مفاوضات حتى النصر!  - د.إبراهيم حمّامي



شد عبّاس مئزره قبل أنابوليس وطار حول العالم داعياً ومهللاً لأنابوليس، وضع شروطه التي لن يحيد عنها: وقف الاستيطان أو تجميده حسب تعابير زمرة أوسلو- جدول أعمال وجدول زمني محدد للمفاوضات في أنابوليس، وتسهيل الحياة للمواطنين في الضفة الغربية، أقسم ومن معه أغلظ الأيمان أنه بدون تلك الشروط لن يذهبوا لأنابوليس، ولن يتفاوضوا، صدقهم البعض وصفق، لكنهم كعادتهم المخزية دائماً ذهبوا مطأطأي الرؤوس، صاغرين أذلاء دون الحصول على أي من "شروطهم" ليخرجوا من أنابوليس كما دخلوها، اللهم التأكيد على انطلاق المفاوضات من جديد وكأنها توقفت يوماً، وليبشرنا غر اعلامهم بمساميرهم الأربعة التي حققوها بذلتهم وصغارهم في محاولة لايهام البعض الذي سبق وأن صفق بأنهم أبطال لا يشق لهم غبار حتى وان تعروا من كل شيء.



المفاوضات التي من المفترض أن تتجدد لم تتوقف يوماً، 14 لقاء علني بين عبّاس وشريكه المتيم أولمرت، وأكثر من 50 لقاء بين قريع وليفني في شقق خاصة بعيداً عن الأنظار، أو ما يسمونها لقاءات سرية، ولقاءات أخرى بين فياض وباراك، غير اللقاءات التي لا نعرف عنها، وقبل وخلال وبعد كل لقاء يستمر نزيف الدم الفلسطيني، وتستمر جرائم الاحتلال وممارساته البشعة، فهذه نقرة والمفاوضات نقرة أخرى لا تتأثر ولو سقط الشعب كله مضرجاً بدمائه، فبالمفاوضات وحدها يتحقق النصر، أليست هي الخيار الاستراتيجي الوحيد على طريق الدولة الفلسطينية المستقلة التي باتت في عهد وحكمة وعبقرية عبّاس قاب قوسين أو أدنى، على الأقل هذا ما بشرنا به غر الاعلام الأصفر صاحب المسامير الأربعة ووسائل الايضاح المدرسية التي تخاطب من هم بمستواه!



الدماء لا تهم، والضحايا تحصيل حاصل، والخسائر يعوض رب العالمين، والاجتياحات مقدور عليها، والباقي قدر نقبله، المهم ما تحققه المفاوضات العتيدة اللا-عبثية لا كمقاومة الحقراء من أبناء شعبنا بحسب وصف كبيرهم، والمفاوضات لن يحيد عنها فريق أوسلو مهما كانت الضغوط، لأن انجازاتها مع شركاء السلام أولمرت- ليفني- باراك حققت وتحقق ما لا يخطر على بال بشر، وفي ظلها يسيرون بثقة الواثق من النصر لتحقيق حلم الشعب الفلسطيني، خاصة أن الشركاء اياهم قدموا كل بوادر حسن النية من تسهيلات واعادة لحقوقنا المغتصبة، وأثبتوا أن خيار التفاوض فعّال، وهذه أهم انجازات فريق عبّاس المفاوض وما انتزعه مؤخراً من الاحتلال:



الاستيطان:



بعد تهديد عبّاس وصراخ عريقات ووعيد عبد ربه وبيانات المهللين بأنه لا مفاوضات في ظل الاستيطان، واذعاناً من الاحتلال لارادة المفاوض الفلسطيني الفذ، وحفاظاً على هيبة عبّاس وسلطته وعدم كسر كلمته واذلاله، فقد اضطر المحتل للتالي:



عرض مناقصات ل 32000 وحدة سكنية جديدة في مغتصبات القدس وما حولها منذ أنابوليس فقط.

منذ أنابوليس وحتى اليوم وبحسب د. مصطفى البرغوثي في تصريحه يوم الأحد 06/04/2008 فإن عام 2008 كان الأكثر استفحالاً في النشاطات الاستيطانية منذ عشر سنوات.

بحسب د. البرغوثي أيضاً تم بناء 11332 وحدة استيطانية جديدة منذ مؤتمر أنابوليس، ناهيك ن آلاف الوحدات السكنية قيد البناء بينها 1307 في جبل أبو غنيم، و630 في جبل المكبر، و440 في تل البيوت، و3000 في جيلو، و1700 في بسغات زئيف، و400 في النبي يعقوب، و1200 في راموت، و750 في جبعات زئيف!

