من ذاكرة الأسر

 
الأسيران المقدسيان صلاح الحموري وموسى درويش - راسم عبيدات


شموع على طريق الحرية


......هذا الشاب اليافع الممتلىء حيوية ونشاط،ملامحه الناعمة تعطيك انطباعاً للوهلة الأولى،بأنه لا علاقة له بالسياسة والثورة والنضال، وقد يكون أقرب الى جماعة"الكتكات"، وهي لفظة تطلق في الجامعات المحلية على الشبان والبنات،الذين لا يبدون اهتماماً بالقضايا السياسية والطلابية، ويحبون المرح والانبساط والأنشطة الترفيهية، ولكن سرعان ما يتبدد هذا الشعور،عندما تكتشف أن هذا الحمل الوضيع وصاحب الوجه الطفولي، مناضل شرس وعنيد،وملتصق بهموم الوطن والثورة والحزب،والوطن والثورة والحزب مفردات لها مساحات واسعة في حياته واهتماماته،حيث عرف طريقه للنضال مبكراً، وكان قائداً طلابياً بامتياز، ويشهد له بذلك إدارة ومدرسي وطلاب مدرسة الفرير في القدس، والتي كان أحد طلابها، والتي كانت في عهدة شعلة للنشاطات الطلابية والوطنية، وهذا جعله عرضة لملاحقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، حيث اعتقل وهو على مقاعد الدراسة.

باختصار كان الحموري يبني ويحرض ويؤطر ويقود ويعمل بلا كلل، حتى تشعر أحياناً أن هذا الشاب يوصل الليل بالنهار، ويتحرك على مدار الساعة، وكان مثقلاً بالمهام والمسؤوليات حسبما روى أصدقاءه ورفاقه، ورغم كونه في العشرينات من العمر،إلا أن فعله ووعيه أكبر من ذلك بكثير، وهو معروف ليس على مستوى منطقة القدس،بل على مستوى الضفة كقائد جماهيري،شبابي وطلابي ، فقد كان منصهراً ومنغمساً في هذه النشاطات حتى النخاع، فخبراته وتجاربه وقدراته وترجماته وانجازاته العملية ،جعلته محط ثقة واحترام رفاقه، وفي الجامعة: ‑ جامعة بيت لحم،التحم في العمل وأثمرت جهوده مع ثلة أخرى من أعضاء جبهة العمل الطلابي التقدمية عن استعادة جبهة العمل لدورها وقيادتها في الجامعة، وقد جرى اعتقاله إداريا وهو على مقاعد الجامعة، ليعود بعد التحرر من الأسر إليها،أكثر قدرة على البذل والعطاء، وتجذر في النضال والانتماء، وأصبح الحزب يعول عليه في قيادة ضفة نشاطاته الجماهيرية في أكثر من مجال وميدان، وفي خضم العمل والنشاط وفي الوقت الذي كانت فيه الجبهة الشعبية تجند طاقاتها وإمكانياتها في منطقة القدس لخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وبالتحديد في شهر آذار. جرىاعتقال هذا الرفيق، الذي كان يعول عليه في مجال التحريض والاستقطاب، والمشاركة في قيادات الحملة الانتخابية، وفي المعتقل يجري تحقيق غير عادي مع الحموري ،ولمدة زمنية زادت عن شهرين وبشكل مكثف استخدم فيه الاحتلال كل أساليبه المشروعة وغير المشروعة، وكان جل تحقيقه كما فهمنا لاحقاً في المعتقل يتركز،حول علاقته ودوره في المشاركة في التخطيط لاغتيال الحاخام"عوفاديا يوسف"، ولأن هذا الرفيق كان مؤمناً أن التحقيق،هو عبارة عن صراع إرادات ،انتصرت فيه إرادة المناضل على إرادة الجلاد، وبعد ذلك يتواصل مشواره في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، ونظراً لما كانت تستشعره إدارات المعتقلات من خطورة لهذا الشاب من حيث القدرة على ترتيب وتنظيم أوضاع الحركة الأسيرة، كانت تقدم على ترحيله قسرياً من معتقل لآخر، وقد عاش فترة في سجن "هداريم" مع الرفيق الأمين العام القائد المناضل احمد سعدات ومع القائد مروان البرغوثي، والذي كان يدرسه الحموري الفرنسية، وقد استفاد في تعميق وعيه وخبراته التنظيمية والسياسية والوطنية، من خلال تفاعلاته وتواصله وجلساته مع الأمين العام، وبالتالي تحول الى قائد تنظيمي في المعتقل ، ليصبح جزء من قيادة منظماتها الاعتقالية، والحموري إنسان واسع العلاقات مع مختلف ألوان الطيف السياسي، ومبادر في كل القضايا الوطنية والاعتقالية والحزبية والحياتية، وهو إنسان مرح ولا يحب التعقيدات والتزمت والانغلاق في القضايا الاعتقالية والحياتية..

