جذور ونشأة "حركة القوميين العرب" -  أديب قعوار          

 

برزت "حركة القوميين العرب" إلى الوجود في منتصف القرن العشرين، ولكن جذورها تذهب قبل ذلك إلى حوالي قرن من الزمن. فهي وليدة تفاعلات وتطورات في الوعي القومي عربياً وعالميا، لذا لا يمكننا من الناحية الفعلية أن نحددها مع بزوغ التسمية التي عرفت بها بعد تطورات وتفاعلات في الزمن الذي بدأت به بالعمل الفعلي كحركة.

 

توالى المستعمرون على الوطن العربي فبعد أن كان معظمه يقع تحت وطأة الاستعمار التركي العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وسع الاستعمار الغربي من انتشاره منذ ذلك التاريخ حتى وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. فمن فرنسا وبريطانيا في المشرق العربي إلى فرنسا وإيطاليا في المغرب العربي، بحيث لم يبق شبر من الأرض العربية حراً مستقلا ولم يرزح تحت نير استعمار ما بشكل مباشر أو غير مباشر، وربما تأتى عن ذلك فائدة ساهمت في تحريك الوعي القومي العربي، وإن كان في مناطق معينة من الوطن العربي كان وعياً وطنياً محلياً وقد يكون مناهضاً للعروبة، أي وعي أهمية الوحدة العربية في جميع مجالات الحياة وأهمها مناهضة الاستعمارين المباشر والغير مباشر.

 

فمن المآسي التي عاناها العرب تحت نير الاستعمار الشرقي والغربي، إلى الأفكار التي أتى بها والتجارب التي خبرتها أوروبا، تطور الفكر القومي العربي رويداً حتى نكبتنا في فلسطين.

 

ومن أهم العوامل التي أطلقت القومية العربية في ظل الاستعمار العثماني:

       كتب باسل الكبيسي في أطروحته للدكتوراه، "يعود نشوء الوعي القومي في الأقاليم العربية التي كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية إلى عوامل عدة أهمها: أولاً: حالة التدهور والتفتت التي عانت منها الإمبراطورية العثمانية والتي أدت، في وقت لاحق، إلى تجزئتها. فقد كان لانتصار القومية في البلقان أثره على رعايا السلطان في الأقاليم العربية وخاصة في أوساط المسيحيين..." (1) والمعروف أن الأوساط المتنورة  تلقفت هذه الصحوة بشغف وشوق إلى التحرر والاستقلال.

 

       فشل الحركات التقدمية التي أراد كل من السلطانين العثمانيين سليم الثالث ومحمود الثاني ومحمد علي التي قامت لتواجه القوى التقدمية العصرية. ولكن الضباط وطلاب الكلية الحربية من عرب وغير عرب أخذوا من أساتذتهم الأوروبيين ليس فقط الأساليب الفنية العسكرية الجديدة في صناعة الحرب، بل الأفكار السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية التي تأسست عليها النهضة الأوروبية الحديثة.

 

       وكانت لحملة نابليون واحتلاله لمصر نتائج ايجابية في معظم نواحي الحياة ومن أهمها الثقافة الحديثة، الشيء الذي أدى عبر تطويرها نشوء الصحافة الحديثة وما نتج عنها من الرغبة في التعلم. كما كان للإرساليات الأجنبية من أمريكية وفرنسية وبريطانية وغيرها وبشكل خاص افتتاحها المدارس والجامعات، والتنافس فيما بينها إلى إفساح المجال للتنور العلمي والمعرفي، وما تلاه من الوعي الاستقلالي والقومي. ولا شك أن أهم هذه المساهمات هي لجوء هذه الإرساليات إلى التدريس باللغة العربية إحدى أهم عوامل الوعي القومي العربي.

