الوطن  البعيد ...سعدي عمار

اهداء  الى  روح  الشهيد  البطل.. رفيق  السالمي..وكل  الشهداء  الابرار..

 

 

بقلم / سعدي عمار

26-4-2008

 

أن  تكون  فلسطينياً  .. فهذا  يعني انك في دائرة الاستهداف .. أن  تكون فلسطينياً فهذا يعني  انك أمام شاخص الرماية .. لا محالة ..

أما ان تكون ابناً باراً لشعبك .. تتمرد على كل من  يفقدك الامل بوطنك المفدى .. فهذا  يعني  ان فلسطين الحاضرة  في كل نبضة من نبضات قلبك وعقلك لن تمحوها كل أدوات القمع  والفاشية  .

ما  العمل..؟؟؟

ونحن إذ نقبل على سنة  ثانية في حالة من التشرذم والضياع .. ؟؟ ما العمل ونحن كنا  معادلة صعبة يصعب فكها  ؟؟!!  ما العمل في الوقت الذي  يقبع في  سجون عدونا أكثر  من أحد عشر ألف سجين ؟؟ ما العمل والحصلر  يطبق أوزاره على غزة .. يفقد كل من له حس انساني بشعبه  ووطنه.. يفقده آدميته...!!  ما العمل ونحن ندعي واهمين .. اننا  نبحث عن حل لماساة  هنا  وأخرى هناك .. فتزيد الهوة اتساعاً بيننا .. ويدفع الثمن فقط اولئك من لا ناقة لهم ولا جمل..!!

  ما  العمل  ؟؟

ونحن تدور بنا الدوائر.. تارة باسم السلم وأخرى باسم المقاومة ... اما المتحكم فله كل التميز  الخاص !!  ينال ما يريد وقتما يشاء .. ليس هو وحسب بل وأسرته العتيدة وابنائه .. اما الشعب فيحرم حتى من أبسط حقوق البشر .. وهو - أي  الشعب - يستخدم للاعلام.. والدعاية..أو  يستخدم لاعطاء الثقة.. أو حجبها.

فالشعب يستفتى .. أو لا يستفتى .. حسب أهواء ومزاجية  الحاكم  المستبد ... في تنفيذ  فئوية  ضالة هنا أو سلطة سائبة  هناك...

اذن  ما العمل  ؟؟  لا  شيء  ينقذنا  من  هذا  الضياع   سوى عودة  صائبة الى  هذا  الوطن  المستباح .. الوطن الذي أصبح  في لحظتنا الراهنة بعيداً  بعيد .. حتى  بدون  أمل .. !!!

وتعود  بي  الذاكرة  .. الى  ماقبل  الانتفاضة  الاولى  .. في  عام  1986.. وفي  أوائل  عام  1987.. حينما أعلن  وزير الامن  الصهيوني .. بناء على  تقرير  من  مدير  الامن  الداخلي- الشاباك - أو ما اصطلح  على تسميته بـ -الشين  بيت-..._بأننا على أبواب الاجهاز على  البنية  الاجتماعية  لقطاع  غزة  تحديداً .. والارض  المحتلة  عموماً .. وضبط  كل حركة  حياة  فيها .. فهي  تحت  السيطرة  المطلقة_

ماذا  كان الرد  لهذا  الشعب الشامخ ؟؟ وكيف  سيطر الامن الصهيوني ؟؟

  كان  رد  شعبكم العملاق .. بالانتفاضةالشعبية العارمة الحارقة .. في أواخر عام 1987..هذه  الانتفاضة التي غيرت مسيرة الثورة بأسرها واخرجتها من حالة الركود والنكوص والتراجع .. ووضعت القضية الفلسطينية في مقدمة الحدث العالمي وخلقت حالة متميزة  من العطاء والكفاح  والتضحية.. وأصبحت صورة الفلسطيني وقضيته العادلة شرقة مشرعة لدى كل الامم ودول  العالم بلا اشتثناء .. وكشفت فاشية العدو وصور قمعه واضطهاده لهذا الشعب المظلوم  والمغتصب وطنه.

