ما قبل الصهيونية وما بعدها 

الأحد ,27/04/2008

خيري منصور

نشر إيلان بابي دراسته الشهيرة بعنوان ما بعد الصهيونية قبل عشرة أعوام، وكانت متزامنة مع الذكرى الخمسين لتأسيس الدولة اليهودية وفقاً لتقاويم تلوي عنق التاريخ، وتعيد إنتاج ورسم تضاريس الجغرافيا بحيث تصبح الجملة المعترضة هي الكتاب كله.

وأثار إيلان بابي، وهو أستاذ علوم سياسية ومدير مركز أبحاث للسلام، ما يسمى الآن دور المؤرخين الجدد في الكشف عن المستور عام ،1948 بدءاً من مجزرة الطنطورة التي أخفت أطلالها قبراً جماعياً، في زمن عز فيه الشهود، وأوشكت الجريمة على الاكتمال.

وقبل هذه الدراسة، وفي أوائل الثمانينات من القرن الماضي، كانت الأسئلة قد بدأت تجد طريقها إلى المسكوت عنه في المشروع الصهيوني، وهي أسئلة تقترن بشكل أو بآخر بسؤال الهوية اليهودية، الذي ما أن يثار حتى يعاد إلى الأدراج، لأنه يثير اضطراباً وبلبلة لدى اليهود خارج فلسطين، وبالتحديد اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة.

إن مصطلح ما بعد الصهيونية، يضاف إلى سلسلة من المابعديات، في النصف الثاني للقرن العشرين، ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار وما بعد التاريخ، وإن كان هذا المصطلح الأخير قد تبلور عشية سقوط جدار برلين عندما انشغل العالم بالرد على أطروحة فرانسيس فوكوياما الشهيرة حول النظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ.

إن ما يكتبه المؤرخون اليهود الجدد يطرح العديد من الأسئلة حول مرجعيات هذا الطرح، وبالتالي مدى صدقيته. فإذا كان الآخر المحتل قد تولى كتابة الروايتين، رواية القاتل ورواية الضحية، فإن الخلل سيكون في صلب الجوهر الأخلاقي للتاريخ.

لأن الضحية ليست خرساء، وليست في حالة غيبوبة بحيث تتخلى عن حصتها في الإدلاء بالشهادة، وليس معنى ذلك التخلي التام عن كل ما يصدر بأقلام المؤرخين اليهود الجدد، بل إن فحص منجزهم على طريقة ابن خلدون في البحث عن قرائن لترجيح رواية ما، هو أول ما يجب التقيد به منهجياً، لأن حرب عام 1948 لاتزال تحمل الاسم المضلل بكل اللغات التي ترجمت إليها من العبرية، وهي حرب التحرير والاستقلال، لهذا قال شارون ذات اجتياح إن الحروب اللاحقة هي حلقات في تلك الحرب التي لم تكتمل عام 1948.

ولأن المشروع الصهيوني برمته مؤسس على إعادة إنتاج التاريخ وتزوير الحقائق، فإن الجنرال يجد أن من صلب عمله أن يدرس الآثار كما فعل موشي دايان، الذي لم يكن يقضي إجازاته على شاطئ البحر أو في مزرعته، بل في التنقيب والبحث عن الآثار التاريخية، لا بهدف أكاديمي بل من أجل طمس ما يمكن طمسه وتزوير ما تصل إليه اليد والبندقية.

إن الصهيونية لاتزال أسيرة أسطورتها، ولم تحررها الأسرلة والتحول من حركة إلى دولة من أدبياتها الكلاسيكية، لهذا فإن التعامل مع كل ما يكتب الآن تحت عنوان البحث عن الحقيقة يجب أن يكون حذراً، فالرواية قدر تعلقها بالضحية، لا يرويها حتى الجلاد التائب، إن كانت مثل هذه التوبة موجودة أساساً.

alkhaleej