 

 

       وكان من نتائج تطور وتحديث التربية والتعليم نشوء فئة متنورة علمياً ووطنياً وسياسياً ومن ثم ثقافياً، تأسيس وإقامة النوادي والجمعيات الثقافية والسياسية من علنية وسرية، ولا شك أن ذلك أدى إلى التفاعل بين المثقفين ومن ثم تبادلهم الآراء وتفاعلهم مع بعضهم البعض، الذي أدى إلى الوعي بأن هناك فوارق بين الشعب الحاكم، المستعمر، وشعوب هذه الإمبراطورية، المحكومة والمستعمرة. وأدى الوعي لهذه الفوارق نشوء وعي قومي وما يترتب عليه من نتائج ثورية وتوسيع قاعدته شعبيا، بعد أن كانت محصورة بين نخبة متعلمة أتيحت لها الظروف المناسبة. ولا بد لنا في هذا المجال ونحن ندرس هذه العوامل التاريخية أن نشير إلى أن الاتجاه القومي قد واجه عوائق أهمها الاتجاه الديني الذي كانت نسبة كبيرة من الداعين إلية يتمسكون بالإمبراطورية العثمانية على أنها دولة الخلافة الإسلامية.

       ولا بد من الإشارة إلى أن الإمبراطورية العثمانية، والتي تلبست عباءة الخلافة الإسلامية، قد فرقت إلى جانب تفرقتها بين القوميات التي رزحت تحت سيطرتها، فرقت أيضاً بين رعاياها على أساس المعتقد الديني. ولا شك أن ذلك أدى إلى شعور الرعايا المسيحيين بوطأة هذه التفرقة، وبشكل خاص لكون عدد منهم سنحت لهم الفرص ليدخلوا المدارس والجامعات، ومن ثم الانفتاح على الثقافة الغربية. وأدى ذلك إلى احتكاكهم وتشربهم  المبادئ القومية التي  تفاعلت وبنت  الكيانات الأوروبية القومية.

 

ومع نهاية الاستعمار التركي وقبله، بدأ العرب يتطلعون إلى الاستقلال والانضواء تحت راية الدولة العربية الموحدة، خصوصاً أن الاستعمار الغربي وبشكل خاص البريطاني، الذي أراد أن يكسب تأييدهم ودفعهم للثورة ضد الدولة العثمانية، أخد يعدهم بالاستقلال والوحدة. وهذا ما زاد من تأجج الوعي القومي العربي في قلوبهم وعقولهم. ومع تبخر الآمال بالاستقلال ورزوح الوطن العربي بعد أن تقاسمته الدول الاستعمارية الغربية بعد الإمعان في تجزئته وشرذمته إلى دويلات، ومن ثم تنبه العرب إلى المؤامرة التي حاكها الاستعمار الجديد، أي غرس استعمار إحلالي صهيوني في أرض فلسطين. فتوالت الثورات والحركات الاستقلالية نتيجة للوعي القومي للأخطار التي واجهت كل الأمة العربية، وبشكل خاص عرب فلسطين. تبنى عرب فلسطين، التي فرض عليها "الانتداب" البريطاني بهدف تسليمها تدريجياً إلى الصهاينة عندما يكتمل عددهم وتزداد قوتهم، تبنى عرب فلسطين علم الثورة العربية كعلم لهم ولم يبتدعوا علما خاصاً بهم، ولا شك أن ذلك نابع من شعورهم بالروابط القومية العربية خصوصاً وعيهم للخطر الصهيوني الداهم، وبذا يجب مواجهته متكافلين متضامنين مع باقي أمتهم العربية. ومن يعرف فلسطين تحت الاستعمار البريطاني لا بد أنه لاحظ ارتباط الشعب العربي في فلسطين بقوميته العربية، وكم من المؤسسات على جميع أشكالها حملت من ضمن اسمها "الأمة العربية"، ولهذا مدلوله.

