يافا ودلالات إحيائها يوم الأرض
02-04-2008
يتمايز البشر أفرادا وجماعات ، بكفاءة قراءة ماضيهم وتبين نقاط القوة والضعف في
مسيرتهم . لأن معرفة الماضي شرط إدراك معطيات الحاضر إدراكا يؤسس لاستشراف المستقبل
بالقدر الأكبر من وضوح الرؤية . وعلى مدى التاريخ الإنساني كان وعي الشعوب لتاريخها
واعتزازها بصفحاته المشرقة عاملا أساسيا لشعورها بالثقة على تقديم الاستجابة
الفاعلة للتحديات . ويذكر أنه في مواجهة زحف القوات الألمانية على روسيا لجأ ستالين
لتذكير الروس بأمجاد القياصرة العظام ليستثير حميتهم . ومن هنا تدرك خطورة الدعوات
المتوالية لأن يهتم العرب بالحاضر وينسون ما فات ، كي لا يستلهموا تاريخهم الحافل
بقهر الغزاة ويظلوا أسرى ثقافة الهزيمة في واقع مأزوم .
وشعب فلسطين لا يتميز فقط بانتمائه لأمة غنية الموروث الحضاري ، وإنما أيضا بكونه
في مقدمة الشعوب المعاصرة التي فرضت ذاتها على التاريخ . إذ على مدى القرن العشرين
كان صموده الأسطوري وامتناع إرادته في المقاومة على الاستلاب موضوع اهتمام صناع
القرار وأجهزة الإعلام دوليا وإقليميا . وليس ينكر أن نخبه الفكرية والسياسية لم
تتوصل بعد لصياغة الاستراتيجية العامة والدائمة لإدارة الصراع مع التحالف
الاستعماري الصهيوني . إلا أنه منذ تصدى فلاحو الخضيرة دفاعا عن أراضيهم لمستوطني "
بتاح تكفاه " سنة 1886 شكل رفض جماهير شعب فلسطين القبول بالأمر الواقع ،
واستعدادها لتحمل تبعات الصمود والمقاومة ، ورفض التفريط بالثوابت الوطنية ،
والمساومة على حقوقها المشروعة مضمون استجابتها العفوية للتحدي الاستعماري –
الصهيوني .
وعلى مدى السنوات الممتدة منذ ذلك اليوم التاريخي كان الاستشهاد دفاعا عن الأرض
أبرز معالم الحراك الوطني الفلسطيني . ويظل يوم شهداء سخنين الستة في 29/3/1976 بين
أهم أيام الاستشهاد العربي على كثرتها ، لوقوعه في الأرض المحتلة سنة 1948 برغم ما
تعرض له مواطنوها العرب من ضغوط استهدفت تطويع إرادتهم .
ولقد تعددت مواطن إحياء الذكرى الثانية والثلاثين ليوم الأرض هذا العام في فلسطين
المحتلة وفي الشتات العربي والدولي . ما يدل دلالة جلية على حيوية الذاكرة الجمعية
للشعب العربي الفلسطيني ووعي نخبه وجمهوره لتاريخه وحرصهم على إظهار صحائفه المشرقة
. فضلا عن أن في اتساع دائرة إحياء يوم الأرض مؤشرا على سعة إطار المؤمنين
بالممانعة والمقاومة خيارا استراتيجيا . وبالتبعية محدودية تأثير ثقافة الهزيمة
وعبثية التزامات من أدمنوا تقديم التنازلات .
فضلا عن أن زحف الآلاف ، ذكورا وإناثا شيبا وشبانا ، من الجليل والمثلث وحتى النقب
إلى يافا لإحياء يوم الأرض في البلد التي كانت عروس المتوسط قبل أن يحتلها تتار
العصر يوم 26/4/1948 ، أكثر من دلالة ، ذات أبعاد تاريخية وأخرى مستقبلية للمكانة
التي تحتلها يافا في تاريخ فلسطين ، ومؤشرات استعادتها تألقها الوطني على التطور
الكيفي في واقع عرب الأرض المحتلة سنة 1948 ودورهم في حاضر ومستقبل الصراع الممتد
مع التحالف الاستعماري الصهيوني .
