سمينار الذاكرة الفلسطينية مع السيد عمر صبري كتمتو سفير فلسطين السابق بالدانمارك والنرويج حول:

 تجربة العمل الديبلوماسي الفلسطيني في الدول الإسكندنافية قبل وبعد إتفاقية أوسلو 1993

السبت 5 أفريل ‏2008

‏‏

الأستاذ عبد الجليل التميمي:

أنعمتم صباحا, يسعدني أن تنفتح مؤسستنا, ليس فقط على الذاكرة الوطنية التونسية ولكن على الذاكرة العربية وعلى الأخص منها, الذاكرة الفلسطينية, ونحن في خضم هذه السمينارات أدركنا قيمة هذه الشهادات وإكتشفنا سر هذا التوهج الحقيقي لهذه المسارات. ومن هذا المنطلق فقد بدأنا ننفتح على غير الذاكرة الوطنية التونسية, وبدأنا بالذاكرة المغاربية وأيضا الذاكرة الخليجية. واليوم سنبدأ بسيادتك دكتور عمر بإعتبارك تمثل أحد الوجوه الفلسطينية النظيفة والمؤمنة بهذه القضية, والتي عملت من منطلق مسؤولياتها السياسية في كوبنهاقن وفي النرويج كسفير, وعرفتم كل هذه الذبذبات والتأرجحات السياسية بما صحبه من مشاكل عديدة تعرضت لها القضية الفلسطينية. وبعد ذلك خلال الشهر المقبل سيشرفنا بحضوره السيد وزير الخارجية السابق, رئيس الدائرة السياسية السيد فاروق القادومي يوم 10 ويوم 17 ماي في سمينارين متتاليين, حيث كنت أناشده الحضور منذ 4 سنوات ليحل ضيفا على منبر مؤسستنا. كذلك سيشرفنا بحضوره الأستاذ الهباشي وزير الشؤون الإجتماعية حاليا في فلسطين في أواخر جوان.

ومعنى ذلك أننا وراء تجميع أي معلومة ستقدم لنا في هذا الملف الدقيق حيث نعرف مكانة فلسطين لدى التونسيين منذ 1948, عندما تشكلت اللجان للدفاع عن فلسطين وجمعت الأموال وإلتحق العديد بالجبهة, يهزهم الإيمان بالقضية الفلسطينية والدفاع عنها.

وقد لعبت القيادات الوطنية التونسية دورا كبيرا في ذلك الوقت مثل الأزهر الشرايطي وغيره. ومن هذا المنطلق, ونفتح هذا السمينار حول الذاكرة الفلسطينية وأسأل ضيفنا, من المسؤول عن الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية؟ كلنا مسؤولون ليس فقط الفلسطينيون والتونسيون بل كل العرب. أشكرك دكتور عمر على قبولك هذه الدعوة وللعلم فإن هذه المؤسسة فضاء أكاديمي مستقل لا يخضع لأي إرتجال سياسي وما يهمنا هو جمع المعلومات وإبلاغها وإيصالها إلى الجميع. وجودك في أوسلو, وكوبنهاغن ومعرفتك بالزعيم ياسر عرفات, الذي كلفك بفتح مكتب فلسطيني, ليتحول في ما بعد إلى سفارة, كل هذه العناصر تجعلك أقرب الناس إلى فهم سيرورة هذا الملف على مستوى الدول الإسكندنافية ونريدك أن تحدثنا وتبصرنا حول كل هذه المعطيات.

ومن جديد أشكرك جدا بإسم الذاكرة الوطنية وكذلك بإسم العرب جميعا بإعتبارك أحد الوجوه النظيفة والعاملة والفاعلة في هذه القضية, بمقالاتك سواء في الصحف العربية أو الأجنبية, وجودك في الدول الإسكندنافية (النرويج حاليا) يضعك في موقع المواكب لفهم لهذا الملف.

الدكتور عمر كتمتو:

صباح الخير, يسعدني ويشرفني أن أكون في هذا البلد الذي أحبه جدا, ثانيا يسعدني ويشرفني أن أكون ضيفا على هذه المؤسسة, خاصة وأنها مؤسسة تمتلك سمعة معرفية وأكاديمية كبيرة وشرف كبير لي أن أكون ضيفها.

أريد قبل البدء, أن أشير إلى نقطة أخرى أنه يسعدني قبل اللقاء التاريخي مع الأستاذ فاروق القادومي, لأن ما ستسمعوه مني يمثل غيضا من فيض, فهو رجل تاريخي في الثورة الفلسطينية, وعضو اللجنة المركزية وقاد الديبلوماسية الفلسطينية كل هذه الأعوام.

حينما عينت سفيرا لمنظمة التحرير الفلسطينية في الدانمارك, كنت السفير الوحيد الذي عين من خارج تنظيم الحركة التاريخية الثورية للشعب الفلسطيني وهي حركة فتح. وكنت السفير الوحيد الذي لم يكن عضوا في هذه الحركة. وهذا ما ترك لي هامشا واسعا إلى حد ما, مع سيادة المرحوم ياسر عرفات, وحينما طلب مني أن أذهب إلى الدانمارك لتقصي حقيقة وإمكانية قبولنا هناك, فلأن هذه البلدان تحديدا في شمال أوروبا, كانت مغلقة على الحركة الصهيونية, وأسوق لكم فقط بعض الأمثلة. فإن أول سكرتير عام للأمم المتحدة (تراقفالي) كان سياسيا ديبلوماسيا نرويجيا وكان معاديا للفلسطينيين والعرب بشكل كبير, وهذا إلى درجة أن لغة شارون كانت أرحم من لغته. هذا الرجل كان وراء العمل الجدي داخل الأمم المتحدة للإعتراف بإسرائيل كدولة, ولتسفيه الموقف العربي, رفض قرار التقسيم في ذلك الوقت (وطبعا الجميع يعرف والآن حينما تغير العالم, كثيرون منا وأنا أحدهم يقولون رحم الله بورقيبة لأننا لم نقبل بما إقترحه آنذاك, فحينما قال بورقيبة هذا الكلام, وبتقديري كان رحمه الله, رجلا له نظرة إستراتيجية, يعرف أن هذا ليس حقا أن تقسم الأرض بهذا الشكل, ولكن إذا لم نأخذ هذا فسنخسر كل شيء) ولكن لما كان ترافقا لي وأمثاله من الحركة الصهيونية, متجذرين داخل الإشتراكية الدولية في أوروبا وداخل الأمم المتحدة التي كان ممثلوها, معظمهم من الحركة الإشتراكية الدولية, والسبب في ذلك كان الموقف الصهيوني الناشط للحركة الصهيونية داخل الاشتراكية الدولية. وبطبيعة الحال من يقبل حينما نكون نحن الفلسطينيين عام 1948 نمثل 83% من إجمالي السكان, واليهود كانت نسبتهم (وبما فيهم اليهود الفلسطينيين) 17% وتقسم الأرض بيننا وبينهم على أساس 56% لهم و44 % لنا. كيف نقبل هذا!

وذلك الرفض في ذلك الوقت, كان بإعتقادي صحيحا ومبررا, ولكن الأمة العربية والإسلامية, كانت تنظر إلى أن هؤلاء القادة الذين رفضوا القرار هم قادرون على تغييره كما غيرت إسرائيل القرار ونحن لم نستطع فعل ذلك, لذلك يصبح منطق المرحوم الحبيب بورقيبة منطقا صحيحا.

نعود إلى موضوعنا, كلفت بمهمة أن أذهب إلى الدانمارك, وكان هذا سنة 1984, وقبل أن أصل إلى الدانمارك, سألت لجان المناصرة التي عملت معها في النرويج (كان هناك لجان مناصرة في النرويج, الأولى إسمها لجنة فلسطين, والثانية إسمها مجموعة فلسطين. وكانت اللجنتان تتألفان من نرويجيين يساريين, تروتسكيين وماويين مع بعض الشخصيات المستقلة. وأنتم تعرفون أن البلدان الأسكندنافية مثل النرويج والدانمارك متوسط الدخل فيها, لا يقل عن 5 آلاف يورو. وفي هذه البلدان لا مجال للماوية ولا للتروتسكية. وأنا أقول أنه إذا طبقت الماركسية بدقة وبأمانة, ستكون النرويج آخر بلد شيوعي في العالم. فالنرويج والدانمارك والسويد هي بلدان شيوعية, إذا قرأ الإنسان الماركسية وفهمها, لأن العامل في النرويج يملك بيتين, وسيارتين, وقارب للنزهة. هؤلاء الماويون والتروتسكيون الذين أحييهم دائما لأنهم خدمونا وقدموا لنا في مرحلة ما خدمات جليلة, عزلوا على أثرها وكان الذي يقف مع القضية الفلسطينية في إسكندنافيا يعزل من المجتمع, وكنت أخرج معهم في مظاهرات قبل أن أتولى السفارة, وكنا نذهب أمام مقر البرلمان ويعطونني مضخما للصوت وأبدأ أتكلم لكن مجموعنا كان لا يتجاوز العشرين فردا.

قبل أن أذهب إلى الدانمارك, إتصلت بهم وقلت لهم أنني مكلف من الرئيس بهذه المهمة وأرجو أن ترشدوني عمن يمكن أن يساعدوني, فقدموا لي إسمين: بيني فورت وراسل بوتز.

بيتي فورت هو عضو في حزب الشعب الإشتراكي الذي يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني, وهو الحزب الوحيد في الدانمارك الذي يعترف بذلك, وكان حجمه صغيرا حيث كان له 7 أعضاء فقط في البرلمان من أصل 165, وكان راسل بوتز عضوا في الحزب الإشتراكي الديمقراطي وكان وزير الخارجية حينما كان حزبه يحكم وهو صديق للرئيس ياسر عرفات, وقبل أن أمتطي الباخرة متوجها إلى الدانمارك, إتصلت بهما وطلبت موعدا معهما وإتفقنا وإلتقينا وسألتهما, فقال لي بيلي فورت:"ليس هناك مانع لفتح مكتب لمنظمة التحرير, وقبل أن أعود لموضوع الدانمارك أعرج على النرويج, التي كان البرلمان يتألف آنذاك من 157 عضوا, 87 عضوا منهم وينحدرون من أحزاب متعددة, ينتمون إلى جمعية إسمها "جمعية أصدقاء إسرائيل" وهذه الجمعية تحتوي وزراء خارجية ورؤساء وزراء سابقين ونواب, إضافة إلى ذلك كان هناك شخصية صهيونية يهودية هو رئيس البرلمان ومع إحترامي لليهودية التي أقول دائما أنها ديانة, ونظرنا لهم على أنهم أهل ذمة وأهم شعرائهم وفلاسفتهم أمثال إبن ميمون عاش في ظل الخلافة الأموية بالأندلس وكتب بالعربية والعبرية وغيره كثيرون, لم يعرفوا الإضطهاد بل عرفوه بعد أن خرج العرب من الأندلس والذين حموهم هم العرب والمسلمون, أولا لأنهم أبناء ديانة توحيدية وثانيا لأنهم ساميون ولذلك ليس لنا موقف معاد من أنه يهودي ورئيس برلمان وليست لي مشكلة في ذلك, ولكن النظرة أن يكون رئيسا للبرلمان وصهيوني فهذا مزعج.

 أعود مرة أخرى للجان المناصرة والدانماركيين, ففي الدانمارك أخذني بيلي فورت وراسل بوتز داخل البرلمان, ومشكورين إلى أرشيف البرلمان, وهذه البلدان فيها حريات دفع ثمنها الأوروبيون دماء, ولذلك يجب علينا أن نتفهم ذلك أيضا نحن العرب والمسلمون وعلينا ألا نتخلى عن هذه الحريات وأن نتحرك نحن ضمن هذا القانون الذي يكلف الحرية للجميع (في ظل القانون وليس خارج القانون), قلت أخذوني إلى أرشيف البرلمان وأخرجوا لي وثيقة تقول أن هناك قرارا في النرويج ولكن لم يتقدم أحد لإفتتاحه, فأهلا وسهلا بك, فإلتقيت بالجالية العربية والجالية الفلسطينية وبقيت أسبوعين قبل أن آتي إلى تونس بتقرير للرئيس عرفات. وأذكر أنني كنت مقيما في نزل إبن خلدون, واتصلوا بي في الهاتف ليبلغوني أن الرئيس (وكان يقيم آنذاك في حمام الشط) أبو عمار يريدك على الغداء. فقلت هذا شرف كبير وذهبت لمقابلة الرئيس, حيث قال لي:"هذا قرار تعيينك لتكون سفيرا لمنظمة التحرير الفلسطينية, ولكنني لن أسلمك إياه قبل أن تتناول معي طعام الغداء". ونادى على مدير وكالة الأنباء الفلسطينية وعلى الشاعر محمود درويش وعلى مجموعة من الإخوة, وتغدينا سويا وناولني القرار.