 

ومع أن الاستعمار الغربي اضطر تحت الضغط الجماهيري والأوضاع التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية إلى التخلي عن احتلاله المباشر في الدويلات العربية التي أسسها، ولكنه ترك ورائه فئات حاكمة مرتهنة له لم يكن حكمها أقل سوئاً من الحكم الاستعماري المباشر، خصوصاً أن أكثريتها تآمرت مع الاستعمار والصهيونية خلال المعركة ضد الاجتياح الصهيوني لفلسطين. وفي هذا المجال كتب الدكتور سعد مهدي شلاش في أطروحته وفي حديثه عن الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 1939، "أما الموقف العربي الرسمي، فقد كان يغط في نوم عميق، وبعد مرور أربعة أشهر على الإضراب، قام المندوب السامي (في العراق) بتكليف نوري السعيد، وزير خارجية العراق آنذاك، بالوساطة بين الفريقين المتصارعين، فجاء السعيد إلى فلسطين وحل ضيفاً على المندوب السامي (البريطاني في فلسطين) وأخذ يجتمع باللجنة العربية العليا، وكان الهدف الذي يرمي إليه الوسيط هو أن تقبل اللجنة العربية العليا الوساطة، فتدعو إلى وقف الإضراب والثورة مقابل بعض الوعود، ووافقت اللجنة العليا على الوساطة التي أقنعها نوري السعيد بقبول المبدأ الدبلوماسي، وبعد أسابيع قليلة، وردت برقية من الملك عبد العزيز آل سعود جاء فيه أن الحكومة البريطانية وافقت على أن يوجه ملوك وأمراء العرب نداء إلى الشعب الفلسطيني بوقف الإضراب استعداداً للنظر في مقترحاتهم، وأنها أي بريطانيا، لا تستطيع بأن تعد بأي وعد قبل إنهاء الإضراب والثورة. ومع تقدم الثورة، ازداد وضع القوات البريطانية حرجاً مما اضطر المندوب السامي البريطاني في فلسطين إلى مطالبة الأمير عبد الله حاكم شرق الأردن، والملك عبد العزيز آل سعود للتدخل لتصفية الثورة. فسارع الزعماء العرب: الملك عبد العزيز، والأمير عبد الله، والملك غازي بن الفيصل الأول ملك العراق، والإمام يحيى ملك اليمن، إلى إصدار بيان في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1936 ناشدوا فيه عرب فلسطين الإخلاد والسكينة حقناً للدماء، معتمدين على حسن نيات صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها الشديدة في العدل"*(2) (!!!). هؤلاء هم الحكام العرب المفروض بأنهم يرئسون دولاً عربية مستقلة، الاعتماد على حسن نيات صديقتهم، وحامية حماهم الحكومة البريطانية، ورغبتها الشديدة بتحقيق العدل، أي تسليم فلسطين على طبق من الذهب العربي إلى الحركة الصهيونية.

 

وحلت النكبة وكانت لها تداعيات جذرية، التي تركت أثرها الفعال على الحياة العربية وبشكل خاص على الجيل الطالع، الطلاب الذين أتيحت لهم فرص التلاقي والتفاعل مع زملاء لهم من أكثر أجزاء الوطن العربي. وفي ظل تداعيات النكبة تبلور وعي عميق بين هؤلاء لضرورة العمل العربي المشترك في سبيل تحقيق وحدة عربية ستكون الرد الفعال على التجزئة العربية، والفئات العربية الحاكمة التي ساهمت بحدوث الهزيمة، وغسل عار ضياع فلسطين.

 

وكانت الجامعة الأمريكية في بيروت المحيط المثالي لهذا التفاعل والتناغم ومن ثم العمل لنشوء حركة وإن كانت طلابية، قامت بها مجموعة من الطلاب والطالبات العرب أكثريتهم من الطبقة الوسطى وإن كان بينهم من كان من أبناء الطبقة الثرية. ومع أنها، كما قلنا، كانت حركة طلابية في نشأتها لكنها تطورت لتصبح من أكثر الحركات القومية فعالية والتي قيض لها أن تصبح من أكثرها انتشاراً في العديد من أقطار الوطن العربي.

