حركة فتح وسؤال المصير..
 خالد بدير
 
2008-04-21  
 
يبدو أن اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام السادس لحركة فتح لم تفلح حتى كتابة هذه السطور في تحديد العديد من الجوانب المهمة حول المؤتمر الذي يعتقد الكثيرون، حتى من كوادر فتح، أنه سيكون محطة مفصلية في تاريخ الحركة الفلسطينية، التي كان لها دور كبير سواء على صعيد مقاومة الاحتلال عبر إطلاقها الرصاصة الأولى في الثورة المعاصرة أو على صعيد انخراط قيادتها الرسمية في قطار التسوية، خشية أن يفوتها هذا القطار دون أن يكون لها أي حصة في النتائج كما كان يردد بعض المسؤولين في فتح.

وتعود أهمية انعقاد المؤتمر العام السادس لفتح انطلاقاً من دور فتح المشار إليه الذي تحول إلى دور إشكالي بعد انتقال القيادة الفلسطينية الرسمية إلى الداخل الفلسطيني إثر توقيع اتفاقيات أوسلو وبناء سلطة الحكم الذاتي، فهذا الدور حمل سمة خطرة وهي الانفصام بين ماهية فتح كحركة تحرر وطني وموقعها الفعلي عبر قيادتها كحزب للسلطة يدير شؤون التفاوض مع العدو الذي اعتبره برنامج فتح كياناً استيطانياً عنصرياً ومقاومته واجباً وطنياً وقومياً ودينياً وإنسانياً، ومثل هكذا فصام خلق موضوعياً- تناقضات تنعكس على بنية وأداء وبرنامج فتح بأهدافه ومنطلقاته والأسلوب الذي وافق عليه الفتحاويون منذ انطلاق الحركة في الأول من كانون الثاني من عام 1965.

والملاحظ في هذا الدور الإشكالي أنه مع مرور السنوات ساهم في مضاعفة الأزمات الداخلية بغض النظر عن الظروف التي يعيشها الداخل الفلسطيني، ففي أوقات انتعاش التسوية وتحرك المفاوضات تعلن تيارات أخرى (تيارات المقاومة) وجودها وحضورها عبر رفض التسوية ومآرب (جماعتها) في فتح، ما يثير انقسامات بين كل التيارات التي تتحول في لحظة ما إلى فسيفساء يصعب إعادة صياغتها في (أيقونة) فتح، الأمر ذاته يحدث أثناء ذروة الانتفاضات والمقاومة حيث ينشب صراع مواز يبادر إليه ممثلو تيارات التسوية الذين يرى قسم منهم أن انخراط فتح في المقاومة المسلحة حالة عدمية مغامرة لا تورث تجربة السلطة إلا مزيداً من النوائب والمصائب.
 
 
 


الدور الإشكالي لحركة فتح ساهم في مضاعفة الأزمات الداخلية
ورغم أن هناك من يعتبر أن مثل هذه التناقضات تعبير عن (ديمقراطية) فتح ومرونتها إلا أن ذلك في جانب آخر يعكس مدى قابلية هذه الحركة للتفكك والانقسام إلى تيارات مختلفة، وذلك وفقاً لطبيعة النزاعات التي تنهش فتح، وهي نزاعات أو تناقضات لا تتم بين طرفين أو مركزي قوى بل بين أطراف ومراكز متعددة لدرجة أن تيار التسوية يتشظى في لحظات الأزمات إلى عدة تيارات، منها ما يرى أن القطار الأميركي سائر بسرعة ويجب عدم مغادرته رغم كل الظروف، وتيار آخر مع التسوية ولكن وفق التوازي مع الخطوات العربية دون الخروج عن الاتساق مع هذه الخطوات، وتيار مع مراجعة مشوار التسوية والتفاوض والبحث عن خيارات أخرى، والفروقات السياسية بين أطراف هذا التيار ذاته كبيرة رغم أنها تؤمن بالتسوية السياسية كخيار في التعامل مع الإسرائيليين، وهو ما قد يكون أحد عوامل بروز تصريحات من رموز رسمية كبيرة تتحدث عن العودة إلى الأمة العربية في حال عدم اتضاح الرؤية أمام العملية التفاوضية، أو هو ما سمعناه من قبل رئيس حركة فتح محمود عباس، ومن قبل العديد من قياداتها، وذلك من أجل التحكم بمختلف خيوط اللعبة داخل الحركة، عبر استمالة أطراف من تيار التسوية ومن التيار المقاوم.
 