حينما جئت إلى الدانمارك, كان هناك قرار في البرلمان النرويجي وكان في النرويج حكومة إئتلافية ورئيسها الذي هو الآن أفضل من قدم خدمة للموضوع الفلسطيني ومن أنظف الشخصيات النرويجية, كان السيد كوريفيلوك, ويبلغ الآن عمره 75 سنة, لم يمنحنا إذنا بفتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية, ويقول في كتابه أن النقطة الوحيدة التي ندمت عليها في كل القرارات السياسية التي إتخذها في تاريخي حينما كنت رئيسا للوزراء, هي أنني رفضت أن أعطي إذن إقامة ولا يقول في كتابه سبب ذلك. وأنا أعرف لماذا حدث ذلك وسأقول لكم كان في حكومته الإئتلافية حزب هو حزب الشعب المسيحي, وهو مثيل للأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا, وكان هذا الحزب ممثلا في الوزارة بسبعة أعضاء (أي 7 وزراء) ورئيس هذا الحزب كان وزيرا للنفط والطاقة, وهي وزارة مهمة في النرويج تبعا لإمتلاك النرويج في خزينتها الآن من الطاقة والنفط, أموال لا يمكن أن تمس وهي 80 مليار دولار والشعب النرويجي عدد سكانه 4 ملايين ونصف. وسأذكركم بأن هذا الرجل إستقال حينما حصل الرئيس أبو عمار مع رابين وبيريز على جائزة نوبل للسلام من عضوية لجنة إسناد الجائزة, وحينما توفي هذا الرجل, عرضوا لقطات من الكنيسة التي شيع بها وحينما تتثبت في الورود التي كانت على الأرض وعلى الجدران, تظن أنه معبد يهودي وليس كنيسة لأن كل الورود كانت مشكلة على مثال النجمة السداسية, هذا الرجل ترك أوسلو لما جاء بيريز ورابين وأبو عمار وذهب إلى إسرائيل وظهر في التلفزيون حيث رأيته يهرطق وينفث عنصرية وعدوانية, ولا يمكن أن يتحدث رجل ويكون عنصريا بهذه الطريقة إن لم يكن عضوا في الموساد.

ورغم أنه رفض في البداية مقابلتي, إلا أننا حين إلتقينا إثر ذلك, سألته ذات مرة وكان ذلك بعد أن حصل الثلاثة على جائزة نوبل (وفي العشاء جائزة نوبل الذي لم يحضره, تذكرت هذه الحادثة التي رويتها له قبل أن يذهب إلى إسرائيل) قلت له:"لماذا تأخذ موقفا معاديا لنا؟ ألا يقوم حزبك على الديانة المسيحية السمحة؟ أليس المسيح هو إبن هذه الأرض؟ ألسنا نحن الذين أتينا بالمسيح ونعتز به؟ فقال لي ما يلي:"مسيحيتكم ليست كمسيحيتنا". تصوروا هذا الرجل كم كان معاديا ولم ينقصه سوى أن يرد أصله إلى أنه يهودي. كان في حكومة كوريفيلوك وكان وزيرا للطاقة والنفط. والذي لم يقله كوريفيلوك في كتابه هو التالي: أنه وضع إستقالته هو ووزراؤه على طاولة كوريفيلوك رئيس الوزراء, وهدده بها إن هو أعطى ممثل منظمة التحرير إذن الإقامة, وكوريفيلوك لم يكن مستعدا أن يضحي بالوزارة ولكن كان من الممكن بالنسبة له التضحية والتراجع عن تقديم إذن الإقامة.

كنت قد أسست مكتب المنظمة في الدانمارك حينما صدر هذا القرار, ولما كانت الضجة كبيرة في النرويج, كان وضعنا صعبا جدا, ولم يكن أحد يريدنا, وبناءا على صعوبة وضعنا في النرويج, كنت حريصا وحذرا من أن أعلن للصحافة أنني موجود في الدانمارك وأنني أسعى لإستئجار أو شراء مكتب. فإستأجرت من شخص مصري شقته وسكنت بها, وكنت على إتصال مستمر ببيلي فورت وراسل بوتز وبحزبيهما وبلجان المناصرة, وهي قليلة العدد ومحدودة النشاط. وقبل أن أجد مقرا للمكتب إكتشفت في أحد الجرائد الدانماركية, مقالا يحتوي صورتي وكتب فيه أنني فلان الفلاني, الذي درس في بلغاريا وتخرج وزوجته نرويجية وهو يحمل الجنسية النرويجية ..., وهو موجود في الدانمارك الآن ويريد فتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية, وإن كان هذا ليس مؤذيا كثيرا, نظرا لأن هناك قرارا في البرلمان وهذه البلدان ديمقراطية, لكنني لم أحبذ ذلك وفي ذات الوقت وجدنا مقرا إشتريناه, وهو عبارة عن فيلا متواضعة. وبعد يومين من هذا, عرض التليفزيون, حاخام الطائفة اليهودية في النرويج الذي أصبح فيما بعد وفي أول حكومة لباراك وزيرا, يقول أنه قلق من وجود مكتب لمنظمة التحرير وسبب قلقه أن هناك مدارس يهودية وأطفال يهود إلى غير ذلك. وسأحدثكم قليلا عن هذا الرجل. كان اليهود الأسكندنافيون الذين تدربوا على القتال في أحراش "باروم" (وهي أغنى كميونة في النرويج) تدرب على القتال وقاتل في فلسطين ومعروف أنه صهيوني, وكان هناك بعض الإخوة الفلسطنيين نشطاء هناك أحيانا, وكانوا يصيبون وأحيانا يخطئون (مثلي تماما) ولكن الخطأ الكبير يؤذي.

وجاءني مراسل التلفزيون إلى البيت وسألني إن كنت سمعت ما قاله الحاخام فقلت نعم. فقال:"ما ردك عليه؟", وكان لردي أثر إيجابي كبير, مع العلم أنه وفي نفس الوقت كان شقيق هذا الحاخام يشتغل منصب وزير المواصلات وفي بلد ديمقراطي مثل الدانمارك, إكتشفوا أن هذا الوزير صرف في عيد ميلاده 75 ألف كورونه من ميزانية الوزارة واستقال من هذه الوزارة. فكان الجزء الأول من ردي, والجزء الثاني سآتي عليه لاحقا, فقد طلبت من السكرتيرة أن تطلب لي الحاخام وتقول له أن عمر كتمتو يود الحديث إليه. فإستغربت  السكرتيرة مثلما تعجب الصحفي من ذلك الذي إستعد لإلتقاط سبق صحفي. فأجابتني السكرتيرة أنه غير موجود لكن زوجته موجودة, فكلمت زوجته بكل أدب وقلت لها: أنني أريد الحديث مع زوجها وردت أنه غير موجود وقد رجوتها أن تأخذ أرقام هاتفي لكي يكلمني لاحقا. وإستغرب الصحفي ذلك وقال:"هل أنت مجنون! فأنت تتحدث مع شخصية صهيونية معروفة, وهذا قد يثير لك مشاكل مع الفلسطنيين ومع العرب", فقلت له:"إن حديثي معه لا يعني أنني إعترفت بإسرائيل, وهذا الرجل بالنسبة لي ليس خصما وإذا جاءني إلى مكتبي سأستقبله وسأقدم له القهوة بنفسي تماما مثلما أستقبل رجل دين مسلم أو رجل دين مسيحي, وهو سيأتي على هنا بهذه الصفة, وإذا أراد أن يأتي بصفة أخرى, فلن أستقبله". فصفة شغله ووظيفته رجل دين. وعندما عرض التلفزيون ذلك قامت الدنيا ولم تقعد في الدانمارك, وكل الذي قيل من الجالية اليهودية لم يزعجني, لأن بعضهم إنتقد الحاخام بشدة على إعتبار أن لا علاقة له بالسياسة, وبعضهم قال أن هذا شيء عظيم فهو سيقابل هذا الفلسطيني, في حين أن جماعتنا الفلسطنيين, ذهبوا إلى أبعد من ذلك إلى درجة أن أحدهم وكان ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (جبهة جورج حبش) وهو طلال الزعبي قال بالحرف الواحد:"عمر كتمتو خائن".

وإتصل بي الأخ المناضل أبو اللطف (وزير الخارجية وقال لي:"الآن يجب أن تنتبه, لأنه إذا قتلك الإسرائيليون سيقولون أن الفلسطينيين هم من فعلوا ذلك", فقررنا توخي بعض الإجراءات الإستثنائية في مستوى أمن السفارة, ولكن بعد ذلك بثلاثة أيام, قام أبو نضال بنسف 3 مكاتب سياحية. وبعد فترة وجيزة من ذلك وكان هذا الكلام في جوان 1985. وفي جويلية صدر قرار الحكومة النرويجية برفض إعطاء إذن إقامة لممثل منظمة التحرير حتى لا يفتح مكتبا لتمثيلها, ولم تجد تدخلات لجان المناصرة ورجال القانون نفعا ولم تغير القرار. فإستدعاني الرئيس أبو عمار وذهبت إلى تونس, وسألني ماذا أفعل؟ فقلت:"هذه معركة سياسية طويلة وعلينا أن نفتح هذا المكتب". فقال:"كيف؟", وهنا أشير إلى أنني لم أفكر يوما أن أكون سفيرا بالنرويج والسبب أن زوجتي نرويجية, فقلت له:"أخ أبو عمار, أنا سأفتح المكتب ", فقال مرة أخرى:"كيف؟", فقلت:"أنا أملك جواز سفر نرويجي", فدهش للأمر لأنه لم يكن يعرف قبل ذلك, فقال:"إذهب وافتح المكتب غدا". وهكذا دخلنا النرويج والسبب وهو ما أثار ضجة كبيرة, فرغم وجود كتلة الـ87 نائبا في البرلمان, تمكنا من ذلك, فبدؤوا حملة صحفية ضدي مفادها أنني تخرجت من الأكاديمية العسكرية البلغارية في حين أنني درست المسرح. ولكنهم صنعوا مني قنبلة متنقلة في أحياء أوسلو.

وكانت هذه الحملة, صعبة علي وعلى زوجتي وصعبة أيضا على أولادي في المدرسة وصعبة على أي فلسطيني. ومن تبعات هذه الحملة أننا وجدنا صعوبة كبيرة في استئجار مقر للمكتب, حيث كان الناس يخافون. المهم أنها كانت أمورا صعبة جدا إلى أن بدأ النشاط, وكتبت تقريرا للأخ أبو عمار وقلت فيه أن هناك أناسا في اسكندنافيا لا يعرفون أننا مسلمون ومسيحيون, والحزب المسيحي هو ألد أعدائنا, فأرجو أن يعمل رجال فلسطينيون معنا, فاقتنع بذلك أبو عمار وأرسل مجموعة من رجال الكنيسة أذكر منهم ميشيل صباح, الأب عياد, المطران سمير تفعيتي, المطران رياح أبو عسل وغيرهم..., وإنتشر هؤلاء بأخلاقهم المسيحية, وبلغتهم الراقية وبآدابهم وبفهمهم السياسي وبفلسطينيتهم الحقة, وانطلقوا وفتحوا لنا أحد أهم الأبواب, فمثلا لما يأتي مطران ويذهب لزيارة مطران أوسلو الذي كان معاديا لنا, سيأخذني معه حتما ليصبح هو السفير الفعلي. وبدأنا هكذا وبالتوازي بدأت لجان المناصرة حملة كبيرة إلى أن اندلعت الحرب في العراق (حيث ارتكب الرئيس العراقي رحمه الله صدام حسين خطأ كبيرا بإحتلاله الكويت) فكان موقفنا أن نقف مضطرين مع العراق, لأنه لو وقفنا ضد العراق لخسرت القيادة الفلسطينية كل الداخل الفلسطيني (ولو أن موقفنا كان ضد ضرب العراق ولم يكن مع احتلال العراق للكويت).