 

لم تنشأ هذه الحركة من فراغ، ولا كانت نتيجة فورة آنية للنكبة، وإن سرعت بانطلاقتها، فقد كان لها جذور أكثر عمقاً وأقدم من تاريخ قيامها. وفي هذا المجال كتب هاني الهندي وعبد الإله النصراوي، "أما عن لبنان، فإن للفكرة، القومية العربية جذوراً هي الأعمق والأقدم في بلدان المشرق العربي منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وكان دعاة العروبة غالبيتهم من المسيحيين العرب عند نشأة الوعي العربي. وقد قدم المفكر القومي الكبير، ساطع ألحصري تفسيراً لهذه الظاهرة..." (3)

 

وبعد أن يتحدث الهندي والنصراوي عن الجيل الأقدم، من الذين شددوا على عروبة لبنان، أي عازوري والريحاني والعريسي والمحمصاني والفاخوري، ينتقلان إلى الحديث عن مجموعتين من المثقفين العروبيين في أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن العشرين الذين كانوا ممن يمكن اعتبارهم من القريبين من محيط الجامعة الأمريكية في بيروت، فيقولان، "وتشكلت الأولى من مجموعة من الأساتذة الجامعيين كان الأبرز بينهم قسطنطين زريق وفؤاد مفرج، فيما تألفت الثانية من نشطاء سياسيين..."(4)  (ولا شك في أن الدكتور زريق وإن لم ينتم بشكل رسمي إلى تنظيم سياسي أو حركي، إلا أنه بدون شك من الذين ساهموا عن طريق الإرشاد والتثقيف في نشوء "حركة القوميين العرب" التي كان مسقط رأسها الجامعة الأمريكية في بيروت وإن لم ترعها أو تتبناها.

 

ويتابع الهندي والنصراوي، " ومن المفيد أن يشار هنا إلى أن الجامعة الأمريكية في بيروت عرفت في الثلاثينيات نشاطات سياسية لتيارات مختلفة... فيما نشط القوميون العرب عن طريق عناصر طلابية نظمها زريق، وتشكلت منهم حلقات تتدارس مبادئ وأفكار قومية كانت في جوهرها تعتمد على "الكتاب الأحمر" وعلى محاضرات أعدها زريق". (5)

 

ويتحدثان عن جمعية العروة الوثقى التي تأسست في الجامعة عام 1919. ولكن كما هو معروف أنها في نشأتها وعبر سنين من عمرها كانت نشاطاتها تقتصر على النواحي الثقافية وغير السياسية ولا العقائدية.

 

وفي الثلاثينيات نشطت مجموعة من الطلاب القوميين العرب تخرجوا من الجامعة فيما بين 1940 و 1942 أتوا من لبنان وفلسطين وسوريا وقد شارك بعضهم  كما يقول الهندي والنصراوي، "شاركوا وغيرهم في التحركات الطلابية الواسعة عند اندلاع الحرب العراقية البريطانية في أيار 1941، بل ذهب بعضهم متطوعاً بقصد المشاركة في الحرب مع المتطوعين العرب الذين هبوا لنصرة العراق" (6)

 

تجمد نشاط الطلاب العرب مع بدء الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1943 عندما نال كل من لبنان وسوريا استقلالهما فعاودت جمعية العروة الوثقى النشاط، ويقول الهندي والنصراوي، "مارس طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت نشاطاً سياسياً مباشراً... وكانت 'جمعية لعروة الوثقى' في مقدمة المجموعات الطلابية الفاعلة، وقد تحسن مستوى العمل القومي بعودة زريق إلى الجامعة في خريف 1947 وانتعشت عناصر هذا التنظيم   واتخذت 'العروة الوثقى' واجهة علنية للعمل القومي العربي. وعرفت تلك المرحلة طلاباً نشيطين في العروة خاصة مثل: محمد يوسف نجم ومعتوق الأسمر وجورج حبش وتوفيق شخشير وأحمد اليشرطي وعصمت ألصفدي (فلسطين) وعلي منكو  (الأردن) وياسين مغبر ونجم الدين ألرفاعي وإدمون إلباوي وناجي ضلي وهاني الهندي (سورية) وعاصم الشيخ وسامي جبر (لبنان) وعبد الجبار هداوي وطارق الخضري وأحمد الملاح وهادي الصراف (العراق) وأحمد الخطيب (الكويت) وعمر السقاف وزياد الشواف (السعودية) وغيرهم."(7) . وهذا ما يبرهن على وجود خامات شبابية مؤهلة لقيادة العمل القومي العربي عبر المشرق العربي وإن كان هذا الوعي والنشاط محصور في أكثره بين النخبة من الشباب المثقف...