أما رفيق دربه المناضل موسى درويش من بلدة العيسوية / القدس، فهو ابن أسرة مناضلة فوالده أسير سابق، وهذا جعله يفتح عينيه مبكراً على النضال، ومن هنا كان جزءاً مهماً من الإطار الطلابي للجبهة الشعبية-اتحاد لجان الطلبة الثانويين- في القدس، ومن خلاله كان يعبر عن أفكاره وقناعاته، ويشارك في المناشطات الطلابية والجماهيرية من أنشطة طلابية،الى أخرى جماهيرية مسيرات واعتصامات، وزيارات لعائلات وأسر الشهداء والجرحى، وكما روى وعرفنا منه في المعتقل أثناء تعرفي عليه في سجن عسقلان 2006 ، فرغم أنه أكثر من مرة عندما قطعت به ومعه العلاقة،بسبب حملات الاعتقال المتكررة لرفاق دربه وحزبه، كان على رأي "لينين"يعتبر نفسه الحزب ويواصل المسيرة والمشوار،وللإنصاف الرفيق موسى شكل حاضنة ونموذج ومثلاً للرفاق في العيسوية، وأصبح بمثابة القائد لهم في الأنشطة الجماهيرية والكفاحية، وتوسع نشاط الجبهة في منطقة العيسوية، وزداد فعلها وحضورها وجماهيريتها، وخصوصاً بين الأجيال الشابة، وهذا النشاط الملحوظ والمتواصل جعل هؤلاء الشباب هدفاً للمخابرات الإسرائيلية، والتي تنظر بخطورة عالية إلي أي عمل وفعل كفاحي ونضالي في منطقة القدس، وقد جرى اعتقال الرفيق موسى درويش في شهر آذار 2005 ، ويتعرض لجولات قاسية من التحقيق، وكان الاعتقاد أن المناضل موسى درويش يجري التحقيق معه حول قضايا جماهيرية وطلابية، ولكن طول فترة التحقيق والأساليب العنيفة المستخدمة فيها،أثارت تساؤل حول أسباب الاعتقال، لكي نفاجئ بأن الرفيق موسى درويش متهم يترأس خلية خططت وووصلت مراحل متقدمة لاغتيال الحاخام "عوفاديا يوسف" الحاخام الأكبر في إسرائيل،كما قالت أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وفي السجن تعرفت على المناضل موسى درويش والذي لم أكن أعرفه سابقاً، ووجدت أن هذا الشاب ، يمتلك من القدرات والطاقات الكثير، وإذا ما وجد رعاية كافية وجدية، فهو مشروع كادر وقائد واعدين، فهو يريد أن يتعلم ويتثقف في الكثير من المسائل والقضايا، وقد عرض علي العديد من محاولاته لكتابة مقالات صحفية، وتلخيص لكتب طالعها، وكان حريصاً على الاستفادة من الجلسات الثقافية والتنظيمية والفكرية، وموسى يبدي غيرة عالية على مصلحة رفاقه، وإن كان أحياناً ينشد ويتعصب لمقدسيته ولرفاقه، ولكنه على الصعيد الاعتقالي ،ينسج العلاقات ويلتف حول هموم المعتقل ومطالب الحركة الأسيرة، وان بدا في بداية اعتقاله غير متأقلم مع الأمور الحياتية في المعتقل،لكونه غير معتاد عليها.

الحموري ودرويش نموذج لشباب متقد بالعطاء والنضال ،وهؤلاء الشباب إذا ما وجدوا الرعاية والاحتضان في داخل المعتقل،والتضامن مع ذويهم خارجه ،فلا شك أنهم سيواصلون المسيرة ،ويصبحون رموز ونماذج يعول عليهم في البناء والتنظيم.

أما إذا تسرب الى نفوسهم ويشعروا بأن لا أحد يهتم بهم أو يسأل عنهم وعن ذويهم ، فهذا حتماً سيؤثر على عطائهم واستمراريتهم، وهم لا يريدون أكثر من علاقات رفاقية دافئة وتواصل مع أهليهم،وهم يدركون جيداً أن مشوارهم طويل، فلا افراجات ولا حسن نوايا ستحررهم، ولكن على السلطة الفلسطينية والقوى والأحزاب،تحمل مسؤولياتها تجاه أسرى القدس والداخل. وليس تركهم فريسة للاحتلال وتصنيفاته وتقسيماته واشتراطاته.


راسم عبيدات

القدس- فلسطين