مابعد العلمانية

قراءة بفكر الفيلسوف يورغن هابرماس حول صياغة نظرية للحداثة ولعقلانية جديدة


أعداد .د.هشام عوكل .بلجيكا .

يعتبر يورغن هابرماس Jürgen Habermas( 18 يوليو 1929 - ) من أهم علماء الإجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر. ولد في دوسلدورف ، ألمانيا.يعد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية له ازيد من خمسين مؤلفا يثحدث عن مواضيع عديدة في الفلسفة و علم الاجتماع و هو صاحب نظرية الفعل التواصلي.

جاء بروفيسور يورغن هابرماس إلى تيلبورخ لتقديم المحاضرة السنوية التي يقدمها كل عام واحد من الضيوف المرموقين بمعهد نيكسوس الزائع الصيت وهو فريق عمل فكري اشتهر بإقامته نقاشاً فكرياً عالمياً عبر برامج مؤتمراته ومحاضراته المختلفة.

حيث أكد بأن الفلسفة هي محاولة ‘لتفسير العالم المنظور بما هو غامض وغير منظور‘. من المؤكد أن الفلاسفة يساعدوننا على تفسير العالم بمفاهيم مجردة، غير ملموسة مثل العدالة، الحق، والجمال. لكن، عندما يبدأ الفلاسفة يتحدثون إلينا بمصطلحات من قبيل ‘الخطاب التبريري التفاضلي‘وإدراك الواقع‘ يتركون معظمنا تحت سحابة من الحيرة والتشويش وعدم الفهم لا يستطيع أي قاموس أن يبددها.

يورغن هابرماس فيلسوف استطاع أن يحافظ على توازن مفيد بين أبراج الميتافيزيقا الأكاديمية التي تغطيها سحب التشويش والحيرة وبين الواقع اليومي الأرضي عبر مشاركاته المستمرة في النقاش العام حول القضايا الساخنة مثل قضية الإسلام في أوروبا. في الواقع، فإن ما يقف وراء جوهر نظريته الشهيرة التي يسميها ‘الفعل الاتصالي‘ هو اعتقاداه الراسخ والعميق في الحاجة إلى نقاش نقدي يضم الجميع حيث تتعاون جميع الأطراف على قدم المساواة من أجل الوصول إلى تفهم أو فهم لأية قضية.

1.الدين

قال هابرماس لمستمعيه الهولنديين: "ما يحتاجه الفضاء الديمقراطي العام والثقافة الليبرالية الجماعية في المقام الأول هو تداول الأفكار بهدوء وروية والمساهمة بحجج يسندها الإطلاع والمعلومات والمنطق السليم"، وهنا يكشف فيلسوفنا عن احترامه وإيمانه بقدرة العقل على جعل الناس من الثقافات المختلفة يقفون على أرضية واحدة. وظل هابرماس على الدوام يكن الاحترام إلى ما أنجزه عصر التنوير في الحقوق الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبار أنها تصدق على كل البشر، ويرفض التعددية الثقافية العدمية المتطرفة التي ولدتها حركة التنوير أيضاً ويصفها بأنها شكل آخر من أشكال الهيمنة الإمبريالية الغربية.

وتبنى هابرماس خلال محاضرته في تيلبورخ بعنوان: مجتمع ما بعد العلمانية. ماذا يعني هذا الاصطلاح ؟ نظرة نقدية حادة تجاه فرضية أن التحديث يتلازم مع العلمانية ويقود بالضرورة إلى تهميش دور الدين، خاصة في الفضاء العام. ويقول إن الاعتقاد بأن الدين يختفي تدريجياً خلال عملية التحديث يفتقر للأرضية التي يقوم عليها، ويبدو أننا في الغرب الغني على حد قولة نعيش حالياً في مرحلة مجتمع ‘ما بعد العلمانية‘.