 

ويتحدث الكبيسي عن نتائج النكبة في تطوير الوعي القومي، "تحكمت ثلاثة عوامل سياسية في تطور الأحداث في المشرق العربي بعد تقسيم فلسطين. وكان أول هذه القواسم المعارضة الشديدة التي أبدتها الجماهير العربية لقيام دولة إسرائيل. وقد عبرت هذه المعارضة عن نفسها بالعداء المتزايد للغرب، ذلك العداء الذي اتخذ، بشكل إجمالي، صورة سلبية غير نشطة وإن كان قد أفصح عن نفسه بين حين وآخر، بمظاهرات معادية للغرب طافت شوارع المدن الرئيسية. أما العامل الثاني فتمثل  في الاضمحلال التدريجي لنفوذ الصفوة الحاكمة التي  لم تقم بأي دور فعال خلال الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948. أما العامل الثالث فكان في نشوء حركة جديدة وواعية تقوم على أساس تصميم الشباب العربي وتحركه لمواجهة التحدي". (8)

 

سبق قيام "حركة القوميين العرب" منظمة "كتائب الفداء العربي" التي أصبح بعض أعضائها الأساسيين من القادة البارزين للحركة التي ظهرت إلى الوجود بعد الكتائب. وفي هذا المجال يقول الشهيد الكبيسي الذي اغتاله عملاء الموساد الصهيوني في باريس في 6/4/1973، بينما كان في مهمة كلفته بها "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وهي جزء من الحركة. كتب باسل الكبيسي، "بالرغم من نفي قيام 'حركة القوميين العرب'  وجود أي علاقة لها ب,كتائب الفداء العربي, فإن ثمة دلائل كافية في كتابات الأعضاء السابقين والمنافسين السياسيين تثبت وجود علاقة بين المنظمتين. والواقع أنه من غير الممكن إنكار تأثير ،كتائب الفداء العربي، على البناء التنظيمي وعلى فكر ،حركة القوميين العرب، وخاصة خلال تكوينها. ويكفي أن نعرف أن كلاً من هاني الهندي وجورج حبش القائدان البارزان في ،حركة القوميين العرب، جذرا ل،حركة القوميين العرب، أو مجرد حقل تجارب لعمل قادة الحركة في المستقبل فأمر قليل الأهمية". (9)

 

كان جورج حبش، الطالب في السنة النهائية في كلية الطب في الجامعة الأمريكية، هو اللولب من بين مجموعة نشطة من طلاب الجامعة الذين يتماثلون في الأفكار والعقيدة القومية حجر الزاوية في بناء الحركة، التي وجدت، كما قلنا بجمعية العروة الوثقى الواجهة لعمل سري عقائدي قومي عربي. كتب الهندي والنصراوي، "لقد كان تعامل حبش وتفاعله السياسي والفكري مع أعضاء الهيئة الإدارية للعروة مفيداً وعميقاً ومؤثراً، إذ كان هؤلاء يلتقون ويتحاورون ويتساءلون عن العمل المطلوب بعد أن وقعت كارثة فلسطين وما ظهر من ضعف وعجز، بل انهيار عام أمام التحدي الصهيوني، وضرورة مواجهة ذلك.ونتيجة تلك التفاعلات العميقة والجادة قام تفاهم وانسجام بين أحمد الخطيب (الكويت) وديع حداد (فلسطين) صالح شبل (فلسطين) وحامد جبوري (العراق)، وكانوا من أعضاء الهيئة الإدارية للعروة الوثقى.

