مواقف من حياة الرنتيسي .. تستدعي الوقوف عندها جيداً !-  

 

طارق سليم شمالي

تمر علينا في هذه الأيام ذكرى رحيل القائد الفلسطيني الكبير الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد مؤسسي حركة حماس والذي ارتقى إلى العلى شهيداً بعد أن تم اغتياله بصواريخ العدو الصهيوني بتاريخ 17/4/2004م بعد مسيرة دعوية وجهادية حافلة بالمواقف والأحداث التي تشهد على صلابة وثبات الدكتور رحمه الله وتؤكد على انتمائه الحقيقي للإسلام وفلسطين.

وتتزامن هذه الذكرى اليوم مع أحداث وتطورات تجري على أرض فلسطين حيث الحصار المفروض على قطاع غزة بهدف إسقاط حكومة هنية والقضاء على حماس كما اعترف وزير الحرب الصهيوني بذلك ضمنياً حينما صرح قائلاً أن الشعب الفلسطيني يتحمل تبعات انتخابه لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة .

وبما أنّ الحديث عن سيرة ومسيرة هذا القائد الصنديد تطول ، سأقتصر الحديث على موقفين رئيسيين في حياة الدكتور الشهيد رحمه الله .
وأبدأ بالموقف الشجاع الذي تبناه الشهيد الرنتيسي حينما قامت السلطات الصهيونية بإبعاد قرابة 400 من قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي بعد عملية خطف لجندي صهيوني من قبل كتائب القسام في العام 1992م .

حيث رفض الرنتيسي ورفاقه فكرة ومبدأ الإبعاد جملة ً وتفصيلا وذلك حتى لا تكون هذه الظاهرة أمراً طبيعياً يلجأ إليه العدو الصهيوني عند أي عمل فدائي تقوم به المقاومة الفلسطينية ، وما لهذه الظاهرة إن تكررت من أثار سيئة على طبيعة التوزيع الديموغرافي للسكان في الأراضي المحتلة .

فكان الصمود الأسطوري والثبات على الحق وتحمّل الشدائد والبرد القارص في سبيل العودة إلى أرض الوطن من جديد ، حيث كان الرنتيسي رحمه الله يقف كالأسد الهصور متحدثاً باسم إخوانه المبعدين حيث كان الرنتيسي رحمه الله صاحب فكرة عدم اجتياز الحدود اللبنانية كما يقول بعض الأخوة .

بل وتعدى الأمر ذلك إلى قيام جميع المبعدين بلبس الأكفان والسير نحو حدود فلسطين تحت شعار "مسيرة الأكفان" للعودة إلى الديار ولو كلفهم ذلك الموت ، وقد تقدم هذه المسيرة جميع قادة الحركة الإسلامية وعلى رأسهم الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله .

وقد تكلل جهدهم بالنصر المؤزر ، وحصدوا ثمار صبرهم وثباتهم وعادوا إلى أوطانهم معززين مكرمين في الوقت الذي كان فيه البعض حينما يتم إبعاده يخرج رافعاً لشارة النصر وكأنه يشعر بالسعادة لترحيله عن وطنه !.

والموقف الثاني الذي سطر فيه الرنتيسي كل معاني الثبات والصمود من أجل كرامة وشرف أبناء الإسلام كان حينما قاد الرنتيسي حملة وطنية للقضاء على ظاهرة الاعتقال السياسي في نهايات القرن الماضي حيث كان الاعتقال لأبناء حماس والقسام ظاهرة يومية يتسابق على فعلها جميع أجهزة السلطة دون استثناء حتى أنّ جهاز الدفاع المدني كان له نصيب في هذه الظاهرة !.

لكن الجميع يتذكر الموقف الشجاع الذي وقفه الرنتيسي ومعه أبناء الحركة البواسل حينما أرادت السلطة اعتقاله فرفض تسليم نفسه وأصر على المكوث في البيت رغم تدخل العديد من - الواسطات - من القوى الوطنية والإسلامية وتدخل الشيخ الشهيد أحمد ياسين رحمه الله فكان رد الرنتيسي أن القضية لا تتعلق بالرنتيسي بقدر ما كانت تتعلق بظاهرة حقيرة كانت تمارسها أجهزة عميلة للاحتلال ضد أبناء ومجاهدي الحركة الإسلامية وقد وجب الآن أن يتم وضع حد لهذه الظاهرة والقضاء عليها إلى الأبد .

وبالفعل كان للرنتيسي ما أراد خاصة حينما خاطب أبناء القسام قائلاً "من يسلم نفسه لأجهزة السلطة فلا يلومنّ إلا نفسه !" فتم وأد هذه الظاهرة ولم يعد لقادة الأجهزة الأمنية أي كلمة أو أمر على أبناء الحركة الإسلامية .

هذا على الرغم من حملات التشويه المبرمجة التي كانت تقودها بعض المواقع الإعلامية المشبوهة لتصوير الرنتيسي وكأنه يسعى للفتنة وإراقة الدماء تارة ، وتارة أخرى بأنه عميل للاحتلال الصهيوني !.

فكان رد الشهيد رحمه الله على هذه الحماقات والخزعبلات في ساحات الفدى حينما ارتقى إلى العلى شهيداً مسربلاً بدمائه الطاهرة فما كان من عملاء الاحتلال إلا أنْ صدق فيهم قول الله تبارك وتعالى {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }البقرة18.

نعم هكذا الرجال حينما ترحل تبقي لها أثاراً طيبة يتذكرها كل إنسان حر وشريف حينما يقرأ في صفحات العزة والكرامة .

وحتى لا تمر الذكرى العطرة مرور الكرام أوجه كلمة أخيرة للأخوة في قيادة حركة حماس والحكومة الفلسطينية الشرعية أن يستفيدوا من هذه المواقف الرائعة للشهيد الدكتور وذلك في مواجهة أزمة الحصار الخانق الذي يستهدف القضاء على المشروع الإسلامي في فلسطين .

لذلك يجب أن تبقى مواقف الرنتيسي رحمه الله حاضرة في كل الأزمات والمواقف الصعبة التي تمر بها الحركة لعلنا نجد فيها الجواب الشافي والكافي للخروج من هذه المواقف الصعبة والتعامل الصحيح والمناسب مع هذه الأزمات .