ولذلك كلفنا هذا كثيرا في النرويج, حيث حصل تراجع كبير في المشروع, وتذكرون جميعا, أنه انعقد مؤتمر قمة في عمان, والذي حصل آنذاك أنهى تقريبا منظمة التحرير الفلسطينية, وقال بريجنسكي آنذاك "وداعا يا منظمة التحرير" وأصبحنا نحن السفراء كأننا بقة على جدران أوروبا, والذي يقول لكم غير ذلك يكون قد جانب الحقيقة. وشخصيا كنت أشعر أنني بقة موجودة على جدران أوسلو.

هناك 4 كتب حررها صحفي نرويجي مهم ومشهور وإسمه "أودقاشدفيد" واحد هذه الكتب الأربعة التي ألفها هذا الصحفي, عنوانه "الهزيمة" وكتبه عن الهزيمة إسرائيل سنة 1982 نتيجة للمذابح التي اقترفتها, لأن أوروبا تعتبر هذه المذابح وكل ما فعلته إسرائيل هزيمة لها, وأوروبا صاحبة الضمير الحي رفضت هذه المذابح, بصرف النظر عن الموقف السياسي, فحتى الذين كانوا يعادون الموضوع الفلسطيني رفضوا هذه المذابح, بصرف النظر عن الموقف السياسي, فحتى الذين كانوا يعادون الموضوع الفلسطيني رفضوا هذه المذابح ولم يقبلوها.

وجاءت الإنتفاضة, ولو لا الإنتفاضة التي إنطلقت سنة 1989 لما كان لنا نحن السفراء أي تأثير في أوروبا, وتصوروا أنه خلال الإنتفاضة أعلنت لجنة أصدقاء إسرائيل في البرلمان النرويجي حل نفسها وكان (كورت هودسن) ضد الحل ولكنها حلت, وكان هناك "جان ماري لوبان" النرويج أو نظيره في النرويج وإسمه "كارلي هاري" الذي بدوره كان يعارض حل هذه اللجنة. ولكنها حلت , وبدأ الزحف الفلسطيني العربي الإسلامي (المتنور) إلى السباحات السياسية والمؤسسات النرويجية, وطبعا إلى كل العالم وساهمت الفضائيات (الظاهرة الجديدة آنذاك) في كشف عورة إسرائيل "الديمقراطية" وأصبح النرويجيون والأوروبيون عموما يقولون أن "البلد الديمقراطي لا يحتل بلدا آخر".

في نوفمبر 1989, كنت مع الرئيس عرفات وكان معنا محمود درويش وياسر عبد ربه وبسام أبو الشريف وزميلي عفيف صافي (سفير في فنلندا). كنا موجودين مع الرئيس في ستوكهولم بناء على دعوة من السيد إينغمار كارسن رئيس الوزراء والسيد أندرسون وزير الخارجية, وبناء على دعوتهم, نظم لنا لقاء مع وفد من معهد الشرق الأوسط في أمريكا وكان كل أعضاء الوفد من اليهود ويعترفون بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. والتقيناهم, ولم يبق الرئيس أبو عمار أكثر من نصف ساعة نظرا لعدم وجود طرف رسمي في الوفد وواصلنا نحن معهم اللقاء, وكان هدفهم الحصول على الإعتراف بإسرائيل من أبو عمار, وأذكر أن ياسر عبد ربه قال:"لنعطهم هذا الإعتراف" فأجابه أبو عمار:"إذا كنت سأقدم إعترافا بإسرائيل فإنني سأعطيه لريغن, ولا أسلمه لهذا الوفد الذي لا يتضمن أية شخصية رسمية", فسأله:"كيف ذلك؟", فأجابه:"سأقول لك كيف سيحدث ذلك". وبعد ذلك إلتقينا السيد أندرسون وزير الخارجية الذي قال أنا سأتصل بشولتز ويرد, ويعدلا أبو عمار وهكذا دواليك, ووصلنا إلى آخر صيغة وكانت مقنعة للجميع ومثلما كان يريد أبو عمار. لكن هذا الأخير أضاف تعديلا آخر تبعا لسعيه ورغبته أن يكون آخر تعديل من طرفه, ووافق عليه شولتز, وكان من المفترض أن يقرأ أبو عمار هذا النص في دورة الأمم المتحدة التي وقعت في جنيف لأن الرئيس الراحل أبو عمار لم يحصل على تأشيرة للذهاب إلى أمريكا. وقدم لي هذا النص وطلب مني إيصاله للنرويجيين. فقال لي السيد أندرسون وزير خارجية الدانمارك:"سيد كتمتو, أنا صديقي ستوتنبارغ" (الذي كان وزير خارجية وبعده بدأت المحادثات السرية في أوسلو) فأضاف أبو عمار:"أوصل هذا الكتاب إلى لستوتنبارغ, ليرى معي ماذا يمكن أن أقول في جنيف", وذهبت بصفتي الرسمية, وهنا بدأت علاقات رسمية بيننا وبينهم, وأوصلت الكتاب, وكان السيد أندرسون قد طلب مني أيضا أنني حين ألتقي ستوتنبارغ, أن أتحدث معه حول إمكانية تفعيل وتنشيط مساهمة النروجيين في الترويج للعملية.

وكنت بالوزارة بصدد الإستماع لخطاب الرئيس, لكن أبو عمار قال كل شيء  ماعدا الإعتراف بإسرائيل. ودهشت للأمر وإتصلت لأستجلي الأمر, فرد على الدكتور مخلوف, سفيرنا في السويد لأنه كان معه وقال أنه لا يعرف شيئا مما يحصل, فسأله إن كان نبيل روادي (سفيرنا بسويسرا) موجودا, فأجابني نبيل:"لا أفهم ماذا يفعل هذا المجنون" (وكنا نتحدث هكذا أحيانا عن أبو عمار بمحبة).

واتضحت لنا إثر ذلك هذه المسالة, وهي تقيم الدليل على عبقرية أبو عمار. فياسر عرفات لما كتب هذا الكتاب ووقعه وقدم تعهدا لشولتز كان الشهود الوحيدين هم المسؤولون السويديون, وربما شولتز نفسه لن يأتي مرة أخرى على هذا الكلام , الذي كان شرطا لفتح الحوار معنا من جديد (أمريكا بدأت معنا الحوار في تونس وتوقف ذلك بسبب الأحداث وقالوا بعد ذلك لن نفتح معكم الحوار إلا إذا إعترفت المنظمة بإسرائيل) ولذلك, وبناء على هذا الخطاب كانت أمريكا ستفتح معنا الحوار, وحتى شولتز طلب منا (شفويا) أن يكتب هذا النص على ورق منظمة التحرير الفلسطينية بالسويد وفعلنا ذلك وكتب الكتاب ووقعه أبو عمار في حين لم يوقعه شولتز , ولما أرسلناها أصبح شولتز يملك وثيقة من أبو عمار, في حين أن وثيقتنا الوحيدة نحن الفلسطينيين كانت فقط شهادة السويديين, وربما تقتضي مصلحتهم أن يصمتوا ولا يصرحوا بهذا الكلام, وهنا بالضبط تخوف أبو عمار من أن يصرح بهذا الكلام ويعترف بإسرائيل ولا تفتح أمريكا معه الحوار وقرر أن لا يقول هذا الكلام, لماذا؟ لكي يجبر شولتز على قوله.

وهذا الأخير (أي شولتز) ظهر في التلفزيون ليصرح "إننا لن نفتح حوارا مع الفلسطينيين إلا بالشروط التالية: (وقرأ النص الذي أمضاه عرفات), وكأنه يشير إلى عرفات قل هذا الكلام وإلا فإنني سأعرض هذه الوثيقة, وهنا صرح ياسر عرفات بإعترافه أمام العالم بعد أن إلتزم شولتز بفتح الحوار مع المنظمة.

وقبل عملية إحتلال العراق للكويت, حدث تراجع في الموقف النرويجي, تبعا لتغيير الحكومة, ووصول حكومة إئتلافية إلى الحكم كان وزير خارجيتها وإسمه بوديفيك, الذي أصبح في ما بعد رئيسا للوزراء, هذا الوزير قال لن ألتقي ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية وكانت مشكلة كبيرة لنا, إذ بعد كل التعب والمجهود الديبلوماسي ومع وجود إعتراف شبه رسمي بنا, حيث كانوا إستقبلوني بالوزارة. وحين سألني أحد الصحافيين, حول ردي على موقف وزير الخارجية فقلت, "نجن ضيوف في بلده وهو المضيف. هذا الرجل يعمل لخدمة النرويج وإذا وجد في لقائي معه خدمة للنرويج سيلقي بي وإذا لم يجد في ذلك خدمة لبلده, فلن يفعل وهذا حقه. فقال:"هل طلبت لقائه؟" فأجبته بأنني غدا سأطلب لقائه.

فسألوه مرة أخرى ليلا:"هل ستلتقي عمر كتمتو؟" فقال:"لقد سمعته يقول بأنه غدا سيطلب لقائي نائب وزير الخارجية هذا, (قبل أن يصبح بدوره وزيرا للخارجية) وإسمه فوليبيك, وأحيانا يتدخل الجانب الشخصي في حل عديد المشاكل الكبرى. وفوليبيك هذا, أنا أعرفه قبل أن يصبح نائبا لوزير الخارجية, كان زميلا لزوجتي في المرحلة الثانوية من الدراسة, وكان يزورنا بإستمرار هو وزوجته فتحدثت معه, فأبلغني أن وزير الخارجية سعيد بجوابي للصحافة, مثلما هو مستاء من موقف رئيسة الوزراء السابقة التي تحولت إلى المعارضة, والتي صرحت بأننا لسنا الدولة التي تغير من مواقفنا بين عشية وضحاها (وأرفقت هذا التصريح بإشارة بسبابتها لم تعجب وزير الخارجية).

في أفريل من سنة 1990, قلت للرئيس أبوعمار أنا أقترح أن تدخل النرويج بشكل مباشر بيننا وبين إسرائيل. فأجابني الرئيس بأن هذا "سذاجة سياسية" فقلت له إذا أردنا أن تدخل دولة ما بيننا وبين إسرائيل فيجب:أولا أن تكون صديقة لإسرائيل وبالآن نفسه صديقة لنا والنرويج كذلك (بدليل أن وزير خارجيتها قضى معك عطلة رأس السنة في تونس). ثانيا أن النرويج هي أكثر بلد إستعصى عليا والآن أصبح هناك مد جماهيري في صالحنا. ثالثا النرويج ليست دولة عظمى لأن الدولة العظيمة لا تستطيع في مثل هذه الحالة أن تكون حكما بين طرفين. رابعا أن الحكومة تغيرت ويمكن أن تساعدنا, ولم يجبني أبو عمار.

في أوت 1991, اتصل بي بسام أبو شريف, وكنت في طريقي إلى أوسلو في حين أنه كان يقيم بالفندق الذي ستحدث به المحادثات السرية, فقال لي أن الرئيس يعلمك أنه موافق على إقتراحك بخصوص وساطة النروجيين بيننا وبين إسرائيل. ومباشرة اتصلنا بستوتنبارغ على الساعة الواحدة والنصف لنلتقيه على الساعة الثالثة. وبعد حوالي شهرين أجابنا ستوتنبارغ بأن رابين يرفض رفضا قاطعا لأنه لا يريد حوارا مع منظمة إرهابية (حسب تعبيره) واتفقنا على أن يكثف ستوتنبارغ المحادثات مع الإسرائليين حتى يصل معهم إلى إتفاق.