ومن هذه المجموعة الطلابية تشكلت نواة لبداية عمل قومي جديد". (10) وهنا يتساءل المؤلفان وهما أعلم من يؤكد بأنه لم تكن هذه المجموعة موقف فكري متبلور وناضج، ونحن لا نجد في ذلك لا غرابة ولا ما يعيب الحركة، فهم مجرد مجموعة من الطلاب اجتمعوا وتفاهموا على عمل مشترك في طور التأسيس والبلورة. لقد كانوا كما يقول الهندي والنصراوي، "كان عند هذه المجموعة الطلابية حماس وشعور عميق، بل واندفاع حار للعمل. العمل لتوحيد الأمة لتحمي نفسها وبقائها. وإن تحقيق الوحدة لا يتم ولا يتحقق من غير عمل وجهد وسعي حثيث ومتواصل. كانت هناك رغبة صادقة بوجوب العمل لتحقيق أهدافنا. كان هناك شوق شديد لزيادة معارفنا وثقافتنا القومية والسياسية لأن النجاح يتطلب الوعي والإدراك.... ومن هنا كان الاتفاق على اجتماع أسبوعي... بدأت الحلقة بخمسة أعضاء ثم ازداد العدد بشكل تدريجي ومتأن". (11)

 

ويتابع الكاتبان، "وشدد هؤلاء على اختيار طريق النضال العقائدي المتسم بصلابة الإرادة والصبر على المكارة والتصميم على الالتزام بمبادئ العقيدة وأخلاقيات النضال..." (12)

 

العمل القومي لم يكن محصوراً بالعروة الوثقى التي انطلقت منها هذه المجموعة في نطاق الجامعة الأمريكية على المستوى الجامعي بل كانت هناك مجموعة بدأت العمل في القسم الإستعدادي (الثانوي) التابع للجامعة والملاصق له. وقد كتب الهندي والنصراوي تحت عنوان "منظمة العروبة" ما يلي، "أسس عدد من طلاب الثانوية العامة التابعة للجامعة منظمة سرية في أوائل عام 1950... ويقول ثابت ثابت المهايني في رسالة له لزميل سابق في تلك المجموعة: إن الاجتماع التأسيسي قد تم في مكتب الكشاف في الثانوية بحضور خليل مكاوي وفاروق فاخوري ومعن كرامي وعلي فخرو وماجد جشي وفاروق بربير وأديب قعوار وأسامة عانوتي ومأمون الدندشي وثابت مهايني...وأوضح أنه لم يكن لهذه المجموعة أي دستور أو برنامج مكتوب، كما لم يلتزم أعضائها باجتماعات منتظمة. (*) فقد كانت المنظمة تنشط في مناسبات سياسية معينة وكرد فعل لنشاطات الآخرين."(13)

 

ويتابع الكاتبان، "في ربيع 1951 بدأت علاقة بين حبش والمهايني، حيث مثل الأول ،الحلقة الثقافية، والثاني ،منظمة العروبة، وتطورت العلاقة بين المجموعتين وكلف المهايني وأديب قعوار بتمثيل ،المنظمة، في الاجتماعات الأسبوعية ل،الحلقة الثقافية،. وكان التفاعل ايجابياً وبناءً. وتقدم المهايني باقتراحات لزملائه بأن يعاد النظر في أسلوب عملهم، فكان الاتفاق على أن يلجأ إلى أسلوب التنظيم الهرمي، ثم أن يمتد العمل التنظيمي إلى خارج الجامعة متوجهاً إلى الثانويات الأخرى، وخاصة المقاصد... كانت هذه الاجتماعات مفيدة جداً لتعارف المجموعتين وازدياد ترابط أعضائهما. وقد تعمق التفاعل وتوثقت العلاقات، إلا أن الاندماج لم يتم إلا بعد المظاهرة الطلابية الكبيرة التي نظمتها جمعية العروة الوثقى في أواخر تشرين الأول 1951". (14).