  واما كيف سيطر الامن الصهيوني .. والمقصود من وراء ذلك ... فنحن هنا لنا كلمة حق علينا  قولها .. ان حال  شعبنا  وتنظيماتنا ما قبل الانتفاضة كانت  مزرية حد الرثاء .. وتحديداً  من  الزاوية الامنية.. فالعدو كان قد خلق بؤر الفساد في كل حي .. وشارع  يتركز عملها  في قضيتين أساسيتين..

    الاولى..

هي شعار العدو- اسقاط ما يمكن اسقاطه .. من  شعبنا واهلنا- وهنا لا  ننكر ان  عدونا  تمكن باساليبه القذرة من خلق مجموعة من  بؤر الفساد الى حد البناء التنظيمي  لها.. ومقالتي القادمة سأتطرق بتفصيلية  لهذا  الجانب المهم  .. الاساليب  والطرائق  التي  استخدمها  العدو  ولا  زال  في  اسقاط  أهلنا وأبنائنا وبناتنا..

الثانية..

المراقبة  شبه المطلقة لأي عمل كفاحي ونضالي تقوم به التنظيمات الفلسطينية .. الى حد ان هذه  البؤر  كانت  تعطي  تصويراً  دقيقاً  وسريعاً  لأي عمل  كفاحي  .. ايا كان  كبره أو  صغره.. فيكتشف العدو المجموعة أحياناً في ساعات  وبالكثير الكثير في  يوم  واحد.. وتجاربنا في ذلك  الزمن  وفيرة..

  تلك  توضيحاً لتساؤلاتنا ... لكن في تلك الحقبة كان شعبنا بالداخل  يعيش حالة من الغبن   والاهمال من م.ت.ف  بكل  تنظيماتها ... الا ان  شعبنا الباسل الذي عودنا ان  يجترح  من  مآسيه بطولات رائعة .. كان يعمل حينئذ بجد  وبحمية رائعة لخلق حالة جماهيرية ومؤسساتية  للخروج  من حالة الغبن الواقعة عليه .. وفي  نفس الوقت تتحدى الاحتلال وأعوانه.. فمؤسسات  لجان العمل التطوعي .. ولجان  الشبيبة .. واللجان النسائية.. وجبهات العمل والشبيبة ولجان  الثانويين.. بل والبراعم .. الكل يحفر بالصخر باصابعه العارية .. للتصدي للحالة المزرية التي  كنا نعيشها .. تتوج ذلك كله بحس شعبنا الرائع .. صاحب التجربة والتاريخ المجيد ... ان  اجترح شعبنا من عمق الماساة انتفاضته الباسلة العملاقة..

وهنا أنا أعرف ان الكثير الكثير  من الكتاب  وأصحاب الرأي  كتبوا  في  هذه  الانتفاضة  خصوصا  مآثر  شعبنا  وافعاله  الرائعة .. ولكن حري بي هنا ان اطرق  قضية  غاية  في  الاهمية وهي ان أحد  أهم النتائج المهمة التي خلقتها  تلك الانتفاضة هي خلق  نظم  واسس  تربوية واجتماعية ذات  بعد وطني نظيف .. خلقت حالة من التكاتف الشعبي الاصيل .. أفرزت  توحد أخلاقي وقيم وأصول اجتماعية  بين الناس لا سابق لها.. ألغت  من  قاموسنا  الفلسطيني  افرازات اجتماعية سببها الاحتلال البغيض.. وخصوصاً العائلية المقيتة والعشائرية  البشعة .. وأصبح المعيارالوطني هو الحكم بين الناس .. وليس عائلة  كذا  وعشيرة  مذا ... خلقت  التنافس الشريف بين التنظيمات الفلسطينية ... فكان  طموح  كل  تنظيم بافعاله قبل  اقواله  كيف  يؤذي الاحتلال أكثر ويقدم للشعب أكثر ليحتل مكانة متقدمة بين الناس على  التنظيم  الاخر...كان  كل  الناس  يعيشون وحدة حال في مأكلهم ومشربهم.. في  جرحاهم .. وشهدائهم .. ومساجينهم .... فتجد حالة التضامن والتآخي صفة ملازمة  للكل  الفلسطيني .. وحتى الخارجين عن  الصف  كانوا لا يجرؤون على تجاوز هذه الحالة...وهذا  التوحد.. لم  يكن بلا  خطيئة..لكن صورتنا المشرقة كانت  هي  الناصعة.

