اكذوبة البداية...اكذوبة النهاية - معن بشور

تعهدت ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش ان تنهي ولايتها بما ابتدأت به من ادعاءات واكاذيب ذات اغراض سياسية مكشوفة تنطوي جميعها في اطار غاية واحدة هي اخضاع دول العالم عموماً، ودول المنطقة خصوصاً، لهيمنتها الكاملة على مختلف المستويات.

فبعد اكذوبة اسلحة الدمار الشامل التي بررت بها واشنطن حربها الاحتلالية على العراق، وتدميرها الشامل لدولته، وسلبها الكامل لموارده، وتحطيمها المتواصل لمقدراته، يطلع علينا البيت الابيض مباشرة، وعبر مستشاره للامن القومي هادلي، ورئيس مخابراته المركزية هايدن، بمعلومات عن تعاون نووي سوري كوري شمالي هدفها الضغط على الدولتين الخارجتين عن نظام الهيمنة الامريكية.

ولكن الفارق بين ظروف الاكذوبتين كبير، فتلك انطلقت فيما الرئيس بوش في بداية عهدهِ، وفيما زخم احداث 11 ايلوي المأساوية في اوجه، وفيما النظام الدولي في ذروة اختلاله لصالح القطبية الاحادية، وفيما الاقتصاد الامريكي بلغ نمواً قياسياً في ناتجه القومي وفائض ميزانيته، وفيما القوات الامريكية في افضل استعدادتها، عدداً وعدة وعتاداً، وفيما الظروف الاقليمية في قمة نضوجها لاستقبال حروب كتلك التي شنتها واشنطن ضد العراق وافغانستان.

أما اليوم، فالرئيس بوش يحقق تراجعاً قياسياً في شعبيته الامريكية، وحربه على الارهاب تتحول الى عكس نتائجها في كل انحاء العالم، والنظام الدولي بدأ في استعادة توازنه على غير مسبوق، والاقتصاد الامريكي مهدد بكساد لم تشهده الدولة الاغنى في العالم من قبل، والقوات الامريكية تعاني من جراح جسيمة في بناها ، وخسائر متصاعدة في عديدها وعدتها، وازمات بنيوية في تكوينها، وتململات في صفوفها، فيما الظروف الاقليمية تواجه تحولات نوعية تتمثل بالصمود الاسطوري في فلسطين، وبالفشل الاسرائيلي غير المسبوق في لبنان، وتفكك العزيمة الاطلسية في افغانستان، وبانقلاب السحر الصومالي على الساحر الاثيوبي في القرن الافريقي، وباتجاهات واضحة وحاسمة باتت تحكم الشارع العربي، بما يوحي بالتأكيد ان اي مغامرة عسكرية امريكية او اسرائيلية لن تكون غير محسوبة النتائج فحسب، بل انها ستكون بمثابة الشرارة التي ستحرق الهشيم الصهيوني والاستعماري في المنطقة الغاضبة المحتقنة.

ومن هنا، فما شهده الكونغرس بالامس من شهادات على وجود مفاعل نووي في سوريا بمساعدة كورية يؤكد ان بوش الابن ماضٍ في لعبة الاثارة التي يحبها حتى النهاية، حتى لو كان الامر برمته كذبة جديدة، فالكذبة الجديدة تنسي الناس الكذبة القديمة، والكذبة الاكثر حدة تجعل من الكذبة الجديدة كذبة قديماً.

واللافت في المسرحية "البوشية" الجديدة انها جرت هذه المرة دون حد ادنى من التنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي يبدو ان مديرها الدكتور محمد البرادعي قد ضاق ذرعاً من استخدام وكالته واجهة "لنزوات" الادارة الامريكية، بل دون توافق حتى مع تل ابيب ذاتها التي لم تعد ترغب في ربط مصير كيانها المأزوم والمهدد في وجوده بسياسات فاشلة لادارة امريكية راحلة.

فما الهدف اذن من شهادات هايدن وهادلي امام الكونغرس؟

ان الهدف الرئيسي يكمن في تحقيق امرين في آن: اولهما موجه الى منطقتنا يسعى من خلاله الى رفع معنويات "الحلفاء" وشد ازر المراهنين، واذكاء اجواء التوتر وادامتها، اي تماماً كحال التهديدات المتلاحقة، والاستعراضات البحرية الحربية، ووضع لوائح باسماء "المغضوب عليهم" من "رب" البيت الابيض.

اما الهدف الثاني فهو تكبيل الرئيس الامريكي المنتخب، ايّاً كان جمهورياً او ديمقراطياً، بملف يقيّد حركته واتصالاته لا سيما مع دمشق التي يتردد ان اطقم السياسة الخارجية للمرشحين الثلاثة للرئاسة الامريكية (اوباما، كلينتون، ماكين) قد اجروا محادثات مع قيادتها في الاسابيع الماضية.

ففي ظل فتح ملف بخطورة "الملف النووي" المزعوم لسوريا، يصبح على الادارة الجديدة ان تبذل جهداً لاغلاقه او لكشف لا صدقيته، او ان تصبح موضع اتهام اذا تجاهلت الامر برمته. وهكذا تكون ادارة بوش والمخططون لها من بقايا المحافظين الجدد، قد انتقموا منذ اللحظة الاولى من المرشحين الذين يتراوحون بين ادانة صريحة لسلوك ادارة بوش كما هو حال اوباما وكلينتون، وبين "ادانة ضمنية" هادئة كما هو حال جون ماكين.

وايّاً تكن الاسباب المتصلة بتوقيت "الشهادتينِ" في الكونغرس، ومدى ارتباطهما بالحديث الامريكي عن "صيف حار" في المنطقة، فان النتيجة المباشرة لهما هي تذكير العرب والمسلمين واحرار العالم بازدواجية المعايير الامريكية ازاء الملف النووي حيث كل الدعم والتشجيع لترسانة اسرائيلية قائمة بالفعل، وحيث التهديد والتهويل لدول "مشتبه" بسعيها للحصول على برامج نووية، كما ان النتيجة السريعة الاخرى هي ارتفاع منسوب الدعم العربي لسوريا خصوصاًِ بعد الاشارات الواضحة التي اعطتها استطلاعات جامعات ومؤسسات بحث امريكية في دول عربية تصف واشنطن حكامها بالاصدقاء.

26/4/2004