يمكننا أن نرقص على جراح شعبنا!! -

الدكتور عدنان بكريه / فلسطين الداخل

تستعد الدوائر الحكومية الإسرائيلية إحياء الذكرى الستين "للاستقلال" بمراسيم استثنائية خاصة وشاملة وقد طلبت وزارة المعارف من المدارس العربية لفلسطينيي أل 48 التهيؤ لإحياء هذه الذكرى بمظاهر احتفالية مميزة !!وتخصيص دروس لشرح وافي عن قادة الحركة الصهيونية الذين كان لهم الدور الكبير في قيام الدولة !!

وللأمانة التاريخية يتوجب عرض الوقائع كاملة أمام الطلاب العرب والمجتمع الإسرائيلي عامة وعدم إتباع سياسة تجهيل وتغريب من خلال تناول هذه الذكرى من الجانب الذي يخدم السياسة الاحتلالية والفكر الصهيوني وينتقص من الحق الفلسطيني ..يتوجب طرح خلفيات هذه المناسبة بالشكل الحقيقي والكافي والذي يخدم التاريخ دون زيادة أو نقصان..ودون تزييف للوقائع كما تعودنا .

في هذه المناسبة وعلى الطرف الآخر يحيي شعبنا الفلسطيني ذكرى النكبة بالدموع والحنين إلى العودة والاستقرار بدلا من أن يحتفل هو الآخر بإقامة دولته المستقلة.. على الطرف الآخر يقف الفلسطيني متأملا بتاريخه المليء بالمآسي متمسكا بحقه في العيش كباقي الشعوب على ترابه الوطني وفي إطار دولته المستقلة.

من الصعب على الفلسطيني أن يحول الحزن إلى فرح والبكاء إلى غناء... لأن الفرح والحزن حالتان لا تأتيان بإذن وتصاريح وإلزام من أحد !!.. لا يمكننا أن نرقص ونفرح ونطلق الأناشيد الاحتفالية !! وكأننا نعيش في عالم آخر ولسنا جزءا من المأساة الفلسطينية ومن شعب ما زال يناضل لنيل استقلاله الوطني على ارض آبائه وأجداده... لسنا جزءا من مأساة تتفاقم كل يوم ومن حزن استوطن القلب والعقل... نحن جزء من حنين اللاجئ وبكاء الطفل ونواح الثاكل !هذه حقيقة لا يمكن لأي كان تجاهلها !أما الحقيقة الثانية : ليس سهلا على العربي الذي يرى شعبه يقتل كل يوم أن يرقص فرحا وتهليلا بهذه المناسبة وليس صعبا على الدوائر الرسمية احترام مشاعرنا واعتبارنا حالة خاصة لتعفينا من هذا الهم الذي يوقد فينا مشاعر الحزن على فقدان شعبنا وطنه وأرضه وسبل حياته الكريمة

يقول أحد المربين المعروفين في الشمال: "كيف سأدرس مثل هذه المواد للأولاد، وزارة المعارف تضع المربين في وضع مخز أمام الطالب وأمام أهله ونفسه"، ويكمل "هذا صعب علي جدًا بأن أفرح في اليوم الذي يعتبر من أصعب ألأيام بالنسبة لي، نصف عائلتي هجرت، وهنالك من قتل منهم، ويريدونني أن أحتفل باستقلال دولة إسرائيل، ونعرض إنجازات قادتها في يوم نكبتنا !!

نحن لم ولن نرقص على جراح شعبنا المشرد...آن الأوان لأن تفهم حكومة إسرائيل بأننا قطرة من الدم الفلسطيني النازف وجزء من الجرح الفلسطيني الراعف ... ولن تنجح كل المحاولات في فصلنا عن قضية شعبنا .

الفلسطينيون يفتقدون من يشاركهم (آلام النكبة وأحزانها) في نفس الوقت أبدى عدد من قادة دول العالم استعدادهم للحضور إلى إسرائيل وتقديم التهاني بمناسبة ذكرى الاستقلال وعلى رأسهم جورج بوش والرئيس السابق كلينتون .. كنا نتمنى حضورهم وفي جعبتهم قرارات تاريخية تضع حدا للصراع الدامي والدائم في المنطقة..تضع حدا للاحتلال والسيطرة !وتنصف شعبا مشردا في أصقاع الأرض .

دول العالم مجتمعة تتحمل المسؤولية الكاملة عن نكبة شعبنا الفلسطيني كونها تغاضت عن تشريد شعب بأكمله ولم تسعى إلى إجبار الأطراف المعنية بالالتزام بقرارات دولية اتخذت بهذا الخصوص ..كنا نتمنى أن تحل الذكرى الستين لنكبة شعبنا وقد لاح في الأفق بوادر حل دائم وشامل للصراع العربي الإسرائيلي !!

كنا نتمنى أن تحل الذكرى الستين للنكبة وقد زالت آثار النكبة وانعكاساتها عن شعبنا الفلسطيني..لكننا ومع الأسف نعيش نكبة جديدة بكل ترتيباتها وكواليسها ...نكبة الالتفاف على الحق الفلسطيني والتنكر له ...نكبة الاستمرار في احتلال أراضي الغير ..نكبة حصار أطفال غزة وحرمانهم من أدنى سبل العيش الكريم ...نكبة الانقسام الفلسطيني الداخلي الذي يضيف مأساة جديدة إلى التاريخ الفلسطيني.

النكبة ما زالت ماثلة في وجدان وذاكرة الانسان الفلسطيني ولا يمكن محوها بمظاهر الابتهاج والتهليل والرقص وقبل أن تطلب الحكومة من الطلاب العرب ترتيب الفعاليات الخاصة المميزة بهذه المناسبة ،عليها أن تسعى إلى إلغاء الغبن والتمييز الذي يطال الطالب العربي والمدارس العربية ...عليها أن تسعى إلى مساواتنا وقبل هذا كله عليها أن تنهي ستة عقود من الصراع والاحتلال والحروب الدامية...عليها أن تنسحب من الأراضي المحتلة حتى يتمكن شعبنا من إقامة دولته المستقلة...دون ذالك ستبقى النكبة ماثلة بكل إسقاطاتها السياسية والإنسانية !

إن ما هو مطلوب من العقلاء الذين تعز عليهم كل قطرة دم تراق في هذا الشرق جعل يوم الذكرى الستين للاستقلال يوما لإنهاء الاحتلال...يوما لإعلان الاستقلال الفلسطيني في إطار دولة مستقلة...يوما للمصالحة التاريخية الحقيقية بين أطراف الصراع وعلى أساس إنهاء الاحتلال وسيطرة شعب على شعب آخر !

حقيقة أننا نعيش ومخاطر نكبة جديدة تلازمنا وتخيفنا.. فتصريحات قادة الدولة المتعددة التي تتعرض لوضعيتنا ووجودنا هنا تضع أمامنا ألف علامة استفهام ! هل ستتكرر النكبة ؟! وهل ستنتهي احتفالات الذكرى الستين للاستقلال بتصريحات وتهديدات جديدة تتعرض لوجودنا هنا ؟!

وسؤال مطروح أمام القيادة الفلسطينية .. هل سينتهي الصراع الفلسطيني الداخلي مع انتهاء ستة عقود على نكبة شعبنا ؟!فلتستخلص العبر من التاريخ ولتكن ذكرى النكبة الفلسطينية نقطة التحول نحو صياغة أسس الوحدة الوطنية.

13 /4 /2008