2.الولايات المتحدة

ينظر هابرماس إلى الولايات المتحدة مستشهداً ب " حيوية المجتمعات الدينية الأمريكية والنسبة المئوية الثابتة للمواطنين الأمريكيين المتدينين" على سبيل المثال، ليقول "تظل الولايات المتحدة، رغم كل ذلك، رأس الرمح في التحديث". ويوضح أنه وبدلاً من اعتبار ذلك استثناءً في قانون مسيرة العلمانية " فإن الولايات المتحدة تبدو حالياً نموذجاً للأساس قوي ، بينما تبدو العقلانية الغربية، التي كانت في يوم من الأيام تُستخدم كنموذج لباقي العالم، استثناءً بالفعل".

ويصف هابرماس، ناظراً إلى ما يمكن اعتباره "انبعاث ديني على مستوى العالم"، من الإرساليات الإنجيلية في أمريكا اللاتينية إلى تقدم التيارات الأرثوذكسية المحافظة في الديانات العالمية الراسخة، يصف النظام في إيران والإرهاب الإسلامي بأنه " لا يعدو كونه مثالاً صارخاً على التفريغ السياسي للعنف الكامن في جميع دياناتنا، حيث تندلع الخلافات المكبوتة ذات الطبيعة الأرضية غير الدينية بمجرد التعبير عنها بمصطلحات دينية. وهذا يصدق على ما يُسمى بإضفاء الطابع الديني على الصراع في الشرق الأوسط، وبحشد اليمين الديني في الولايات المتحدة قبل وخلال حرب العراق

3.العنف.

أما بخصوص مسألة العنف، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وجد هابرماس نفسه مضطرا للدفاع عن أطروحته التواصلية نظرا للانتقادات التي تعرض لها " مفهوم العقل التواصلي " حيث شوشت على هذا المفهوم المركزي في نظريته. هذا التشويش دفعه إلى استغلال فرصة الحوار الذي أجرته معه الباحثة الأمريكية جيوفانا بورادوري Giovanna Borradori حول " الفلسفة في زمن الرعب "، لرد على الانتقادات التي وجهت لنظريته، معتبرا أن نظريته بإمكانهـا أن تساهم اليوم في تجـاوز حالة العنف التي أصبحت هي الحالة السـائدة في العالم بما في ذلك في أوربا " فهـذه الأخيرة التي كانت تعيش حالة من الاستقـرار والسلم أصبحت مهددة بدورهـا بظاهرة العنف، وذلك لكون العنف أصبح يشكل بنية لهذه المجتمعـات، هذه البنية التي هي نتاج للتهميش والتفقير ".

وبحكم أن العلاقات الاجتماعية أصبحت رهينة للعنف، وللفعل الإستراتيجي والتحكم، فإن هابرماس يرى أن هناك عاملين أساسيين يجب أخذهما بعني الاعتبار : ممارسة حياتنا اليومية جنبا إلى جنب تستند على أساس صلب لقناعات مشتركة وحقائق ثقافية بديهية بذاتها وأمال متبادلة. فتنظيم الفعل يتأسس من خلال ألعاب اللغة العادية، ودعاوي الصلاحية المرفوعة بشكل متبادل أو على الأقل تلك المعترف بها بشكل ضمني في الفضاء العمومي من جهة، ومن جهة أخرى، وبسبب هذا، فالصراعات تنشأ من خلال تشوه في التواصل، وسوء التفاهم، والفهم وأخيرا من خلال الكذب وخيبة الأمل.

