"كارتر" ... وقصة أصدقاء العرب!-

 

جمال قارصلي* / ألمانيا

 

*برلماني ألماني سابق

 

لم يكن الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" هو اول من كسر محرمات سياسة بلاده، بل سبقه على هذا الطريق زعماء وسياسيون غربيون دفعوا ثمنا باهظا لصحوة ضميرهم ولوقوفهم الى جانب قضايا ضميرية، يعتبرالتطرق اليها علنا خطا أحمر في السياسة الغربية . الضجة الاعلامية والترحاب والثناء الذي تلقاه زيارة ومواقف "كارتر" في الاعلام العربي لم يحظى بها سياسيون آخرون كانوا أكثر شجاعة وانحيازا للقضايا العربية العادلة وهم على رأس أعمالهم في مواقع التأثير والقرار.

 

الرئيس الأمريكي الأسبق "كارتر" يتمتع بحصانة وحماية لم يحظى بها من ساروا على طريقه عندما بدأو بتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية ودفعوا ثمنا باهظا بسببها قبل ان يفطن الى بعضها مهندس اتفاقيات "كامب ديفيد". تلك الاتفاقيات التي دقت أخطر إسفين بين الدول العربية وحيّدت أكبر قوة عربية فاعلة وقائدة عن موقع الفعل السياسي والعسكري والاقتصادي مما قاد الى كوارث وحروب استفرادية طالت الشعوب العربية. ولا زال العالم العربي يعاني من هذه الاتفاقيات المجحفة التي رعاها "كارتر" نفسه حتى يومنا هذا. ومع هذا فقد تكون بعض تصريحات الرئيس الأسبق "كارتر" انعكاس لقناعاته المستترة او لصحوة ضمير لاحقة عبر عنها في كتابه الجّيد بعنوانه الاستفزازي: " فلسطين سلام ..لا فصل عنصري ".

 

الحقائق الواردة في هذا الكتاب لم تكن اكتشافا لقانون الجاذبية من جديد بل هي مسلّمات أقرت بها الجمعية العمومية للأمم المتحدة منذ العام 1976 في قرارها الذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والذي لم تتطهر اسرائيل منه الا بفضل اتفاقيات "اوسلو" العقيمة والمجحفة بحق الفلسطينيين، حيث مرر الغاء القرار دون اعتراض يذكر من قبل م.ت.ف ومن النظام العربي الرسمي. وللمفارقة يحسب لكارتر انه قال بوضوح وبصراحة نادرة ما لا يجرؤ على قوله بعض القادة العرب للأسف، وهم الذين اطلقوا مبادرة سمّوها المبادرة العربية ردت عليها اسرائيل بمذبحة "جنين" التي اتيح لي في حينه الاضطلاع على آثارها حيث وقفت شخصيا على اطلال المخيم المدمر، ونشهد حاليا استمرار الرد على هذه المبادرة بمحرقة وحصار "غيتو غزة" المستمرتان بوحشية على الهواء مباشرة حيث يسجن 1.5 مليون انسان في سجن في الهواء الطلق، ظروفه اسوأ من ظروف أكثر السجون سوءا في العالم كما أقر مسؤول أممي هناك.

 

أمام هذا المشهد الغريب استذكر بألم واجلال بعض اصدقاء العرب الحقيقيين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لمواقفهم الضميرية المشرفة من القضية الفلسطينية بالذات، والذين سجلوا بشجاعة نادرة هذه المواقف في كتب نشروها ولاقت رواجا هائلا في ألمانيا مثلا كما فعل "كارتر" في الولايات المتحدة ولكن على العكس منه كانت شهادتهم آخر ما قدّر لهم ان يكتبوه وينشروه على الملأ.

 

في ربيع العام 2002 شهد برلمان الولاية الأكبر في ألمانيا "شمال الراين ويستفاليا" مناقشات عاصفة تركزت حول مواقف زميل رحل عنا وهو "يورغن موليمان" رئيس كتلة "الديموقراطيين الأحرار" ورئيس جمعية الصداقة العربية الألمانية. لم يكتف ذلك الزميل الانسان المناصر للحق الفلسطيني الذي كان شغل منصب وزير الاقتصاد الاتحادي ونائب المستشار الألماني بمواقفه في ردهات البرلمان والغرف المغلقة، بل امتلك الشجاعة الأدبية والأخلاقية وهو على رأس عمله وأعلن في مناظرة تلفزيونية -مستنكرا- انه لا علم له ان الدبابات الفلسطينية تهاجم تل أبيب، بل تلك الاسرائيلية تهاجم رام الله وتحاصر الرئيس عرفات وتهدم المقاطعة فوق رأسه. وزاد على ذلك انه بصفته ضابط مظلي احتياط في سلاح الجو الالماني لم يكن ليفعل غير ما يفعل الفلسطينيون دفاعا عن أرضهم.