هذا في القدس وضواحيها، أما في باقي أرجاء الضفة الغربية، واذعاناً لتهديدات عبّاس وخوفاً من مساميره، وبحسب مكتب أولمرت وبالتنسيق معه، نشرت يديعوت أحرونوت يوم 02/04/2008 تفاصيل وحدات سكنية جديدة سيتم بناؤها هذا العام ويبلغ عددها 1908 موزعة كالتالي: 158 في افرات جنوب بيت لحم، 682 في بيتار عليت غرب بيت لحم، 160 في جبع بينيامين، و510 في غفعات زئيف جنوب رام الله، و302 في معاليه أدوميم شرق بيت لحم، و48 في كريات أربع بالقرب من الخليل، و48 في أرئيل بالقرب من سلفيت.

للتذكير فإن عام 2007 وقبل أنابوليس لم يشهد إلا الموافقة على 45 وحدة سكنية فقط في الضفة الغربية، فهنيئاً وتحية للوفض المفاوض وانجازاته العلنية والسرية الرائعة بعد أنابوليس.



القدس المحتلة:



من شروط وفد التفاوض الفذ ادراج القدس على جدول الاعمال في مفاوضات ما بعد أنابوليس التي انطلقت في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، والتفاوض حولها لتقسيمها بين الشركاء الأحباء وبما يرضي الأعداء قبل الأصدقاء، فكان أن رضخ المحتل كعادته لمنطق وقوة وبراعة الوفد الفلسطيني المفاوض، فكان أن:



رفض أولمرت رفضاً باتاً ادراج القدس على جدول الأعمال، واعتبر أن موضوع القدس سيكون آخر ما يتم نقاشه، ان نوقش أصلاً.

نائب أولمرت حاييم رامون قال في تصريحات يوم 04/04/2008 وبالحرف أن "المفاوضات التي تجري مع السلطة التي يتزعمها عبّاس، السرية منها والعلنية، لن تتطرق على الاطلاق إلى الحرم القدسي والقدس القديمة-اطلاقاً!

أضاف رامون: " الجميع يعرف موقف الحكومة الحقيقي بما يتعلق بالحوض المقدس وأورشليم اليهودية، والتي لا نعتزم التفاوض حولها"

في خطوة عملية أخرى تضاف لمسلسل الاستيطان السابق، قرر وزير داخلية الاحتلال وكعربون محبة لعبّاس، سحب هويات المقدسيين من أعضاء المجلس التشريعي والوزير السابق، باعتبارهم "خانوا" دولة الاحتلال، وهو ما قوبل باستحسان رام الله وزمرتها من خلال الاقرار والقبول والرضا عبر الصمت المطبق وعدم الاعتراض، فالسكوت علامة الرضا، ولا يهم ما سبق وأن أثاروه من زوبعة كاذبةقبل انتخابات التشريعي حول المقدسيين وتصويتهم في محاولة لالغاء الانتخابات، فاليوم المفاوضات هي الأساس والقدس أو غيرها سيأتي دورها ولو بعد حين!



الدولة الفلسطينية:



تلبية لرغبة الفريق الفلسطيني المفاوض، وتأكيداً لوعود الادارة الأمريكية ونتائج أنابوليس حول قيام الدولة الفلسطينية قبل نهاية عام 2008، ورفض دولة بحدود مؤقتة، صرح رامون نائب أولمرت التصريح السابق- أنه لا دولة في العام 2008، وبأن "الحدود في اتفاق مع الفلسطينيين هي جدار العزل"، وأكدت ليفني أن أمن "اسرائيل" قبل حتى التفكير في الحديث عن دولة فلسطينية وزادت اليوم أن لديهم أي الاحتلال- خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وختمها أولمرت بأنه لا دولة فلسطينية هذا العام.



عبّاس وفريقه من صناديد المفاوضات أصروا أن المفاوضات هذا العام ستكون حاسمة وأن قيام الدولة حتمي، لكن وبدبلوماسية وعبقرية قل نظيرها تراجع عبّاس عن هذا الموقف وأعلن أنه "ربما" لن تكون هناك دولة هذا العام، لكن وبالتأكيد فإن "المفاوضات جدية وهامة"، مبشراً محبيه ومريده بأنه سيستمر في التفاوض لانتزاع الحقوق.



