الإصرار على بقاء غزة محتلة - عبد الستار قاسم


من الصعب أن نجد في التاريخ أنظمة سياسية وظيفتها التآمر على ذاتها وعلى أينائها ومقومات وجودها ووجود الأمة التي تقع تحت سيطرتها. أنظمة العرب تخترق كل الأعراف التاريخية، وتتجاوز أدنى متطلبات الاحترام الذاتي لتأتي بكل بغاة الأرض لانتهاك حرمات الأمة. لقد تطاولت الأمم على العرب إلى درجة أن أريتيريا احتلت جزرا يمنية في وضح النهار، وتقوم إثيوبيا الآن باحتلال الصومال على مرآى ومسمع ومباركة أنظمة العرب.

فلا عجب أن أنظمة العرب بما فيها السلطة الفلسطينية يحاصرون غزة كما تحاصرها إسرائيل وأمريكا، بل أشد، وهي أنظمة تصر إصرارا مستميتا على بقاء غزة رهينة بيد الاحتلال الصهيوني البغيض. السيد محمود عباس منزعج من مسألة ((اجتياح الحدود المصرية))، ولا يبدو أن جوع الأطفال ووفاة الشيوخ يؤرق منامه. ومن يستمع إليه يظن أن حماس تملك فيالق المدرعات وأسراب الطائرات، وأن مصر مسكينة تقع تحت طائلة التهديد.

ترفض مصر فتح الحدود الاستعمارية التي رسمها الإتكليز بين سيناء وقطاع غزة، وتقول بأنها مرتبطة باتفاقيات دولية تستحق الاحترام، ولا يمكنها تزويد غزة باحتياجاتها. الحقيقة أن مصر لا تحترم القواعد والمواثيق الدولية للأسباب التالية:



أولا: اعتبرت الجامعة العربية في أعوام 1944 و1946 و1947 و 1951 و1952 وغيرها من السنين قضية فلسطين قضية العرب الأولى وتعهدت بالقيام بكل الخطوات من أجل تحرير فلسطين. من أجل تحرير فلسطين وليس من أجل التفاهم مع إسرائيل. في توقيعها على اتفاقية كامب ديفيد، انتهكت مصر قرارات الجامعة العربية.

ثانيا: ينص ميثاق الأمم المتحدة على عدم جواز احتلال الأرض بالقوة. إسرائيل دولة محتلة، ومن المطلوب من مصر تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.

ثالثا: تطالب قرارات دولية عديدة إسرائيل بضرورة الانسحاب من الأرض المحتلة/67، ولا يبدو أن مصر تحترم إرادة أهل غزة بطرد الاحتلال.

رابعا: حق المقاومة هو حق مشروع، ولا يبدو أن مصر تساعد أهل غزة من أجل الالتزام بقرارات ما يسمى بالشرعية الدولية بشأن المقاومة وطرد الاحتلال.

خامسا: إسرائيل تنتهك العديد من بنود اتفاقيات جنيف الخاصة بحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، ومصر لا تحرك ساكنا في مواجهة هذه الانتهاكات.

سادسا: من حق غزة أن تحصل على الغذاء من مصر أو من الدول العربية، وليس من الحكمة أن تبقى معتمدة على دولة الاحتلال في تموينها. الأنظمة العربية بما فيها مصر والسلطة الفلسطينية يصرون بمواقفهم القائمة حاليا على ضرورة استمرار الاحتلال لغزة، أو السيطرة عليه من قبل إسرائيل من خارج السياج.

سابعا: مصر ليست طرفا في اتفاقية معبر رفح، ولا يوجد ما يلزمها بها.



النظام المصري يكرر حرصه على سيادة مصر ويهدد أهل غزة بفتح النار في حال فتحوا الحدود. يبدو أن النظام لا يعرف معنى السيادة فيرى في طفل يبحث عن الطعام خطرا بينما يرى في البوارج الأمريكية حملا وديعا. بوارج أمريكا تنتهك المياه الإقليمية المصرية كل يوم، وبالأمس قتل الأمريكيون مصريين ولم يفتح الجيش المصري النار على سفن أمريكا الحربية. إسرائيل تنتهك حرمة أرض سيناء والمياه الإقليمية المصرية ولا تهتز شعرة في بدن النظام. ومصر لا تستطيع أن تتصرف عسكريا في سيناء بدون إذن من إسرائيل. هل وقفت سيادة مصر عند أطفال غزة؟

أهل غزة لا يفكرون باجتياح الحدود المصرية وإنما بفتح الحدود مع مصر لأن العلاقة مع مصر هي علاقة أخوة وليست علاقة عداء. هناك فرق شاسع بين الاجتياح وفتح الحدود. فتح الحدود هو من حق أهل غزة، ومن المطلوب تحرير غزة من الاعتماد على العدو الصهيوني في التموين. يجب أن تشتري غزة ما تحتاج إليه من مصر حتى تتحرر من الضغط الإسرائيلي، إلا إذا كان الهدف هو بقاء الاحتلال.