في سبتمبر 1991, زارني الدكتور نبيل شعث والأخت حنان عشراوي وذهبنا جميعا بنفس المطلب إلى ستوتنبارغ لإجراء المحادثات مع الإسرائليين. وفجأة وصل أحمد قريع (أبو علاء) إلى النرويج وكان معه هايل عبد الحميد (مسؤول أوروبا الغربية بوزارة الخارجية) وتحدثنا لأحد أهم مراكز الأبحاث, المعني بإجراء أبحاث ودراسات ذات طابع توثيقي عن الضفة الغربية وقطاع غزة. وتم الإتفاق أن يتابع الحديث الذي دار بيننا وبين وزير الخارجية مع أبو علاء في تونس, وجئنا في ديسمبر 1991 إلى تونس لنواصل الحديث في الموضوع.

وتواصل الوضع على ماهو عليه طيلة حوالي السنة دون ظهور أية مستجدات في الموضوع, في ديسمبر 1992 بلغنا أن هناك أكاديميين إسرائيليين سيأتون للقائنا في النرويج ولأنهم أكاديميين, إتفقنا ألا أكون موجودا, وكان يقابلهم أبو علاء, ويعلمني لاحقا بما دار بينهم من نقاشات وآخر مرة قال لي: لم نتفق على شيء وسيعود كل إلى خندقه.

ولكن الواقع لم يكن كذلك, وحيث أن الأمور تسير بشكل جيد وسيستثمرون في المحادثات. وقال لي أبو علاء ذلك لأنه كان هناك إتفاق بقرار من رابين الذي طلب منهم ألا يشاركوا ممثل منظمة التحرير في اللقاء, وهذا ما قاله لي أبو علاء, فقلت:"هل أنا مهم إلى هذه الدرجة بالنسبة لرابين؟", فقال لي أنه يقول إنك لا تنتمي إلى فتح بالإضافة إلى أنك فلسطيني سوري ولكل هذا يجب ألا تكون موجودا في المحادثات وتم الإتفاق على ألا يحضر سفير إسرائيل أيضا) وجرت المحادثات السرية برعاية ستوتنبارغ, ومثل الجانب الفلسطيني كل من الأخ أبو علاء والأخ أبو مازن, وياسر عبد ربه والدكتور ماهر الكره الذي تمت إزاحته لأنه أبدى عدم رضاه عن المحادثات وقرر أن يتحدث فهدد إن هو تكلم), وبالجانب الإسرائيلي كان يوري سافير وكان سينقل وبيريز ورابين في 18 أوت 1993 إتفقوا على كل شيء, وهنا سأروي نادرة, حيث رن الهاتف في بيتي, يومها, على الساعة الحادية عشر ليلا وكان على الخط لارسن, وبعد أن إعتذر عن المكالمة المتأخرة قال أن لديه مشكلة بمشروع في الضفة الغربية ويريد أن أعطيه رقم هاتف أبو علاء, فمكنته من رقم التليفون وإعتذر مرة أخرى قبل إنهاء المكالمة, وهنا قلت لزوجتي أن هناك إتفاقا, ولم أكن على علم بأي شيء, بل وحتى سفير فرنسا لم يكن على علم. فأرسلوا طائرة خاصة إلى جنيف لكي يأتي أبو علاء ويلتقي رابين في أوسلو, والتقيت الصورة التاريخية وتم توقيع الإتفاق على نفس الطاولة التي وقع عليها النرويجيون سنة 1884 ميثاق دولتهم بعد إنفصالهم عن السويد.

في جوان من نفس السنة, كان ينعقد في أوسلو مؤتمر اللاجئين الفلسطينيين وجاء وفد فلسطيني كبير ليشارك في المؤتمر لكن الإسرائليين رفضوا المشاركة في المؤتمر, إذا شاركت منظمة التحرير, لأن الإسرائليين لا يعرفون أيضا أن هناك محادثات سرية, فكانوا علنا يقولون لن نلتقي بمنظمة التحرير, في حين أنهم كانوا يلتقونها سرا. وخلال الإجتماع كنا أنا وأبو علاء لا نجلس مع الوفد نظرا لصفتنا الرسمية, وبعد أن ينهي أعضاء الوفد أشغال المؤتمر, كانوا يأتون إلينا لنناقش ما حصل, وصاغ محمد أبو خوش, بطلب من أبو علاء, كلمة لتلقى في المؤتمر. هذه الكلمة كانت حادة بعض الشيء وهو ما أثار إعتراض أبو علاء الذي قال كلاما قاسيا لمحمد خوش. وفي إطار محاولاتي لتهدئة أبو خوش الذي كان منفعلا جدا, وقال لي كل شيء عن موضوع المحادثات السرية وقال:"هم يخونون هنا عندك, سيعترفون بإسرائيل" فطلبت أن يوضح فقال:" هنا تجري المحادثات السرية", فأجبت بأنني على علم بأنها لم تتقدم ولم يصلوا إلى إتفاق مثلما قال لي أبو علاء", فأضاف أبو خوش:"لما قال لك أبو علاء سيعود كل إلى خندقه كان هناك إتفاق وأنا كنت معهم"!

هكذا وبهذه الطريقة عرفت أمر المحادثات السرية, وهنا أستحضر أنني كنت يوما وفي مناسبة شخصية, كنت في فندق "بلازا" الذي جرت فيه المحادثات السرية وكنت أنتظر زوجتي, لاحظت خلال استعمالي للمصعد وجود عدد كبير من الناس على غير العادة, ورأيت ضابط أمن نرويجي مسؤول عن أمن السفارة, فحياني وحييته وحين جلست في المقهى انفض المكان. والسبب هو وجود أبو علاء وحسن عصفور في المكان ورأوني, فأخرجوا وبسرعة الوفدين ومعهم الحراسات من الفندق ونقلوا المحادثات إلى مدينة تبعد عن أوسلو 100 كلم وإسمها "فريديركس" والسبب أن الإسرائيليين قالوا لأبو مازن, أنه إذا حدث تسريب لما يحدث فهو بالضرورة منكم وليس منا, وهو ما يبرر الحيطة الكبيرة والتكتم على كل ما يجري ووعدهم أبو مازن بألا تتسرب المعلومات, وهكذا تقدمت الأحداث وتم الإتفاق في النهاية.

وسأروي لكم الآن حادثة مهمة جدا, وتتعلق بقرار إتخذه رابين بقتل نفسه, وبشكل أوضح القرار الذي اتخذه رابين والذي تسبب في قتله.

انعقد إجتماع في أوسلو يوم 10 ديسمبر 1994, بعد عشاء نوبل في فندق "القراند أوتيل" أخرجوا كل النزلاء, لكي يدخل الوفدان (الفلسطيني والإسرائيلي). في هذا الإجتماع كان يمثل الطرف الإسرائيلي:رابين وبيريز وسيتغل ويوري سافير. ومن الطرف النرويجي, حضر وزير الخارجية, ونائبه ولارسن وزوجته الشخصية الثانية في البعثة النرويجية في الأمم المتحدة وهي برتبة سفير, ورافل هانسن. ومن الطرف الفلسطيني حضر الرئيس أبو عمار والأخ أبو علاء والدكتور نبيل شعث وأنا. وكان على كل رئيس وفد أن يلقي كلمة (على العشاء) لا تتجاوز خمسة دقائق. لكن رابين قال كلاما غير جيد, لأنه أعطانا نتيجة سلبية قبل أن نجتمع به, لأن سبب الإجتماع هو أن نتفق مع الإسرائيليين على موعد إجراء إنتخابات تشريعية في فلسطين, فقال رابين:"بعض الناس يقول عني أنني متشائم وبعضهم يقول أنني متفائل, أنا يهودي واقعي, لا متفائل ولا متشائم, أنا لا أستطيع أن أسمح يا سيد عرفات بإجراء إنتخابات قبل ضمان الأمن وأنت خلقت دولا في كل بلد عشت فيه, وهنا تريد أن تنشئ دولة قبل أن تقدم لنا الأمن فكيف ذلك؟".

بيريز (الأفعى) قال كلاما شعريا من نوع كل إنسان يحق له أن يحلم ويحقق أحلامه, والشعب الفلسطيني شعب يريد أن يحقق حلمه بدولة وهذا من حقه, لكنه لا بد أن يعمل لذلك, وشيء من هذا القبيل.

وسعى أبو عمار في كلمته إلى كسب تعاطف وتأييد الشعب النرويجي, مشيرا إلى وفاة وزير الخارجية الذي واكب البدايات الأولى للإتفاقية. فقال أبو عمار:"أولا وقبل كل شيء أريد أن أشكر النرويج ملكا وشعبا وحكومة على هذا العمل العظيم وأريد أن أهنئ شريكي في السلام رئيس الوزراء إسحاق رابين ووزير الخارجية شيمون بيريز. وأريد أن أعبر لهم عن فرحي الكبير بوجود هاته الوجوه الجميلة, وحزني الكبير لغياب شخص قدم حياته لمساعدتنا, ورغم أن هذه القاعة المليئة لكنني أرى مقعدا شاغرا لوزير الخارجية هو نست", فبكى النرويجيون.

ولما صعدنا إلى الأعلى لمواصلة الإجتماع, قال رابين كلاما سياسيا قاسيا مفاده ومعناه "أنك أنت شرطي عندي" وباختصار. فأجابه عرفات:"أنت تعرف أنه لدي شقيق إسمه فتحي عرفات, وإذا أنجزت ما تريده أنت مني ليس فتحي الذي سيقتلني بل إن أي طفل فلسطيني له الحق في أن يقتلني, ونحن ننظر لك على أنك الجنرال الإسرائيلي الذي لم يخسر معركة وأنا الجنرال العربي الوحيد الذي لم يخسر معركة, ولذلك حينما يجلس جنرالان تقاتلا كل هذه السنين ليصنعوا السلام, فهذا يعني أنهم يكتبون التاريخ وإذا خرجا من هذا الباب يجب أن يخرجا منتصرين وإذا خرج أحدهما منتصرا والآخر مهزوما, لن يكون هناك سلام. وأنا أقول لك أمام النرويجيين الذين يشهدون على كلامي, كل ما سأوقعه معك سأنفذه, لكن ليس بطريقة حداد وأنطوان لحد", وانتهى اللقاء باقتناع عرفات ورابين الذي قام ليصافح عرفات وقال الكلمة التي قتلته "هذا قارب يجب أن نصل به إلى شاطئ الأمان, وإذا غرق نغرق معا وإذا وصل نصل معا, وأنا أعرف مشكلتك, مشكلتك هي الأرض ولذلك أعدك من الآن لن أوقع على مشروع إستيطاني جديد واحد ولن أعطي المستوطنين قشة واحدة, أنت تعمل ماهو مناط بعهدتك وأنا أعدك بأن لا تبنى مستوطنات جديدة". فأجابه أبو عمار:"أنا أصدقك لأنك فلسطيني (رابين وليد القدس) ولأنك رجل شجاع".

رابين ولأنه أوقف بناء المستوطنات قتله الإسرائيليون. ولأؤكد ذلك أختم بسرد هاته الحادثة. أنا لست سفيرا سابقا متنكرا لما حدث, أنا أدافع الآن وسأدافع غدا عن إتفاق أوسلو, ولكن سأروي لكم هذه الحادثة التي تقول أنه لا فائدة من هذا الإتفاق.

في شهر أكتوبر قبل إستشهاد الرئيس أبو عمار بسنة أو 13 شهرا, حل وزير خارجية النرويج السيد بيترسون للقاء الرئيس أبو عمار. فجلسنا معهم أنا ووزير خارجيتنا نبيل شعث والضيوف النرويجيين وطبعا الرئيس. وكان الطلب الرئيسي للوزير النرويجي والهدف الرئيسي للزيارة, هو طلب العمل على إيقاف العنف حيث قال أنه كان طلب هذا أيضا من شارون في إطار نفس الزيارة, وأنا أطلب منك سيادة الرئيس أن تعمل جاهدا على إيقاف العنف (ما كان يقول له الإرهاب أبدا, لأن أبو عمار كانت له عادة أنه ومهما كانت الشخصية التي معه إذا قيل له الإرهاب يقول إنتهت الجلسة). وكان أبو عمار يضع ورقة أمامه فبدأ يقرأها قائلا:"يا سيد بترسون, قتلوا عشرة أطفال, نسفوا ثلاثين منزلا, إعتقلوا كذا شخصا, إقتلعوا مليون شجرة, وضعوا عشرين حاجزا..." ولما يكرر وزير الخارجية النرويجي طلبه يعيد أبو عمار سرد الأرقام المدونة في الورقة وتم ذلك سبعة مرات وبصياغات مختلفة, إلى أن قال له الوزير الضيف:"يا سيادة الرئيس لقد جئتك كصديق, وأنا أحدثك كصديق, وأبلغك ما تريد قوله لك كل وزراء خارجية أوروبا, إذا لم تقم بهذا العمل, أخشى أن تفقد أصدقائك في أوروبا" (وهذه كلمة قاسية جدا في الديبلوماسية). لكن أبو عمار كرر له نفس ما قاله سابقا من سرد للأرقام التي تحتويها الورقة وهو ما أثار إستغرابي بشدة إلى درجة أنني فكرت في أن أمرر له ورقة أكتب له فيها قل نعم, لكن ذلك لا يجوز.