4.الكنيسة والدولة

يقول هابرماس: " صحيح أنه في العصر الراهن أصبح الدين يحصر نفسه في الفعالية المركزية له المتمثلة في الرعاية الكنسية للأتباع، وانزوت ممارسة العقيدة إلى الفضاء الشخصي. وفي نفس الوقت أصبح الدين يكسب نفوذاً على نطاق العالم، وعلى نطاق فضائنا العام أيضاً. كما أصبحت الكنائس والمنظمات الدينية تقوم بشكل متزايد بلعب الدور الذي يمكننا أن نسميه بالتأويل في فضاء مجتمعاتنا العلمانية. وبذلك تستطيع هذه المؤسسات التأثير على الرأي العام بمساهمات ذات علاقة بالقضايا الرئيسية، بغض النظر عن أن الحجج التي تتضمنها هذه المساهمات قادرة على الإقناع أو ليست قادرة". وقاد ذلك هابرماس إلى طرح السؤال: "ما الذي يجب أن نتوقعه من بعضنا البعض من أجل ضمان استمرار الطبيعة المدنية للعلاقات الاجتماعية في دولنا الوطنية المتحصنة جيداً رغم تعدد الثقافات ووجهات النظر الدينية في العالم؟" وللحصول على إجابة لهذا السؤال، يلقي هابرماس نظرة على مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة، الذي انبثق من الحروب الدينية في أوروبا مطلع العصر الحديث. ويقوم بتذكيرنا بأن هذا الفصل لم يتحقق إلا تدريجياً عبر القرون واتخذ شكلاً مختلفاً في كل منظومة قانونية خاصة بكل دولة من دولنا الأوروبية.

5.الديمقراطية

في الوقت الذي أصبحت فيه الحكومات تتمتع بطبيعة علمانية، أصبحت الأقليات الدينية تحصل تدريجياً على المزيد من الحقوق. ويلفت هابرماس أذهان مستمعيه إلى أن التسامح في هذه الأيام لا علاقة له باحترام وجهات نظر الآخر وتقديرها، بل لا يعدو كونه، وببساطة، مساومة جماعية عملية تتيح لكل طرف من أطراف النزاع أن يستعصم بموقفه. وقد كانت مهمة الدولة الأساسية بعد الإصلاح البروتستانتي هو تهدئة المجتمع، نزع سلاح الأطراف المتنازعة، والإشراف على تعايشها الهش. وشدد هابرماس على أن هذه الطريقة في العيش قد أثبتت عدم كفايتها، ففي ظل النظام الديمقراطي الذي نشأ نهاية القرن ال 18 عندما أصبحت الدولة تخضع لقوتين: حكم القانون، والإرادة الديمقراطية للشعب " استطاعت هذه الدول الدستورية أن تكفل لمواطنيها فقط المساواة في حرية العقيدة بشرط عدم استمرارهم في التخندق داخل مجتمعاتهم الدينية والانعزال عن بعضهم البعض". وأضاف أنه يُتوقع من كل ثقافة فرعية، في ظل هذا النظام الديمقراطي والدستوري، أن تحرر أتباعها من قبضتها هي نفسها.

إن الفلسفة بحكم تعدديتها اللغوية وعلاقتها مع العديد من المباحث المعرفية بإمكانها أن تطور العديد من تأويلاتها، وأن تساهم في فهم العلاقات الاجتماعية والسياسية. كما أن بإمكانها أن تساهم في تقريب وجهات النظر بين مختلف الثقافات بخصوص القضايا الأساسية المطروحة للنقاش حاليا، كالديمقراطية، وحقوق الإنسان والعنف الذي ارتفعت حدته في السنين الأخيرة.

بخصوص مسألة الديمقراطية يرى هابرماس أنها في حاجة في وقتنا الراهن إلى الفلسفة كفاعل مؤثر في الفضاء العمومي، وكذلك لحسها النقدي، بالرغم من أن الفلسفة والديمقراطية ليس لها نفس الأصل التاريخي. فكل واحد منهما تابع للآخر بنيويا. فالتأثير العمومي للفكر الفلسفي يتطلب الحماية المؤسساتية لحرية التعبير والتواصل، على عكس هذا، فالنقاش الديمقراطي- المهدد(*) دوما – متوقف على يقظة وتدخل هذا الحارس العمومي للعقلانية والمسمى بالفلسفة

6.الحقوق المتساوية

ونجيء هنا إلى واحدة من الحجج المركزية في تفكير هابرماس حول التوازن الصحيح في مجتمع ما بعد العلمانية: "الوعي بحقيقة أن الآخر هو عضو في مجتمع جامع لمواطنين لهم حقوق متساوية حيث المواطنة المتساوية والاختلاف الثقافي يكملان بعضهما البعض".