 

الانتشار في الوطن العربي

 لن نتوسع في هذه المراجعة إلى مرحلة ما بعد التأسيس والانتشار الواسع الذي حققته الحركة في أجزاء عديدة في المشرق العربي، ومن أهمها التوسع في لبنان ذاته، فإلى سوريا والأردن وفلسطين والعراق  الذي لاقت فيه الحركة انتشاراً بين فئات عديدة من أبناء الشعب العربي في العراق من أهمها المعلمين وصغار الموظفين، وبعض مناطق شبه الجزيرة العربية، وبشكل خاص الكويت التي كان الفضل في ذلك للدكتور أحمد الخطيب الذي عاد إلى الكويت بعد تخرجه من الجامعة وتمكن من تأليف كتلة برلمانية تتألف من 13 نائباً من أصل 40 نائباً هم مجموع أعضائه، وساهم الطلبة المطرودين من الجامعة الأمريكية نتيجة نشاطاتهم الحركية في تأسيس خلايا للحركة في مصر...

انضم إلى الحركة عدد كبير من الشباب الذي ساهموا في قوتها وانتشارها والذين تبوؤوا مراكز بارزة في مختلف نواحي الحياة والنشاطات ومنهم المرحوم أبو رامي، رفعت النمر...

 

أسم الحركة

كتب شلاش، "أنظر فؤاد مطر، حكيم الثورة قصة حياة الدكتور جورج حبش، ، ط 4  (لندن: منشورات هاي لايت، 1984) ص 43، حيث يذكر جورج حبش: إن تسمية الحركة لم تتخذ بقرار وحتى قبل عام 1956، وكان اسم ،حركة القوميين العرب، يستعمل في معظم النشرات التي تصدرها، وكان ذلك يحدث بالعفوية، ولكن بعد المؤتمر الأول عام 1959 قررنا إجراء استفتاء في قواعد الحركة،فأقرت الأغلبية مبدأ استمرار العمل تحت اسم ،حركة القوميين العرب،. وبعد هذا الاستفتاء انتهى النقاش في مسألة التسمية، إلا ما نوه به حبش فيما يخص التسمية يتنافى مع اغلب المصادر بهذا الخصوص، فقد أجمعت غالبية المصادر على ألتسمية حركة القوميين العرب كانت بعد ثورة 14 تموز/آب 1958 في العراق عندما أرسلت القيادة القومية للحركة أحد قادتها، وهو هاني الهندي، فتم اختيار اسم ،حركة القوميين العرب،  بدلاً من الشباب القومي العربي (الاستقلالية) باعتبار أن القوميين العرب خط من حزب الاستقلال. ومن هنا جاء الاقتصار الرمزي للقوميين العرب ب(الحركة) والذي أول ما استخدم في العراق". (14)

 

 

 

-----------------------------------------------------------------------

(1)              الدكتور باسل الكبيسي، "حركة القوميين العرب" ص 21 - 22

(2)              الدكتور سعد مهدي شلاش، "حركت القوميين العرب، ودورها في التطورات السياسية في العراق، 1958- 1966" ص 28

(3)              هاني الهندي وعبد الإله النصراوي، "حركة القوميين العرب نشأتها وتطورها عبر وثائقها" ص. 35

(4)              المصدر نفسه ص. 36

(5)              المصدر نفسه ص. 37

(6)              المصدر نفسه ص. 37

(7)              المصدر نفسه ص. 38 39   

(8)              الكبيسي ص. 40  

(9)              المصدر نفسه ص. 41

(10)         الهندي والنصراوي، ص. 79

(11)         المصدر ذاته ص. 80 

(12)         المصدر ذاته ص. 82  

(13)         المصدر ذاته ص. 85-86

 (*)    أصحح بأنه كان للمنظمة لجنة إدارية تنتخب دورياً وكانت تعقد اجتماعات بعد ظهر كل يوم سبت دورياً في بيت أحد أعضاءها، وكانت أول لجنة تضم كما أذكر خليل مكاوي، فاروق فاخوري، ثابت المهايني وأديب قعوار... 

(14)   شلاش ص. 48 - 49