فخرج ولم يكن هناك مؤتمرا صحفيا, وكان من عادة الرئيس عرفات أن يوصل أي ضيف يزوره إلى السيارة, فرافقته في ذلك وذهب وزير الخارجية النرويجي. وكان أبو عمار حزينا وغاضبا, وجلست معه وانتظرت أن يبدأ بالكلام, لكنه لم يفعل فبادرته:"أخ أبو عمار" فأجابني:"نعم يا عمر"(وكان عندما يكون غاضبا مني يقول لي يا كتمتو, وحين يكون راضيا عن أدائي يقول يا عمر), فقلت:"لقد أرسلت لك السيرة الذاتية لهذا الوزير, فهذا الرجل زعيم حزب المحافظين, ثاني الأحزاب حجما في البرلمان, وله 8 وزراء من مجمل 19 وزيرا, إضافة إلى أنه وزير خارجية دولة تقدم لنا سنويا بين 55 و75 مليون دولار. ألا يستحق هذا الرجل أن يعود بشيء ما لبلده, مقابل هذه الزيارة التي أداها لنا' فقال:"لأنني احبهم فضلت عدم الكذب عليهم, (وقال لي شيئين لم أكن أعرفهما رغم أنني سفيره) هذا الوزير يريدني أن أوقف النضال والمقاومة, أنا شكلت كتائب شهداء الأقصى ولا يعقل أن المقاومة والقتال تتوقف, فهم يقتلوننا كل يوم, ويذبحوننا كل يوم, ويذلوننا كل يوم, بل قتلوا شريكي رابين لأنهم لا يريدون سلاما. وما قدمته لهم لا يجرؤ أي زعيم عربي أن يقدمه لهم. أنا السماء لم تكن تسعني, فإما أن أخرج من هنا بدولة لها قيمة, وإما أن أخرج إلى حيث يريدني الله, وهم يريدونني أن أخون وأنا لن أخون لن أخون لن أخون, والله على ما أقوله شهيد", خرجت من عنده وأنا أشعر وكأنني الطاووس!

وقبل أن أختم أقول أنه إذا نستفتي كل الشعب الفلسطيني سيقول أنه يريد السلام, لكنهم لا يريدون تقديم أي شيء ويريدون الإستحواذ على كل شيء. ولذلك فكل المحادثات التي يقوم بها أبو مازن هي محادثات عبثية وتافهة ولن تعطي شيئا, وهو إما ساذج سياسيا وإما أنه يريد أي حل ويريد أي دولة. أشكركم جدا على هذا السماع الرائع في هذا المكان المهم, وأشكر الأستاذ الفاضل عبد الجليل التميمي.

د. عبد الجليل التميمي:

تأكد يا دكتور عمر أن رسالتك وصلت, واكتشفنا فيك ديبلوماسيا محنكا, عالما بكل خفايا هذه الملفات, ولك بصمات مباشرة على سيرورة هذا الملف الفلسطيني من خلال فهمك ودفاعك عن هذه القضية المقدسة بالنسبة للفلسطينيين ولنا جميعا. واكتشفنا أيضا معلومات جديدة, أول مرة أسمعها. رسالتك وشهادتك أثرت فينا إلى العمق وعرفنا الآن الخلفية والرؤية والسلوكات والذهنيات. أنا أهنئك وأهنئ الفلسطينيين بهذه الكفاءة الديبلوماسية النادرة والتي شرفتنا في هذه المؤسسة وسيكون لنا لقاءات معك, ونعود بعد الإستراحة لنفسح المجال لتدخلات الحاضرين في هاته الشهادة التاريخية.

الأستاذ عبد الجليل التميمي:

حكى لي الأستاذ محمود يزبك وهو أستاذ فلسطيني له جنسية إسرائيلية, من فلسطينيي 1948 وهو أستاذ بجامعة حيفا, ومن أفضل المؤرخين للعصر العثماني, قال لي قبل محادثات أوسلو جمع رابين المؤرخين الإسرائيليين وأراد إستشراف رأيهم في المستقبل, ويبدو أنه أخذ الدرس من هذه اللقاءات الحوارية مع المؤرخين والأكاديميين الإسرائيليين, وهي ظاهرة مهمة جدا. وأحيل الكلمة الآن للدكتور عبد الله التركماني.

د. عبد الله التركماني:

بداية أنا مسرور جدا بالإستماع إلى صديقي منذ الستينات سعادة السفير الأستاذ عمر كتمتو وقد إستفدت كثيرا مما ذكره اليوم, كما إستفدت من بعض كتاباته التي أتابعها بشغف, سأثير مسألة أعتقد أنها مهمة, في حديثه كما في حديث سابق لي بهذه المؤسسة الكريمة, ذكرنا الزعيم بورقيبة وسأربط ما ذكره سعادة السفير عن الزعيم بورقيبة في موقفه من قرار التقسيم, وكيف كانت رؤيته إستراتيجية ولو أنها من الناحية المبدئية لم تكن مقبولة. أريد أن أنتقل مباشرة إلى ما ذكره سعادة السفير في نهاية حديثه عن عبثية المفاوضات الحالية وقد أوافقه لأن كل المعطيات والدلائل, تؤكد أن الإسرائيليين ليسوا مستعدين لسلام حقيقي, وقد أوافقه حتى في التوصيف:"عبثية المفاوضات" ولكن حسبما ما أعتقد أن هذا حكم واقعي ونحن عندما نتحدث يجب أن نحاول المزج بين أحكام القيمة وأحكام الواقع.

أنا أعتقد أن المعادلات القائمة في الصراع العربي الإسرائيلي, الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في عالم اليوم, مع هذه التغيرات العميقة التي حصلت في العلاقات الدولية, وهذا الإنهيار الشامل في الوضع العربي, هذا الوضع الفلسطيني البائس للأسف, مع اعترافي بالنضالات الكبرى للشعب الفلسطيني ومع موافقتي على التوصيفات التي قدمها سعادة السفير للزعيم وأب الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات رحمه الله, إزاء هذا الواقع, وإزاء هذه المعطيات ألا يخشى سعادة السفير أن يأتي يوم ونقول أن أبا مازن وهذا الإتجاه كان عنده رؤية إستراتيجية للمستقبل أكثر مما نتصور. أرجو أن ننسجم مع طروحاتنا فإذا كنا نقول أن المرحوم الزعيم بورقيبة كان عنده رؤية إستراتيجية وأنا لن أحاضر الآن في الموضوع ولكنني أقول بإختزال أن صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع تاريخي وحضاري, إذا كنا ومنذ قرن من الزمن (قبل 1948, أي منذ تأسيس الحركة الصهيونية حتى الآن ونحن نخوض صراعا مع هذا العدو, هذا الصراع يمكن أن يتخذ أشكالا مختلفة. وأنا على يقين من أن سعادة السفير وكل من هو مطلع وعارف للمعطيات المحيطة بالقضية الفلسطينية, يدرك أن صراعنا طويل مع العدو الصهيوني ويجب أن نستخدم كل أشكال إدارة الصراع, وأنا على يقين من أن سعادة السفير ليس من أولئك الذين يعتقدون أن الصراع هو صراع مسلح فقط وكما ذكر الدكتور عبد الجليل التميمي هو صراح حضاري وبالتالي فالمسألة طويلة وأنا من هذه الزاوية أقول وأبرأ على نفسي من أعطي حكما قطعيا عما يحصل من مفاوضات الآن والإتجاه الذي أخذه أبو مازن.

الأستاذ الطاهر بوسمة (محامي والي الولاة سابقا):

أود بداية أن أعبر عن إعجابي وسروري بإكتشاف سعادة السفير, حقيقة لقد فوجئت بالرؤية والتحليل الصادرين عن أحد المسؤولين الفاعلين في الدولة الفلسطينية.

أبدأ مداخلتي بهذا البيت الشعري:

رب يوم بكيت منه    فلما صرت إلى غيره بكيت عليه

لقد تفضل سعادة السفير وذكرنا بموقف الزعيم بورقيبة, ويمكننا أن نتقدم أكثر من موقف بورقيبة فلو نتذكر ما حدث بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت سنة 1945, لما عاد روزفلت من إجتماع مالطا توجه إلى الشرق على متن الباخرة وإستقبل الملك عبد العزيز. كان روزفلت يستجدي مساندة المملكة السعودية ومن ورائها كل الأمة العربية والإسلامية, للولايات المتحدة في عدائها للشيوعية. فكان ذلك هو الركن الأساسي الذي تحولت فيه الرؤية الدولية, ومن سوء حظنا لم ندرك ذلك بالرغم من أن روزفلت حرك العواطف واعتبر أن الشيوعية معادية للإسلام, لكننا لم نغتنم الفرصة بل انتهزتها إسرائيل, ومثلما ذكر سعادة السفير, أن العمل الصهيوني لم يبدأ اليوم وإنما يعود إلى بداية القرن, وأشار سعادة السفير أيضا إلى الصعوبات التي واجهها في النرويج وفي السويد وفي الدانمارك, هذه الدول التي كانت مجهولة بالنسبة لنا, إقتحمها الإسرائيليون في حين أننا لم نعرها أهمية في السابق.

أسجل أيضا, سعادة السفير قد ذكرتنا باليقظة حيث قمت بالعديد من المبادرات والمحاولات من أجل فتح مكتب الدانمارك وتحصلت على موافقة البرلمان هناك, ولكن وقع القضاء على هذه الإمكانية بعملية التفجير التي نفذها أبو نضال, فبعض الأعمال التي نقوم بها إعتقادا منا أننا نخدم قضيتنا, في حين أننا وفي الحقيقة نضر بهذه القضية, وهنا يجب أن نغير نظرتنا للأشياء باعتبار أن ننسى ما كان في الماضي من حروب صليبية, فنحن أقرب للمسيحيين من اليهود, لأننا لسنا الذين قتلوا المسيح (ولو أنه لم يقتل حسب عقيدتنا) إلا أن تاريخهم يتصور أن اليهود هم الذين قتلوه وصلبوه. وهم (أي اليهود) بمخططاتهم الشيطانية وضعونا في الركن وسيطروا على الرأي العام.

الأصل في الأشياء أننا أقرب منهم, والواقع الآن أنهم أكثر حماسا لفلسطين, لأن فلسطين ليست ملكا للمسلمين فقط بل هي للجميع, وعمر ابن الخطاب لم يقم الصلاة في المسجد خوفا من أن يعتبرها المسلمون أرضا إسلامية فتحها أحد الخلفاء الراشدين.

قلت سعادة السفير أن المحادثات حاليا هي عبارة عن مضيعة للوقت, قد يكون ذك صحيحا, لكن العنف كذلك أضر بالقضية الفلسطينية أكثر مما أفادها إذن العنف غير جائز, والمفاوضات مضيعة للوقت وعبثية, فماهو الطريق الثالث؟ ونحمد الله على أن القضية الفلسطينية الآن يتحمل عبثها أهلها, لأنه إذا كان قد حصل ضرر للقضية الفلسطينية فلأننا قد تاجرنا بها كأمة عربية وكل بلد عربي تاجر بها وهذه المتاجرة أضرتها وأضرت بمسارها حيث كان يقال أننا لا نهتم الآن بالديمقراطية وحقوق الإنسان لأننا نخصص جهودنا وإهتمامنا للقضية الفلسطينية وشكرا.