  وبهذه  المعايير  الصادقة  الأمينة...المخلصة  تم  تتويج  هذه  الانتفاضة  الخلاقة.

كنا أقرب  ما نكون الى العودة الى وطننا  السليب ... فان  يتم  استرداد  فلسطينيتنا  بتلك  الروعة والجمال والنظافة ... تكون قادراً على استرداد هذا  الوطن  الجميل..

وأنا هنا لست بمعرض استعراض  للسنين  العجاف  التي  تلت  الانتفاضة...سواء  بعد  قدوم  السلطة أو بعد انطلاقة الانتفاضة الثانية - انتفاضة  الاقصى - لان دماء الشهداء  الابرار  مقدسات يحظر  مسها .. وشهداءنا مع  عدم  التنفيذ  محظور  خدش  اباءهم  وتحديهم وشموخهم ..بل علينا ان نكون امناء لما قدموه من تضحية وفداء  لهذا  الوطن  السليب..

ولكن حري  بنا  ان  نخاطب  النتائج  التي  ترتبت  عن  تلك  الحدثين  البارزين  من  تاريخ   شعبنا.. فسلطتنا  العتيدة  سحقت  بم  لا  يدع  مجالا للشك  تلك  القيم والاخلاق..  والاصول  النبيلة  التي  انجزتها  انتفاضتنا  الاولى.. فبدلاً من أن نبحث  عن  وطن  بقيم نبيلة  واخلاق   ثورية عميقة...صرنا نبحث عن  رتبة ومرتبة.. ومواقع لا أصل لها..صرنا  نبحث عن كوبون  وشريحة جوال عبر التقرب لهذا المسؤول أو ذاك ... صار أبناء شعبنا  يتسولون على أبواب  المكاتب والوزارات المصطنعة.. بل ويتذللون أحياناً لتوفير لقمة عيش لابنائهم..وكان بعض  المتنفذين  يتلذذون لذل مناضل .. تجبره  الحاجة..

 وفي  زحمة هذا  التبدل  والتغيير  القسري.. ولان  الهدم  لا  يحتاج  لزمن  طويل ..بل  البناء  هو  الذي  يحتاج  لجهود  مضنية  وكوادر  وقادة  بمستوى  المسؤولية..في  هذه الزحمة  المقيتة..انطلقت  انتفاضة  الاقصى...التي  كانت  في  انطلاقتها  رائعة وعظيمة..ولكن  اي  بناء.. مهما  كان  قوته  وجبروته  يبنى  على أسس  خاوية..حتما  ستكون  نتائجه  وخيمة  وعكسية...نحن كنا  نعم بحاجة ماسة  لانتفاضة... ننفض  أولا  وقبل  كل  شيء  مجموعة الادران والامراض  التي استشرت في  مجتمعنا  نوحد  جهودنا.. ونبني قيماً  افتقدناها..نحيي  آمالنا في كل ما افتقدناه .. لنبني أسساً .. ونتوج  ذلك كله  بانتفاضة  شعبية  وكفاحية..تعيد  لنا  مجدناً وتعيد الوطن إلى نصابه.

ماذا  حصدنا  وللاسف  الشديد...فنحن.. وعليكم  ان  تعودوا  لاي تاريخ  نظيف..نحن  لن  نصنع  تاريخاً نفصله على مقاسناً ..وبالطريقة  التي تخدم  جهويتنا  فقط..ان أي  حرب.. أي   انتفاضة عسكرية وكفاحية.. تقاس بنتائجها السياسية.... بماذا أنجزت سياسياً..؟؟

  وتساؤلي هنا  لكل  المدعيين..الغاشمين..ان أحد أهم ما انجزناه سياسياً..وبتغييب  متعمد  لكل  دماء  الشهداء  الابرار..التي سالت  بشرف  وكرامة..انجزتم  انتخابات  سلطوية  بدون  سلطة..عنوانها  المحاصصة.. وتغييب الآخر..والبحث  عن  نرجسية مقيتة.. لفرض  الذات..انتهت بحرب أهلية..واستباحة الدم الفلسطيني بطريقة  بشعة..لم يعهدها  شعبنا  في  تاريخه...واستبدلتم الوطن بسلطة هشة.. وواقع الحال  لشعبنا وظروفه الماساوية التي  يعيشها  تحكي عن نفسها .. هذا التقسيم لهذا الوطن انعكس على كل مواقع  شعبنا  في كل أماكن  تواجده...شعبكم  بالخارج استبدل  الفخر  بفلسطينيته  بالخجل  منها..!!!!!!!