 

حورب الرجل وشوه واتهم بالعداء للسامية وأجبر على التخلي عن كافة مناصبه الحزبية، وكنت انا بدوري قد استقلت قبل فترة وجيزة من الحزب الذي شغل فيه الراحل الدور الأهم، لأخفف عنه الضغوط الناتجة عن انتمائي لحزبه كبرلماني من أصول عربية بمواقفي المعروفة. لم يمض وقت طويل بعد نشر كتابه تحت عنوان: "نص واضح لألمانيا" فضح فيه ممارسات حكومة اسرائيل واللوبي الصهيوني في ألمانيا في تشويه الحقائق والابتزاز الرخيص للسياسيين ألالمان حتى أعلن عن وفاته اثناء هبوطه بمظلته التي لم تفتح -بقدرة قادر!- وبشكل غامض لم تكشف ملابساته الحقيقية ابدا.

 

قائمة الرجال والنساء من القادة الغربيين الذين يتميّزون بمواقفهم الرائعة لا تقتصر على الراحل "يورغن موليمان" بل تعدتها الى قامات أوروبية رفيعة مثل الراحل "أولاف بالمه" رئيس وزراء السويد الذي أغتيل عندما كان يغادر دار السينما مع زوجته دون حراسة، حيث يعتبر "بالمه" من أكبر المناصرين للقضايا العربية العادلة. وينطبق ذلك ايضا على وزيرة خارجية السويد الراحلة "آنا لند" التي أغتيلت اثناء قيامها بالتسوق في أحد المحال التجارية دون حراسة وهي التي كانت طالبت بجرأة منقطعة النظير بمقاطعة البضائع الاسرائيلية احتجاجا على الممارسات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ولم تخضع للضغوط الأمريكية الشديدة في حينه، كما انه يحفظ لها مطالبتها بحماية ابناء الأقلية المسلمة من الاضطهاد والاعتداءات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ولم تتساوق مع حملات التحريض التي اجتاحت القارة وطالت الجاليات الاسلامية والعربية منها على وجه الخصوص. هؤلاء كانوا على رأس أعمالهم وفي وظائفهم ولم يتخلوا عن قناعاتهم وبقوا أمناء عليها بالرغم من مسؤلياتهم ومناصبهم الحكومية. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يغيّب أصدقاء العرب سواء بتشويههم سياسيا واخراجهم من الحياة السياسية او بموتهم غيلة في ظروف دراماتيكية او من خلال الاغتيال البشع؟ وماذا فعل العرب للحفاظ على ذكرى أصدقائهم وابراز مواقفهم التي تتجاوز في روعتها وشجاعتها مواقف حكامهم العرب انفسهم؟ وقد يتسائل البعض لماذا يندر وجود أصدقاء للعرب في الغرب بالرغم من عدالة قضاياهم؟ وجوابنا ان واقع الحال يتحدث عن نفسه فلا وفاء لهؤلاء ولا لذكراهم لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الشعبي العربي  مما يجعل مناصرة قضايا العرب العادلة من قبل أصحاب الضمير الحي مسألة مخاطرة تقودهم غالبا الى الصمت وليس الى الدفاع العلني عن هذه المواقف بين شعوبهم المعرضة للتضليل الاعلامي.

 

وعودا على بدء يتحدث من التقاهم الرئيس "كارتر" عن كسر للحصار السياسي وقد يصح ذلك لو كان الرئيس ألاسبق على رأس عمله. ولكن السؤال الذي يبقى برسم الاجابة: ما هو جدول محادثات "كارتر" مع من التقاهم؟ فهو لا ينطق عن الهوى وقد جاء بمهمة محددة مع ترجيحنا لحسن نواياه، وما هو مغزى اعلان وزير مهم في حكومة أولمرت استعداده لفعل الشيء نفسه الذي قام به "كارتر"؟

 

وفي المحصلة وامام استمرار حصار غزة التجويعي ووجود أكثر من 11 الف اسير فلسطيني خلف القضبان واستمرار "المحرقة" ضد مواطني غزة لا بد ان تكون نتائج جولة "كارتر" وجدول أعمالها بحجم هذه الفواجع حتى نتحدث عن فتح كوة في جدار الحصار بأشكاله المركبة ونتمكن من التغني بمواقف "كارتر". والا فان مواقفه ومبادراته لا تتعدى كونها خطوة لامتصاص زخم الغضب الشعبي والعالمي والنقمة على استمرار المأسآة العنصرية وجريمة الحرب المستمرة في قطاع غزة المحاصر اسرائيليا وعربيا للأسف.

 

واذا لم يقر الرئيس "كارتر" بأنه لا يجوز مقارنة صواريخ غزة البدائية بما تفعله طائرات الأباتشي الأمريكية في شعب غزة، ولم يقل لمحدثيه ان دموع امهات أكثر من 11 الف أسير فلسطيني تتجاوز في معناها وأثرها الانساني دموع ام اسرائيلية واحدة هي ام الأسير "شاليط"، فاننا أمام مهمة رجل غير موضوعي و "صاحب هوى" يتناقض في مهمته مع ما ورد في كتابه "فلسطين سلام ..لا فصل عنصري".

 

جمال قارصلي / ألمانيا

 

jamal@karsli.de