 
 


الأزمة التي تعكسها النزاعات والتناقضات ستعكس ذاتها على المؤتمر العام القادم
وانطلاقاً من هذا الواقع فإن الأزمة المعبر عنها بتلك النزاعات والتناقضات والإشكاليات لابد أن تعكس ذاتها على المؤتمر العام السادس عبر تأثيرها أولاً على اللجنة التحضيرية للمؤتمر التي لابد أن تنتج مشروعات للبرنامج السياسي والتنظيمي والمالي وغيرها من التقارير لعرضها على المؤتمر، وهي التي يتوقع منها أن تتوصل إلى آلية انعقاد هذا المؤتمر في ظل الشتات المركب ما بين داخل وخارج وضفة غربية وقطاع غزة، وقدس، ومن ثم تحديد مكان وزمان المؤتمر، ومن الواضح أن معظم هذه القضايا لم يتم التوصل إليها حتى الآن بل إن هناك قيادات متحاربة تتوقع ألا يعقد المؤتمر من خلال جملة إشارات حصلت في الفترة الأخيرة ومنها:

- تخفيض أغلبية اللجنة المركزية عدد أعضاء المؤتمر إلى 700 عضو عبر بوابة تقليص عدد الكوادر العسكرية من قوات العاصفة والإبقاء على رقم 11 عضواً لكل إقليم بصرف النظر عن حجمه ودوره وأهميته.

- الصراعات التي انتقلت إلى العلن بين قيادات مثل نصر يوسف وهو مسؤول المكتب العسكري في فتح ومحمد دحلان بسبب اتهام الأول للثاني بالإساءة إلى فتح ودورها عبر ما افتعله في غزة وهروبه فيما بعد منها.

تأكيد قدورة فارس وهو قيادي في فتح أن اللجنة المركزية غير راغبة في عقد المؤتمر السادس بسبب الخلافات حول الكثير من القضايا.
- استقالة ناصر القدوة من اللجنة التحضيرية، واتهام الرئيس المؤقت للسلطة بعد رحيل المرحوم ياسر عرفات، روحي فتوح بتهريب أجهزة خليوي وقد عزت أطراف في فتح أن ذلك يأتي في سياق التخلص من الرجلين حتى لا يكون لهما دور في اللجنة المركزية مستقبلاً، وهو ما أثار ردود فعل داخلية صاخبة على ما سمي حملات تصفية معنوية.
 
 
 


هل تعبِّر حادثة تهريب أجهزة الخليوي عن رغبة عباس في الخلاص من روحي فتوح بعد الخلاص من ناصر القدوة؟
- إشارة بعض قياديي فتح ومنهم عزام الأحمد إلى أهداف متنوعة ومتناقضة للمؤتمر العام حيث أكد أن هدف المؤتمر هو خروج فتح بعد المؤتمر بشكل أكثر قوة في مواجهة حماس وسلام فياض وإسرائيل حسبما نقلت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية، وهذه الأهداف المتناقضة لا يمكن أن توحد فتح بل إن اللجنة المركزية في الداخل لن تقبل بعداء إسرائيل، ولن تقبل بمعاداة التيار الليبرالي المتحالفة معه حالياً عبر حكومة تصريف الأعمال برئاسة سلام فياض، وهو أحد الرموز التي اكتسبت حضورها وفعالياتها وشرعيتها من خلال الغطاء الأميركي- الإسرائيلي- الأوروبي، ولا يخفى أن هذا التيار يعد ذاته لوراثة فتح، وأحد آماله أن تتلاشى هذه الحركة وتتفكك.

- الرسالة التي بعثها القيادي الفتحاوي في غزة أحمد حلس عبر المؤتمر الذي عقده تحت عنوان (رسالتنا) الذي أكد فيه أن هناك فاسدين وأصحاب أجندات خارجية لابد من وضع حد لهم ومحاسبتهم، وهو ما اعتبره المراقبون رسالة إلى اللجنة المركزية، وخطوة جادة للقضاء على الفساد والتهميش وتصحيح المسار.

يبدو أن استمرار تهميش الخارج لمصلحة الداخل، وتهميش جيل الشباب لمصلحة ما يسمى الحرس القديم، وانتشار الأنانية داخل أجنحة فتح كما يقول محمد الحوراني، يبدو أن كل ذلك سيساهم في استمرار تعقيد الأوضاع ما يحول دون عقد المؤتمر في المدى المنظور إن لم يحدث أمر استثنائي داخلي يجبر اللجنة المركزية في الداخل على التراجع عن عرقلة انعقاد المؤتمر وخاصة أنه تأخر منذ عام 1989، وتأخر مرة أخرى عن الموعد الذي حدد له في شهر آب في العام الذي يلي رحيل زعيم فتح ياسر عرفات.

لاشك أن الاهتمام بانعقاد المؤتمر العام السادس لحركة فتح هو ميزة كل مراقب لتطورات الشأن الفلسطيني عدا كونه ميزة كل من يعمل في الحقل السياسي الفلسطيني والعربي لأن هناك الكثير من الآمال معلقة على هذا المؤتمر لإنقاذ فتح من إشكالياتها وللخروج من حالات الفصام التي عاشتها خلال أكثر من عقدين أو عودة فتح قوية إلى ساحتها، هي عودة لقوة رائدة إلى موقعها الطبيعي.. الموقع المقاوم والموحد والمتطلع إلى أهداف شعبه.

وإذا لم يكن الأمر كذلك فإن الخوف كبير من تحقق توقعات البعض أن يكون المؤتمر العام السادس - إن عقد - حفلاً راقصاً على جثة الحركة المناضلة التي عرفت بقيادتها للحركة الوطنية الفلسطينية طوال عقود.
 
 
 

خالد بدير