الأستاذ محمد بلحاج عمر(الأمين العام السابقلحزب الوحدة الشعبية):

لقد سررنا كثيرا سعادة السفير بما جاء في هذه المحاضرة القيمة وأنتم تعلمون إرتباطنا كتونسيين بهذه القضية, فهي قضيتنا المركزية سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي. ومن حسن حظنا أن النخبة الفلسطينية أقامت بين ظهرانينا (سواء بالنسبة للقيادة السياسية أو قيادات المقاومة) وكنا نساندها ونؤمن بها على أساس أنها قضية عربية وليست قضية فلسطينية.

وإن ساد هذه العلاقة, في فترة ما, ضرب من الجفاء مع بورقيبة, لكن مع مجيء الوزير الأول إذاك سي محمد مزالي عادت للعلاقة حرارتها حيث عوض هذا الوزير الكثير للفلسطينيين. ثم بعد التحول أصبحت القضية الفلسطينية قضية تونس الأولى سواء رسميا أو شعبيا, وكان الزعيم عرفات الذي نعتبره تونسيا, مكرما في تونس.

وحسب بعض التصورات الفلسطينية, كان أبو عمار (في تعاطيه مع القضية) كان مفروضا عليه أن يدخل العملية السياسية التفاوضية, وأن يعترف بإسرائيل, لأن البديل كان جاهزا لإمضاء الإتفاقية في صورة رفض أبو عمار فعل ذلك وهذا البديل هو "حركة حماس". هذه الحركة التي يقول عنها الكثير أن إسرائيل هي التي كانت وراء إنشائها وتكونها ولو لم يمضي عرفات إتفاقية السلام, لكانت حماس مستعدة لإمضائها.

وقد سمعت هذا في الأردن ومن مصادر جديرة بالثقة. فأنا أتسائل عن مدى صحة هذا الكلام, وأنا أسأل سعادة السفير لأننا نثق بك وننتظر أن تفيدنا في هذا الموضوع.

النقطة الثانية, هي أن إسحاق رابين لم يكن متحمسا في البداية للدخول في المسار التفاوضي, بل كان يماطل ويناور ويتظاهر بإقتناعه بهذا المشروع, لكن رئيس بلدية تل أبيب وهو صديق حميم لرابين, وكان يزور عرفات هنا في تونس من حين إلى آخر ويتحدث معه ويحمل كل ما يقع مع ياسر عرفات إلى رابين.

في يوم من الأيام جاء إلى تونس وقضى السهرة مع ياسر عرفات وتحدث معه, ولما عاد إلى إسرائيل نقل ذلك إلى رابين وحكى له كل جزئيات السهرة ومن جملة ما روى له, أنه بعد أن تناولا العشاء معا (أي عرفات ورئيس بلدية تل أبيب) وردت على عرفات برقية أو فاكس, وحينما سلمها له أحد مساعديه حاول قراءتها, لكنه عجز لأنه لم يكن يرتدي نظاراته, فطلب إحضارها من غرفة نومه وحينها قرأ البرقية. وعندما روى رئيس بلدية تل أبيب هذه الواقعة لرابين, إنتفض هذا الأخير وقال:"الآن فقط يمكن الدخول في مفاوضات مع عرفات, لأنه في موقف ضعف خاصة مع بروز مظاهر الكبر والهرم. ما قلته الآن ليس نكتة بل هي رواية حقيقية وعلى أساسها إنطلقت المفاوضات ووافق رابين على التفاوض مع عرفات!

السؤال الثالث, يتعلق بصدام حسين وإحتلال الكويت, حيث صرح صدام في تلك الفترة, وأثناء المحاولات المحمومة لإقناعه بالتراجع عن احتلال الكويت, بأنه في صورة تحرك أمريكا, فأنا سأضرب المصالح الأمريكية في كل مكان وكان يعتمد في ذلك البرنامج على الفلسطينيين وأساسا على أبو جهاد ومن أجل ذلك قتل أبو جهاد ولم يتحقق هذا البرنامج, وشكرا.

السيدة جنات المقراني:

شكرا لسي عبد الجليل الذي أرجعنا لأيام المقاومة الفلسطينية حيث حصل لنا شرف التمتع في هذه اللحظة بالمقاومة وبرموز المقاومة ممثلين في سعادة السفير. أعود سيادة السفير إلى الإنتفاضة المباركة وإندلاعها وعمقها وكل بعدها الثوري في هز صورة رمزية الإسرائيلي دوليا, حيث تمكن أولاد وأطفال المخيمات الذين كان يسميهم الشهيد أبو عمار بجنرالات الإنتفاضة, من هز صورة رمزية الإسرائيلي دوليا.حيث تمكن أولاد وأطفال المخيمات الذين كان يسميهم الشهيد أبو عمار بجنرالات الإنتفاضة من هز هذه الصورة, وانقلبت المعطيات في العالم بمساندة هذه الثورة الفلسطينية ودعمها, فكانت نتيجتها كون كل هذه الآلة المدمرة الإسرائيلية, بدأت تفكر كيف يمكن الإنقضاض والقضاء على هذه الثورة التي عمقها في كل أبناء فلسطين أينما تواجدوا وكان عمقها بالدرجة الأولى منطلقا من  تونس الخضراء حيث كان مقر منظمة التحرير وكل ما قدمته تونس لكي تزكي وتدعم المقاومة في فلسطين. وهنا يتنزل إعتداء باراك على الشهيد أبو جهاد. فكانت هذه الحادثة تؤشر لبداية هز كل ما يحيط بالشهيد عرفات من أشقائه ورفاقه في المقاومة والتي إنطلقت منهم حركة فتح من الكويت إلى لبنان إلى تونس. بعد إستشهاد أبو جهاد, كانت الضربة التالية ممثلة في إغتيال أبو إياد. كل هذه الظروف هيأت لزعزعة منظمة التحرير بضرب كوادرها السامية والنزيهة.

النقطة الثانية, تمثلت في الإعتداء على الكويت وأنا أعتبره تأديبا للكويت من طرف الشهيد صدام حسين أكثر من كونه شيئا آخر. والشهيد صدام حسين أخطأ في شيء واحد كونه دخل في خلية المخابرات البريطانية ممثلة في عائلة "الصباح" وهذا يشهد به التاريخ. نتيجة وقف إطلاق النار سنة 1991 جاءت بفرض نقاط حددها الشهيد صدام حسين إنطلاقا من المفاوضات التي توجت بمدريد.

في إنطلاقة مرحلة مدريد, لم تكن المفاوضات بالنسبة للطرف الإسرائيلي سهلة, كان هناك إجماع عربي, وجود عربي متعدد الأطراف وتم طرح وتناول العديد من النقاط التي كانت محرمات مثل القدس وعودة اللاجئين, من خلال هذه المفاوضات التي كان الطرف الدولي والأوروبي بالخصوص متبنيا لكل النقاط الفلسطينية. فحاول الإسرائيليون بكل ما أوتوا لضرب مشروع مفاوضات مدريد وسعوا لإفشاله بكل الطرق, سواء على المستوى الثنائي أو المستوى متعدد الأطراف. وهنا أسأل: الذين كانوا يفاوضون في أوسلو من هم؟ وشكرا.

الأستاذة فاطمة عزوز:

أقدم نفسي أولا, أستاذة جامعية وصحافية منذ أكثر من ربع قرن وعملت في عديد المؤسسات الإعلامية من بينها صوت أمريكا وهيئة الإذاعة البريطانية, القضية الفلسطينية وكل مفاصلها, وأنا أعرف نفسي دائما (وأصدقائي يعرفون ذلك) بأنني تونسية المولد, فلسطينية الإنتماء وكنت إلتقيت بكل الإخوان وكل الزعماء, والذي أريد قوله هو أنني أشعر في السنوات بمرارة كبيرة, وهذا هو سؤالي لسعادة السفير. هذه المرارة متأتية من ملاحظتي ضعف اللوبي العربي في مناصرة القضية, بالرغم من وجود كوادر وعائلات وأثرياء في كل المستويات, لكنهم للأسف لا يحضرون إلا الحفلات التي تقدم الأكل الفلسطيني, ولا يقدمون أية نوع من المساندة الفعلية للقضية, وأنا أتذكر أنني كنت أحضر كثيرا في لندن للتظاهرات والفعاليات والإجتماعات المساندة للقضية الفلسطينية, إلى درجة أن الأستاذ منيب المصري وحين قدمتني له إبنته مي المصري على أساس أنني تونسية, دهش لذلك لأنه كان يتصور أنني فلسطينية لكثرة مواكبتي الفعاليات المتعلقة بفلسطين.

تساؤلي الأول الموجه لسعادة السفير, يتعلق بدواعي غياب هذا اللوبي العربي خاصة في هذه الظرفية؟

تساؤلي الثاني, حول مراهنة القيادات الفلسطينية على الإدارة الأمريكية, التي نعرف جميعا أنها محكومة ومرتبطة بالحسابات الإنتخابية, إضافة إلى أنها محدودة زمنيا (نظرا لأن مدة ولاية الرئيس الأمريكي تدوم 5 سنوات) وهو ما جعل إسرائيل نلعب على هذا التوقيت, حيث تحاول كسب أقصى ما يمكن من الوعود والضمانات خلال الحملات الإنتخابية وخلال بداية ولاية الرئيس وهو ما يحيلنا على أهمية اللوبي الإسرائيلي في أمريكا كمركز ثقل مؤثر جدا.

تساؤلي الآخر يتعلق بما يحدث الآن بين فتح وحماس, هل من إمكانية لوقف هذا النزيف؟ فمن غير المعقول أن نقاتل بعضنا, فماهو منطق حماس وماهو منطق فتح؟ وماهي الأسباب التي جعلتهم يتركون العدو ويوجهون فوهات بنادقهم نحو بعضهم؟

د. عبد الجليل التميمي:

لي بعض الأسئلة سعادة السفير في علاقة عندما تعرضت لرابين والخبراء والأكاديميين ونحن بقدر ما ندعم المقاومة بكل أشكالها, يبدو لي أننا غيبنا مقاومة أخرى وهي المقاومة الفكرية والمقاومة الحضارية. أينهم الأثرياء الفلسطينيون الذين يملكون الملايين؟ ماذا فعلوا بهذه الثروات؟ أين هي المراكز البحثية التي يجب أن ننشؤوها؟ أين هي الكتب والمصادر التي تتميز بعدم وجودها إذا قيس ذلك بما صدر في إسرائيل وأسوق هنا مثالين: في فرنسا وتركيا.

لقد صور الإسرائليين من الأرشيف العثماني ما يتعلق بفلسطين ثم من الخارجية الفرنسية, وطبعا وسائلهم في التضليل وفي التحريف واضحة وغير حافية على أحد. بالإضافة إلى دعمنا للمقاومة هناك مقاومة أخرى مازالت غائبة, فإسرائيل تحتوي على العديد من مراكز الدراسات والأبحاث عن العالم والمغرب العربيين (يشاع أنها 15), ومئات المراكز في أمريكا عن إسرائيل, في حين المجال في فلسطين لا يتعدى بعض الأفراد. وأنا أتصور أنه يجب أن تبدأ حملة أخرى, معرفية وثقافية, ويجب أن نكون "لوبي"فلسطيني عربي كما قالت الأخت. وأنا أعرف العديد من الباحثين الممتازين ولكنهم غيبوا وهمشوا, وتاهوا في زحمة العمل اليومي في الخليج وفي أوروبا, ولا يوجد مشروع موحد يبلور ويجمع هذه الكفاءات. والخلاصة أن العلم والمعرفة والبحث العلمي غابت وإفتقدنا هذا الشكل الأساسي من أشكال المقاومة, وأنا أعتقد أن معركتنا مثلما قال الدكتور عبد الله هي معركة حضارية. وقد كنت زرت متحفا في السويد في ستوكهولم, وفوجئت برسام سويدي زار فلسطين في أوائل القرن العشرين وترك صورا رائعة جدا, وأنا أتمنى أن مثل هذه المتاحف وجب أن تتعدد وهذا هو دور الأثرياء الفلسطينيين لتعميم الفكرة وكسب الأنصار وأيضا لخلق جيل جديد من الفلسطينيين يؤمن بهذه القضية.