وانا هنا أتحدى أي  قائد.. او يدعي انه كذلك .. ان  يجرد نفسه من أي  فئوية..ويخرج  ليتفقد   حالة شعبنا  في كل  أماكن  تواجده  بالشتات.. فالداخل غني عن التعريف ... بلبنان .. ذات  الاوجاع الخاصة فمخيم البارد دماء ابناءه لم تجف  بعد..وانتم  تعيشون  مجدكم بسلطاتكم  البائدة .!!! وبالاردن صاحب أكبر تجمع  فلسطيني..حالنا تقشعر له الابدان.. وفي سوريا.. نجد  الضياع عنواناً.. أما في اوربا  ودول  الغرب.. فجالياتنا..أصبحت في كل موقع  اثنتين  بل  ثلاثة.. وهناك ما يفسر ذلك بأنه ظاهرة  ايجابية..ان  يكون هناك  تعددية..وهذا  صحيح  في  حالة  ان  يكون  لنا  مركز  ورابطة..وجالية  وتجمع  فلسطيني  يحفظ  لنا  كرامتنا  ويوحدنا  بالرأي ضد شتاتنا وغربتنا..ويحافظ  لنا على حقوقنا.. وهذا التجمع  يكون  له روافده  الثقافية.. والاجتماعية والتعاونية.. كتعدد مؤسساتي .. اما يكون تعددنا سياسي  في غربتنا ...فهذا  يعني  تمزقنا.. وتشرذمنا .. بل ضياعنا..وشماتة كل الامم فينما ..واستحقارنا .. وانا اعتقد هنا ان  الكل  يدرك  بوعي  ما  اعنيه  في  هذا  المقام  تحديدا..

  ماذا  تبقى  لنا..؟؟

الذاكرة  مليئة.. ولكننا  نقول  أحياناً.. بغضاضة.. ان  الحال  من  المحال..؟؟؟!!!!

   وهذا يعني  هذيان  الضياع...والمزيد  من  الغربة.. ويقول  انسان  مهذب  وشاعر  في اقواله..جميل في ادبه.. ما  اجمل  ايها  الوطن  البعيد..في  هذا  الوقت العصيب  الذي  نمر  به.. من  ان  يفترش  كل  انسان  فينا عشباً ...ويتلحف  بالفضاء.. زاهداً  في  هذه  الدنيا...

وهذا  هو  صمود  الامل  الضائع..وهذيان  الحالة  المزرية  لا  اكثر...

  فالمداهنة..يا شرفاء الوطن..نصف  النفاق...

  والوهم..نصف  المرض..

   والرفض  ...نصف  العداوة..

   اما  الهدنة.. فنصف  السلم..

    وانا هنا ايها  الانصاف.. لي  صرخة نداء...انبيك  رفيق  السالمي..تلوث  وجه العمر..كيف لنا  ان  نعيد  مجدنا  القريب يا بطلنا  المنسي..انبيك عز  الدين القسام  تلوث  وجه  العمر..اعدنا  بالله  عليك  لمجدنا  القديم  الزاخر...انبيك  عبد  القادر  ابو  الفحم..تلوث وجه  العمر..كيف  لك  ان تعيد يا رمز فليسطيننا  السجينة  ان  تعيد  للسجين  مجده..وتضعه  من  جديد  في قائمة  اولويات  عملنا ...

اعدت  فينا أوجاعاً لا تندمل يا مظفر  ..فحالنا  فيه  من القسوة  وجاد  الذات  بما  لا  يحتمل....احذروا  ايها  الفلسطينيون داخلكم فالعدو  قريبا  قريب...  العدو  له باعا  طويلا  في  الاختراق  والمؤامرة..

وليس  والله  اجمل  من  ان يستبد  بنا  الرحيل  دوما  الى  الوطن  المفدى..

  وطننا  الغالي  الذي  اصبح  بعيدا...بعيد..

للشهداء   كل  المجد

وللوطن  الفخر  بهم

  سعدي  عمار

26-4-2008

النرويج