ويشير هابرماس، مستشهداً بالوضع في ألمانيا، على سبيل المثال، إلى أنه وطالما ظل عدد كبير من المواطنين الألمان ذوي الأصول التركية والعقيدة الدينية الإسلامية يعيشون بشكل جلي في مجتمعهم القديم أكثر من عيشهم في مجتمعهم الجديد، فإن أصواتهم الانتخابية وآراءهم لا تستطيع التأثير على الفضاء العام أو على قيّم الثقافة السائدة. وفي نفس الوقت يقترح هابرماس أن تتعرض كل من العقليتين الدينية والعلمانية إلى عملية تعلم تكاملية. فبالنسبة للمواطنين المتدينين، يقول هابرماس "يجب عليهم ألا يتواءموا بشكل مصطنع مع النظام الدستوري، إذ يُتوقع منهم أن يلاءموا بين الشرعية العلمانية للمبادئ الدستورية وبين المسلمات الرئيسية لعقيدتهم". وهنا يصل هابرماس إلى القول بأن على المجتمعات الإسلامية أن تخوض نفس تجربة التعاليم المؤلمة التي أُجبرت الكنيستين البروتستانتية والكاثوليكية على خوضها، لكنه شدد على: "المجتمعات الدينية الإسلامية هي التي تقرر ما إذا كانت ستصبح قادرة يوماً ما على التعرّف على فهم إصلاحي لعقيدتها".

7.العلمانية

ويتساءل هابرماس في نفس الوقت حول ما إذا كان مطلوباً أيضاً أن يخوض الجانب العلماني عملية تعلم مماثلة أيضاً. فإذا استمر المواطنون العلمانيون في تعزيز تحفظاتهم حول الناس ذوي الذهنية الدينية على أنهم أناس لا يمكن أخذهم بجدية، فإنهم يكونون بذلك قد قوضوا القواعد الأساسية للاعتراف المتبادل الذي تقتضيه المشاركة في المواطنية. يقول هابرماس يجب على المواطنين العلمانيين أن يظلوا منفتحين أمام احتمالات أن التعابير الدينية نفسها يمكن أن يكون لها معنى إذا تمت ترجمتها إلى نصوص علمانية. " لا يمكن تحقيق جميع الأشياء بالقرار السياسي وإعمال القانون

إن الهدف الأكبر الذي تسعى الفلسفة تحقيقه، هو صياغة نظرية للحداثة ولعقلانية جديدة : عقلانية تواصلية إجرائية لا عقلانية جوهرية مطلقة، عقلانية عملية مرتبطة بسياق اجتماعي ومموضعة في التاريخ، لا عقلانية تجريدية نظرية.

إن هابرماس في الوقت الذي يتفلسف في ضوء منطلقات التواصل، يريد أن يواصل مشروع مدرسة فرانكفورت اعتمادا على وسائل أخرى من أهمها مكتسبات المنعطف اللغوي، في أفق بناء نظرية نقدية للمجتمع تسعى إلى عقلنة الفعل والسلوك والمعرفة والكلام، فالفلسفة، وإلى جانب المعارف الأخرى، تشكل معها شريكا في التحليل النقدي للمجتمع، لأن النظرية التواصلية في نهاية المطاف هي نظرية في المجتمع. دون أن ننسى أن أهم طموح لفلسفة هابرماس هو محاولته دراسة المجتمع في ضوء نظرية التواصل.

مفردات البحث: الاصطلاح، التحديث، العلمانية، تهميش دور الدين، مجتمع ما بعد العلمانية، نظرة نقدية، هابرماس تيلبورخ

مراجع وهوامش

موقع جامعة روتردام قسم ابحاث2008

موقع جسور الهولندي ملف دراسات 2007

Habermas « espace public ». Tr. Marc. B. Launy. Payot 1993. Origine

« Strukturwandel Der öffentlichkeit » suhrkamp, verlag. Am. Main 1962