، لو افترضنا أن إسرائيل ستوافق عليها، هو حلم بعيد المنال... الخلاصة أن هذيان كارتر قد أسفر عن خطيئة مبدأ الإستفتاء، أما تهدئة عمرو سليمان، فعاجلتها إسرائيل بالرفض قبل أن يحملها إليها... وحيث سيغادر بوش السلطة دون تعريف متوقع لدولته الفلسطينية العتيدة، ويستمر من بعده في كل الأحوال حديث الإفك التسووي، ستظل حقيقة واحدة، لن يفلح خليط التمويه والوضوح، ومزيج الإيهام والتضليل والمناورات والإملاءات، في حجبها، تقول:

إن التسوية إسرائيلياً تعني تهويداً، وفلسطينياً تنازلات... وفي مواجهة هذه التنازلات، لا تجدي "اللعم" التي لم تنفع سابقاً صاحبها... والتنازلات لا تبرر التنازل في مواجهتها!