الأستاذ عبد الله التركماني:

تقاطعا مع الذي تفضل به الدكتور التميمي, كنت أقرأ منذ أشهر صحيفة الأيام الفلسطينية, كتب صديقنا المشترك حسن.......... عمودا يقول فيه:" إننا في فلسطين أحوج ما نكون إلى مؤسسات بحثية عن الدولة العثمانية", وحسب ما كتب في النص أنه توجد في الدولة العثمانية وثائق عديدة عن فلسطين.

وطبعا إستفزني المقال لأنني على صلة بهذه المؤسسة وأعرف الجهود الجبارة التي قام بها الدكتور عبد الجليل التميمي في هذا الجانب منذ سنوات. فكتبت إلى صديقنا حسن وقلت له:"أشير لك بأن هناك في تونس مركز الدكتور التميمي المهتم بالوثائق العثمانية وله منشورات عديدة وله متابعة للموضوع, ولكي لا نشتت جهودنا العربية في المجال البحثي فعندما تكون لك مؤسسة قائمة وتشتغل من 30 سنة فهذا من حسن حظنا".

وتقاطعا أيضا مع الذي تفضل به الدكتور التميمي, نحن في هذه الأمة ككل وفي قضيتنا المركزية فلسطين أحوج ما نكون إلى فهم هذا العالم, ولا نفهمه إلا عن طريق مراكز التفكير ومراكز البحوث وليس طريقة بعض الجهلة الذين يحكموننا.

د. عبد الجليل التميمي:

سأعلق بشكل موجز على ما قاله الدكتور عبد الله, فقد كان بإمكان الأخ الذيوجه إليك رسالته أن يتصل بي, أو يكاتبني إلا أنه لم يفعل ذلك, وهذه هي الحلقة المفقودة في القيادات الفلسطينية فعوض أن تقتنص مثل هذه الفرص والإمكانيات فإن الأمر يترك هكذا, خلافا للأوروبيين حيث ترد على رسائل عديدة حتى من الأمريكان الذين قالوا لي مرة, أن هذه ليست مؤسسة تونسية بل مؤسسة دولية. وأحيل الكلمة الآن لسعادة السفير.

الأستاذ عمر كتمتو:

شكرا لكل الكلام الذي تفضلتم به الذي كان رائعا ومفيدا لي شخصيا وبخصوص التساؤلات التي وردت أتمنى أن أكون قادرا على الإجابة عليها بشكل واف.

معرفتي بالدكتور عبد الله التركماني بدأت منذ الستينات ويجمعنا أنني نشأت في بلده سوريا. وقد كان الفلسطينيون الذين لجأوا إلى سوريا محظوظين, لأننا حصلا على كل الحقوق التي يحصل عليها المواطن السوري بإستثناء حق تملك أكثر من عقار واحد, وحق الترشيح والإنتخاب, وحق الجنسية (السبب في عدم الحصول على الجنسية هو أن يكون لنا الحق في المطالبة بالعودة للوطن) وحصلنا على هذا الحق أيضا, في قرار من المجلس النيابي السوري أيام كانت سوريا دولة متعددة الأحزاب والفضل يعود حقيقة, وهذا للتاريخ, إلى حزب البعث, حيث كان آنذاك 40 نائبا في البرلمان من البعثيين. وكان رئيس البرلمان من البعثيين, وكان رئيس البرلمان آنذاك المرحوم أكرم حوراي وما يقع على المواطن السوري كان يقع على المواطن الفلسطيني (يعني لما لا تتدخل في السياسة تعيش في كرامة).

آتي الآن إلى سؤال وتدخل الدكتور عبد الله التركماني, وبخصوص توصيفي للمفاوضات أنها عبثية, سأعطيك سببا لهذا التوصيف, وإن كان إستخدام لفظ عبثية قد يبدو تعبيرا غير ديبلوماسي, ولكن للأسف أحيانا لساننا يكون أقوى قدرة منا على اللفظ.

وهنا سأسوق مثلا, خارطة الطريق, فحينما تقول خارطة الطريق أنه لا يحق ولا يجوز بناء مستوطنات والطرف الفلسطيني عليه أن يقوم بمهماته لحفظ الأمن, بدأ الطرف الفلسطيني بحفظ أولا بقتل مواطن فلسطيني في الخليل, وإطلاق نار على ثان في رام الله وتعذيب آخر وقتله في السجن, وربما شاهدتم على شاشات التلفزيون القمع الذي حصل لمظاهرة قامت في رام الله, وبعد ذلك نشروا القوات في نابلس وفي جنين تنفيذا لخارطة الطريق.

الطرف الفلسطيني قام بما عليه, ونزلوا بعد ذلك إلى نابلس وتهاطلت الأموال على القيادة, والذي حصل هو أن كوندوليزا رايس وصلت للمنطقة الآن وتحدثت مع أبو مازن,وتحدثت مع أولمارت وقالت أن المستوطنات يجب أن تتوقف, وقال أولمرت, وهي موجودة, سنبني المزيد من المستوطنات وأعطي أوامره ببناء المستوطنات.

ليحفظ كرامتنا فقط كفلسطينيين رئيسنا أبو مازن, المطالب فقط بحفظ كرامتنا, أليس أمامه فرصة ذهبية ليقول:" حسنا أنا مع خارطة الطريق وقمت بما علي والسيدة كوندليزا رايس تقول أنه يمنع بناء مستوطنات تماشيا مع مقررات خارطة الطريق, فأنا لن أذهب للقاء الإسرائيليين قبل أن يوقفوا بناء المستوطنات", ولكن ماذا فعل أبو مازن؟ أعلن أنه سيلتقي يوم 7 أفريل مع أولمرت. لذلك توصيفي للعملية بأنها عبثية قد يبدو غير ديبلوماسيا لكنه والله دقيق.

ثانيا وإجابة على سؤال الأخ، أنا أؤمن بأن هذه الأرض لا يمكن (وهذه قناعتي بعد كل هذه التجربة) أن تكون لدولتين. وفلسطين لا يمكن أن تكون ضمن دولتين هذا مستحيل. فلسطين لا يمكن أن تكون إلا دولة واحدة وليس بالضرورة بالعنف ولذلك وكما تفضلا الدكتور التركماني والدكتور التميمي، أن المعركة حضارية.

الصليبيون حينما حملوا الصليب وجاءوا يقاتلوننا وقف المسيحيون وناضلوا وقاتلوهم لأنهم لم يأتوا كمسيحيين بل أتوا كمستعمرين، ولا يمكن أن ننفي أننا استفدنا من وجودهم، فعلينا أن نرى الكأس المليئة لا الفارغة. استفدنا من وجودهم الذي دام 194 سنة.

هذه أرض لا يمكن أن تكون إلا لدولة واحدة : للمسلم وللمسيحي ولليهودي وليس بالضرورة بالعنف. أبو عمّار كان مقاتلا لأنه كان قاتل. وإذا كان هناك من يستطيع إقناعي كيف يمكن أن نتفاءل بوجود دولتين، لذلك تصبح المفاوضات هي مضيعة للوقت أولا وثانيا دكتور عبد الله أنا لا أريد أن أتقمص عقلية المؤامرة. أنا قلت أنه ربما تكون سذاجة ولكن هل أن أبا مازن ساذج سياسيا ؟ لا يمكن أيضا أن يكون ذلك صحيحا. إذن هناك مخطط موجود وأخشى وأقول أمامكم : أخشى من اتفاق سري مفاجئ وأقول هذا عن معلومات. أنا وفي أوسلو وقبل أن آتي إلى هنا وبالصدفة حصلنا على معلومة بوادرها الآن واضحة وهي رغبة إسرائيل بقتل كل قادة حماس والجهاد الإسلامي. أنا لا أقول هذا لإرضاء حماس أو فتح. ففتح بقيادتها الحالية وبأسلوبها الحالي هي وحماس لا يستحقون أن يحكموا الشعب الفلسطيني ! لكن أنا أتحدث عن واقع، حماس انتصرت في الانتخابات، لأنها تبنت برنامجا غفلت عليه فتح ولا يمكن إجابة على أختي الكريمة فاطمة عزوز على الإطلاق أن يلتقي خطان فتح وحماس فهما خطان متوازيان بالتالي حينما نقرأ التاريخ نعرف أنه داخل الأمة الواحدة "الدم ليس تابو" (Tabous) عندما يجب أن يقع فأنه سيقع. لما يكون هناك خطان متوازيان وكلاهما مقتنع بأنه بصدد خدمة قضية، فإنهما سيتقاتلان حتما وهو عيب لكنه يحصل. ولذلك أنا أرى أن المفاوضات مع إسرائيل، ليس فقط انطلاقا من المثل الذي قدمته مع عرفات، والواقع اليوم الذي نعيشه مع الإسرائيليين هو مؤشر كبير على أنهم لا يريدون أن يعطونا شيئا ويعملون الآن ما قاله شامير في مدريد أنه إذا كنت أريد العشرة مليار دولار، فأنا مستعد أن أفاوض الفلسطينيين لعشرة سنوات أو لعشرين سنة. والإذلال اليومي الذي يسلّط على الفلسطينيين، أنا أحمل الجنسية النرويجية وحينما أذهب إلى فلسطين، لو كان معي رقم وطني فلسطيني سأذل على كل المعابر حتى وإن كان معي جواز نرويجي. ووجود هذا الجواز معي قد يسهل الأمر ولكنني كنت أرى كيف يذل الفلسطيني يوميا على المعابر.

كل القادة الفلسطينيين يذلون ويسبّون لكنهم يكذبون ذلك، بدليل امتلاكهم كلهم لـ(VIP. شخص مهم جدّا) وهنا نتسائل : من هي القيادة أصلا ؟ حتى في عهد الرئيس أبو عمّار التي تفاوض الخصم وتقبل أن يفرقها ويميزها عن شعبها بأن يعطيها (VIP Card) تسهل اجتيازهم للمعابر في مذلة ويهان شعبهم. فمن المفروض ألا يقبلوا هذا التمييز. أنا اقول لكم أنهم يذلّون بما فيهم أبو علاء التي قالت وسائل الإعلام أنه أوقف ساعة كاملة على الحاجز وهم يفتشون سيارته وهو ذاهب للقاء "ليفي" وزيرة خارجية إسرائيل. وكيف اكتشفوا أن سيارة روحي فتوح (الذي صار رئيسا لنا لمدة ستين يوما) تحتوي 3 آلاف أو 4 آلاف هاتف محمول ؟ كيف اكتشفوا ذلك وهو شخصية مهمة جدّا  (VIP) فهم يفتشونه ويدلونه وأذلونا. حينما يذل أبو علاء أذل أنا أيضا.

أي تفاوض هذا ؟ أي نتيجة يمكن أن أنتظرها ؟ لا يمكن لأي إنسان أن يتجرأ وأن يعطي إسرائيل ما أعطاها ياسر عرفات، أنا أريد أن أسأل الذي قدمه لهم ياسر عرفات ووضعوا هذه الخطة من يستطيع أن يتجاوز ذلك ويطلب أكثر من ذلك ؟ ومع ذلك تتهمه حماس أنه خائن.

في اجتماع مع رابين الذي حدثتكم عنه (وأنا لم أروي لكم هذا ولكنه يتضمن إجابة عن أحد الأسئلة التي طرحت) قال رابين لأبو عمار "أنت لم تقم بما يجب أن تقوم به، فحماس أزعجتنا" فأجابه أبو عمّار "أنت وخلال فترة الانتفاضة، أمرت بتكسير أيدي وأرجل الفلسطينيين واستهدفت بالدرجة الأولى جماعتي فأنا أمثل كل الشعب الفلسطيني، لكنك استهدفت حركة فتح وهم الذين تعرضوا للاعتقالات والاعتداءات والضرب،واستهدفت فصائل منظمة التحرير ولكن أنت تريدني أن أنكل بهم ؟ لا لن أفعل فهؤلاء هم عشيرتي وأنا أعرف كيف أتفاهم معهم".