الضفة الغربية المحتلة:



استجابة للنداءات المتكررة، وتمكيناً للسلطة المباركة من أداء مهامها في حفظ الأمن وبسط سلطة القانون في مدن الضفة، وتحقيقاً لوعود رايس بتسهيل حياة الفلسطينيين وازالة المعوقات حددوها ب 50حاجز من مئات الحواجز- كان الرد:



القيام باحدى واربعين عملية توغل على الأقل في أنحاء الضفة الغربية في الفترة من 27/03 إلى 02/04/2008، وبحسب توثيق المركز الفلسطيني لحقوق الانسان اقتحمت خلالها قوات الاحتلال عشرات المباني والمنازل السكنية وسط اطلاق كثيف للنار

في ذات الفترة تم اختطاف ثلاثة وثلاثين مواطناً من بينهم سبعة أطفال وفتاة، ليرتفع عدد المختطفين منذ بداية السنة الحالية إلى ثمانمائة وعشرة مواطنين.

وحيث أن الحديث هو عن أبناء شعبنا المخطفين علينا أن نشير أن عدد أسرانا البواسل في سجون الاحتلال بلغ 11700 أسير.

بعد وعد رايس الشخصي بتخفيف معاناة الشعب في الضفة الغربية، وبدلاً من ازالة 50 حاجز كما أعلنت، قام الاحتلال بازالة ساتر ترابي واحد فقط لاغير أمام عدسات الاعلام، وبهذا تحقق اهم انجاز لأنابوليس برفع المعاناة.

استمرت مطاردة من صدر عنهم "عفو" من الاحتلال، رغم قبولهم بالعفو المهين وبيع أسلحتهم والتوقيع على تعهدات أكثر مهانة، ورضوخهم للاعتقال فترة ثلاثة أشهر في سجون الطيراوي، لكن ذلك لم يشفع لهم عند المحتل الذي غدر ببعضهم اما قتلاً أو اعتقالا، وهو ما حذا ببعضهم للهرب من سجون الطيراوي كما حدث في نابلس قبل أيام، أو لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً في تهجمهم على عبّاس وسلطته ووصفهم بالزناة والزبالة كم فعل زكريا الزبيدي في لقاء اختار له صحيفة هآرتس العبرية يوم 04/04/2008.



رغم كل ما سبق يصر عبّاس ومن لف لفه على الاستمرار في طريق تلقي الصفعات والاهانات، ومع كل تصريح "ناري" لأحد رموز زمرتهم، يأتي رد الاحتلال وشركاء السلام مباشراً وحاسماً واستفزازي مهين، ومع ذلك تستمر اللقاءات والقبلات والعناق والتقاط الصور كأن شيئاً لم يكن، ليبقى سؤال هام بدون اجابة: لماذا الاصرار على المفاوضات العبثية العقيمة المهينة؟ ولماذا القبول بلقاء المحتل مهما فعل وولغ في دمائنا؟ ولماذا رفض الحلول الفلسطينية الفلسطينية والتنصل من كل اتفاق ينهي حالة الانقسام والتشرذم؟



حقيقة لا أجد إلا جواباً واحدا، وليصححني من يختلف معي عليه، والجواب هو أن عبّاس ومعه زمرة أوسلو يقومون بدور محدد في تصفية القضية الفلسطينية، والمساعدة على انهائها، واعطاء الغطاء اللازم للاحتلال لتنفيذ مخططاته على الأرض، واقناع العالم ب"جدية" المفاوضات، وبالتالي ايصال الشعب الفلسطيني لمرحلة الرضوخ والخضوع، بعد تحويله لجيش من الموظفين الذين ينتظرون رواتبهم، وبعد تشويه صورة شعبنا من خلال سلسلة الفضائح المخزية المتتالية لمن يعتبرون انفسهم قيادات.



المفاوضات هي لتحقيق مآرب تضح معالمها أكثر وأكثر مع مرور الأيام، ليست لانتزاع حقوق ولا لتأكيد ثوابت، بل للتنازل عن كل شيء مقابل لا شيء، دور مرسوم محتوم لعصابة تاجرت وتتاجر في كل شيء، عبثية وانصياع ومهانة يتلذذون بها، ووقاحة لا نظير لها في تبرير ممارساتهم ، وتعليق تفريطهم وخزيهم المستمر منذ عقود على شماعة "انقلاب" خططوا له واستعدوا وتلقوا الأموال وجندوا المرتزقة ودربوهم، ثم انقلب سحرهم عليهم.



هي ليست مفاوضات حتى النصر، بل مفاوضات المهانة والقهر، لهم ولمن يدور في فلكهم، لكنها لشعبنا البطل الصابر المصابر لن تمر، ولن يحصد القائمون بها وعليها إلا مخازي التاريخ ومزابله، فالطريق واضح لمن أراد تحقيق العزة والنصر.





اليوم كان لقاء جديد بين عبّاس وأولمرت، ما رأيكم دام فضلكم؟





لا نامت أعين الجبناء





د.إبراهيم حمّامي DrHamami@Hotmail.com

07/04/2008