فلقد كانت يافا على مدى قرون إحدى أبرز موانىء المتوسط ، مما جعلها على تواصل
وتفاعل مع مصر ولبنان والعمق العربي ،كما مع جنوبي أوروبا . فضلا عن إنها منذ
السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر غدت والجليل الشرقي أبرز موقعين مستهدفين
بالاستيطان الصهيوني . وبالتالي تميزت بالوعي المبكر على ما يستهدف ارض فلسطين
وشعبها . ففي سنة 1911 تشكل فيها " الحزب الوطني" ، أول حزب عربي في فلسطين . وفي
السنة ذاتها صدرت فيها صحيفة "فلسطين" ، التي شاركت في التوعية على الخطر الصهيوني
مع صحف : الرأي العام والمفيد والحقيقة البيروتية ، والمقطم القاهرية ، والمقتبس
الدمشقية . بعد أن كانت سلطة الاتحاديين الأتراك قد عطلت "الكرمل" التي كانت قد
صدرت في حيفا سنة 1909 ، وتميزت وصاحبها نجيب نصار بالموضوعية والجرأة في فضح تساهل
غلاة الطورانيين الأتراك تجاه الهجرة والاستيطان لالتقائهم مع الصهاينة على معاداة
الحركة القومية العربية الناشئة .
وفي يافا انطلقت أول انتفاضة فلسطينية سنة 1920 ، وفيها وقعت المظاهرة الشعبية
الكبرى سنة 1933 ، التي أصيب فيها شيخ الحركة الوطنية يومذاك موسى كاظم الحسيني
بجراح تسببت بوفاته . وفيها أعلن يوم 20/4/1936 الإضراب على خلفية صدامات اليوم
السابق في مناطق التماس مع تل أبيب ، وتشكلت فيها أول "لجنة قومية" للإشراف على
الإضراب ، لتتبعها القدس باتخاذ قرار وطني بالإضراب العام وتشكيل اللجان القومية في
عموم فلسطين ، ولتتفجر الثورة التي أسقطت مشروع التقسيم الأول الذي طرحته لجنة بيل
سنة 1937 . وما إن بادر الصهاينة بالعدوان غداة صدور توصية الأمم المتحدة بتقسيم
فلسطين بالقرار 181 في 29/11/1947 حتى كان شباب يافا في مقدمة المتصدين للمعتدين .
وتواصلت اشتباكاتهم على مختلف المحاور مع تل أبيب في شمالها ، والمستوطنات في شرقها
وجنوبها ، وتواصل إيقاعهم إصابات مباشرة بالعدو حتى تعذر عليهم المقاومة تحت ضغط
كثافة هجومه منذ مطلع مارس / آذار 1948.
ولأن يافا تميزت تاريخيا بكونها مركز الثقافة العربية الأول في فلسطين ، ومنطلق
الحراك الوطني طوال السنوات السابقة للنكبة ، ولاحتلالها موقعا استراتيجيا في مركز
ثقل التجمع الاستيطاني الصهيوني ، ولما أوقعته بأحياء تل أبيب المجاورة خلال شهور
المقاومة الخمسة التي انتهت باحتلالها . لكل ذلك متفاعلا لقيت من التدمير والتخريب
والإفساد المتعمد ما يفوق ما لقيته بقية نواحي الأرض المحتلة سنة 1948 ، كما أخضع
مواطنوها لتدمير متعمد لمجتمعهم ، وتشويه مبرمج لثقافتهم ، وتغييب مقصود لوعيهم .
ومن هنا تأتي أهمية الإجماع على التقاء الآلاف فيها لإحياء يوم الأرض لإنعاش
ذاكرتها الوطنية واستعادة الوعي بتاريخها . وفي هذا دلالة التحول الكيفي في وعي
وقدرات مواطني الأرض العربية المحتلة سنة 1948 ، وتحولهم إلى قوة فاعلة وجودها في
حد ذاته أبرز عوامل القلق على حاضر ومستقبل الكيان الصهيوني ، كما عبر عن ذلك
المشاركون في مؤتمر هرتسليا الأخير .
وإحياء يوم الأرض في يافا ، حين ينظر إليه مع دور الشيخ رائد صلاح بقيادة التصدي
لأي مساس بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، ومأثرة المطران عطالله حنا في
الدفاع عن أملاك الكنيسة الارثوذكسية في القدس ، يدرك مدى التفريط الذي انطوى عليه
كل من اتفاق اوسلو والمبادرة العربية ، إذ تجاهلا وجود وحقوق مليون وربع مليون
مواطن عربي ، كانوا ، ولا زالوا ، الحراس الأمينين على مقدسات الأمة وحقوقها
المشروعة في ترابها المغتصب .