ونحن نعرف كيف ينهي أبو عمّار خصومة ويشقهم، مثلما شق الجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرهم. هكذا كانت البداية مع حركة حماس، حيث غضت إسرائيل الطرف عنها في البداية ولكن من يقول أن إسرائيل ساعدتهم، يكون قد تجنى عليهم أيضا ونلاحظ الآن وفي هذا الوقت أن باراك يقول "يجب التعجيل بضربهم لأنهم يعدّون لعدّة كبيرة".

بالنسبة لتدخل الطاهر بوسمة حول الاجتماع الذي جمع الملك عبد العزيز وروزفلت، وأيضا ما ورد في البيت الشعري الذي قرأته (وهو في الحقيقة كلام واقع وكلام سياسي مهم). أريد أن أقول أنه حينما تكون هناك نظرة استراتيجية لواقع معيّن، يكون الكلام في ذلك الواقع وفي ذلك التاريخ صحيحا. وهو ما يذكرني بما قاله الرئيس الراحل بورقيبة، وفي اعتقادي أنه كان يجب التحرك في ذلك منذ قاله بورقيبة وأنا متأكد من أن بورقيبة بإستراتيجيته وفهمه المتطور للعالم، هي التي دفعته لاقتراح هذا المشروع. ولذلك كل الظروف التي كانت متاحة في المرحلة التي رفضنا فيها بعض المقترحات والمشاريع كانت تصوّر لنا خطأ هذه المشاريع والمقترحات. ولما اقترحوا على أبو عمّار الذهاب إلى كامب ديفيد قال لكلينتون : أرجوك يجب التحضير بشكل أفضل لكامب ديفيد، فأرجوك أجله قليلا" في حين أصرّ باراك فأصر كلينتون بدوره. فقال عرفات لكلينتون "يا سيدي، إسرائيل لم تنفذ الاتفاقات المرحلية التي وقعناها معهم، فكيف أتفاوض معهم على اتفاق نهائي هل تضمن لي تنفيذ الاتفاقات ؟ وإذا اتفقنا معهم، أتضمن لي تنفيذ الاتفاقات السابقة ؟ فقال كلينتون "إذا اتفقت معهم اتفاقا عاما أضمن لك تنفيذ الاتفاقات" وأضاف "إذا فشلنا لن ألومك". في كامب ديفيد جاء باراك وكان معه صرة من الاتفاقات (أما أن تأخذوها كلها أو تتركوها كلها) وكان مدرجا حتى الاتفاقات الموقعة سابقا، بمعنى أنكم إذا لم توافقوا على الصرّة كاملة، تصبح الاتفاقات السابقة لاغية. أبو عمّار وافق تقريبا- على كل شيء، في كامب ديفيد وافقنا على كل شيء حتى على موضوع اللاجئين وتم الاتفاق على إرجاع حوالي 150 ألف فلسطيني لديارهم، وأيضا موضوع التعويضات وتقريبا تم حلّ كل الإشكالات إلا موضوع القدس، لأنهم يريدون سيادة كاملة مع إسناد سيادة ظاهرية لنا. مثلا يقولون أن الأماكن المقدسة لكم وتستطيعون أن ترفعوا فوقها علم فلسطين، ولكن تحت الأماكن المقدسة وفوق الأماكن المقدسة السيطرة لنا. وهكذا اتوا لنا بقصص ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا لم يحدث الاتفاق وانتهت هذه الجولة من المفاوضات وذهبنا على طابا. وكان الكل يلومُ أبو عمّار لكن "رومل مولي" وهو يهودي وكان عضوا في الوفد الأمريكي في كامب ديفيد، برأ أبو عمّار من فشل محادثات كامب ديفيد وقال أنه ليس مسؤولا عن هذا الفشل.

في طابا اتفقنا معهم على كل شيء تقريبا وبقي أن يعرض الاتفاق أمام المجلس الوطني الفلسطيني وأمام الكنيست، وحتى في طابا حمل باراك الاتفاق وقال سأعرضه على الشعب الإسرائيلي. فرفض كلينتون ذلك (كلينتون كان شخصية معتبرة ومعتدلة، خلافا لهذا الذي يحكم الآن هذا القاتل ووجوده في المحادثات كان يضمن نوعا من الحيادية) وقال له لا تعرضها على الشعب بل يجب أن تعرضها على الكنيست، لأن حزبكم (حزب العمل) له الأكثرية في الكنيست وبإمكانكم المصادقة على الاتفاق. أما إذا عرضتها على الشعب فقد لا تتم المصادقة عليها. فمثلما سيعرضها أبو عمّار على المجلس الوطني يجب أن تعرضها أنت على الكنيست. فقال له طيب. فماذا فعل باراك، عاد إلى إسرائيل ودعا إلى انتخابات مبكرة وهي التي جاءت بشارون.

في خصوص السؤال المتعلق بمقتل أبو جهاد، أبو جهاد كان يرفض أن يقوم بعمليات يسميها هو بعمليات غير نظيفة والذي كان بإمكانه أن يقوم بعمليات غير نظيفة والذي كان على علاقة طيبة بالمرحوم صدّام حسين هو أبو نضال، أبو جهاد قتله الإسرائيليون، لا لأنه سيضرب مصالح أمريكا بل قتلوه، لأنه هو الذي فجّر الانتفاضة. فخلال فترة الانتفاضة اتصل بي أبو جهاد وأنا في أوسلو، وقال لي : ثمة فتاة في النرويج ستتصل بك، وهذه الفتاة يجب أن تعود من حيث جاءت ولو تكلف عودتها مليون دولارا فأرسل لي الآن رقم حساب غير حساب المنظمة وسأحول لك المبلغ. "فقلت له حاضر أخ أبو جهاد".

وفي اليوم الموالي اتصلت بي الفتاة على الهاتف وطلبت أن تراني فوافقتُ. وقالت سيتصل بك أناسا وسيقولون لك أين سنلتقي. فجاءتني امرأة تشتغل بالعمل التضامني الفلسطيني كممرضة وقالت لي "أخ عمر أنا سآخذك لتلتقي بالفتاة" فذهبنا إلى ميناء أوسلو وركبنا قاربا لمدة عشرين دقيقة ونزلنا في جزيرة ودخلنا على بيت واسع وجميل حيث شاهدت شابة فلسطينية تنتظرني فقالت لي أنا معي إذن بالعبور (Laissez passer) من الإسرائيليين وجئت إلى هنا وتأخرت فانقضت مدّة صلوحيتها وهم لن يتركوني أرجع. فاستغربت لذلك فكيف يتدخل أبو جهاد في مثل هذه المسائل، فقلت ما العمل ؟ فقالت يجب أن تتحدث مع وزارة الخارجة النرويجية كي يتوسطوا لي للعودة، فأنا من القدس، فوعدتها بذلك وتمكنت من العودة. وأنجزت ما طلب مني دون أن أتحدث في الموضوع فقط أعلمت أبو جهاد بذلك. واتضح لي إثر ذلك أن هذه الفتاة من قادة الانتفاضة في الداخل.

وبكل هذا قتلوا أبو جهاد الذي كان حتى وهو موجود في تونس كان يحرّك الناس في فلسطين. أما العمليات غير النظيفة فكانت من اختصاص أبو نضال، مثلما فعل في الدانمارك. فبعدما توصلنا إلى إنجاز اختراق إعلامي وكسبنا تعاطف الناس إلى درجة أن الدانمركيين يصافحونني في الشارع وبعد أن تقدمنا في التعريف بقضيتنا، جاء أبو نضال ونسف ثلاثة مكاتب سياحية ونصف كل ما أنجزناه. ومهمتي في هذه البلدان التي عملت فيها سفيرا أن أعرف بقضيتي وأن أعرف بالمناضلين الذي يقدموا دمائهم على الأرض الفلسطينية يوميا وهؤلاء المناضلون على الأرض هم الذين حولوننا من بقة إلى سفراء حقيقيين.

بالنسبة للأخت مقراني جنات، أنا لا أختلف معك أبدا، وأنا أقول كلكم فلسطينيون وأول مرّة جئت فيها لهذا البلد سنة 1965 بحكم علاقة الصداقة التي تجمعني بزميل تونسي درّس معي. وكنت أقيم بنزل كلاريدج.

الموضوع المهم جدّا هو الجبهة التي من المفروض أن تكون ثورية والتي تحدث عنها أستاذنا عبد الجليل التميمي، والحقيقة أننا أيضا انتبهنا على هذه الجبهة لكن لم يقدم ما يجب أن يقدم. وسأعطيكم مثلا : مركز الأبحاث هو مركز مهم وكان يديره الدكتور أنيس الصايغ وأصدر الموسوعة الفلسطينية. ولما خرج أبو عمّار من لبنان، فاجأ كل الناس بأنه كان يردّد "أين سيارة الجيب، لا بد من جلب سيارة الجيب" فأتوه بها، وهذه السيارة كانت كلها ميكروفيلمات ووثائق وغيرها من وثائق مركز الأبحاث كان يخفيها أبو عمّار في السيارة. وهو ما يقيم الدليل على الاهتمام الذي كان يولى لمثل هذه المراكز.

وكان "جان بول سارتر" طلب سنة 1966، من العرب والفلسطينيين أن يكتبوا رأيهم حول الصراع العربي الإسرائيلي لكي يصدره في عدد خاص من مجلته : (Les Temps modernes) وطلب أيضا من الإسرائيليين أن يفعلوا ذلك ليصدر في عدد خاص آخر. وفي علاقة بهذين الإصدارين، قرر الدكتور أنيس الصايغ ترجمة وجهة النظر الإسرائيلية في إطار مقولة "إعرف عدوّك" ونشرها في كتاب يحمل عنوان "في الفكر الصهيوني المعاصر" لكن الغريب أنه لم يقبل أي بلد عربي أن يستقبل هذا الكتاب.

ويذكرني هذا أيضا- بحادثة حصلت معي، عندما كنت شابا، وكنت عائدا من الجزائر، فمررت إلى تونس حتى أجدد وثيقة السفر فقال لي القنصل لم لا تسافر برّا عبر ليبيا ومصر ثم الطائرة إلى سوريا فأعجبتني الفكرة وفي طريقي إلى ليبيا وعند وصولنا الحدود الليبية التونسية (وكان ذلك أيام الملك السنوسي) وصلنا الحدود وكنت الوحيد الذي يرتدي ربطة عنق فأنزلوني وكنت الوحيد الذي فعلوا معه ذلك. وسألت عن الكتب التي أحملها معي وخاصة كتاب بعنوان "أزمة الماركسية الراهنة" كان قد أهداني إياه صديق لي. فأخذوني للتحقيق وسألني ضابط مدني عن الكتاب المذكور فقال أنها كتب ممنوعة. فاحتجزوني وقالوا أنهم سيرسلون هذه الكتب لدائرة المطبوعات في ليبيا. فقلت خذوا هذه الكتب وسلموها للسفارة السورية وأنا سأتسلمها لاحقا من السفارة، أو صادروا هذه الكتب الآن وسلموها لي عند الحدود المصرية، لأنني لم أشأ التخلي عن كتبي. وفي النهاية احتجزت لمدة يومين في طرابلس لأنه صادف يومي خميس وجمعة، ليفرجوا عني يوم السبت بعد أن صادروا كل الكتب وسلموني كتابا واحدا.

آتي الآن إلى التعرض لموضوع اللوبي ومثلما سبق وقال الدكتور التميمي بأن هناك حلقة مفقودة، وهذه الحلقة المفقودة مازالت قائمة تحديدا في أمريكا وعند اللوبي العربي. لأن هذا اللوبي (أو مركز الضغط) إذا لم يصل إلى الكونغرس فلا فائدة ترجى منه. فالعرب يكونون لوبي في أي مكان ما عدا الكونغرس وهذه هي المشكلة. ونفس المعضلة قائمة مع الجاليات عندنا (في البلدان الأسكندنافية) حيث أنهم لا يذهبون لأصحاب القرار أي أنهم بلا تأثير وشكرا.

د. عبد الجليل التميمي :

شكرا على كل هذه البيانات وشكرا للزملاء والزميلات الذين أثروا هذا اللقاء بأسئلتهم الهادفة والبناءة، وشكرا للدكتور عمر على هذه الأريحية وهذه المعلومات الجوهرية التي نحن في اشد الحاجة إليها. وشرف للمؤسسة أن استضافتك هذا الصباح. وشكرا.