أكبر فضيحة تجسس إسرائيلية على أميركا في تاريخ العلاقات بينهما- تحسين الحلبي

2008-04- 


يصعب الاعتقاد أن تكون القيادة الإسرائيلية فوجئت بإعلان واشنطن عن إلقاء القبض على (بن عامي كاديش) أمس وهو الجاسوس اليهودي الأميركي الذي عمل لمصلحة إسرائيل في قلب المؤسسة العسكرية التكنولوجية والنووية منذ الثمانينيات والذي اعترف بتجسسه وبالمسؤولين عنه داخل جهاز الموساد الإسرائيلي والمؤسسة التكنولوجية العسكرية منذ عام 1979 حتى عام 1985.

فهي تعرف منذ عام 1994 في عهد كلينتون ورابين أنها سعت إلى التأثير على كلينتون الرئيس الأميركي في ذلك الوقت لإصدار عفو عن (جوناثان بولارد) الجاسوس اليهودي الأميركي الذي اعترف عام 1986 بعد القبض عليه من قلب السفارة الإسرائيلية في واشنطن أثناء محاولته الاختفاء بها تمهيداً لفراره، بتجسسه لمصلحة إسرائيل ولم يعترف عن شريكه (بن عامي كاديش) في ذلك الوقت... فقد أدركت أجهزة المخابرات الأميركية وجود جاسوس آخر داخل المؤسسة التكنولوجية العسكرية والنووية ولم تستطع تحديد مكانه وهويته ومارست ضغوطاً كبيرة على بولارد أثناء استجوابه للكشف عن خيط يقود إليه دون جدوى كما أدركت أن فرار ضابط الموساد المسؤول عن التجسس الإسرائيلي في الولايات المتحدة (رافي ايتان) وعدم دخوله الولايات المتحدة منذ عام 1986 حتى الآن، جعلها تفقد ذلك الخيط. فالمعروف أن (رافي ايتان) في الثمانينيات من العمر كان من قادة الصف الثاني في الموساد وكلف منذ السبعينيات بالساحة الأميركية وهو الذي نظم (جوناثان بولارد) ضابط البحرية اليهودي الأميركي لمصلحة الموساد وأطلع شمعون بيريس رئيس الحكومة الإسرائيلية في عام 1984 على وجود (بولارد) جاسوساً لمصلحة إسرائيل.
والطريف أن (رافي ايتان) يحتل الآن منصب وزير في حكومة أولمرت بعد أن أسس (حزب المتقاعدين) قبيل انتخابات عام 2006 وفاز هذا الحزب بسبعة مقاعد فشارك (ايتان) في الحكومة الائتلافية ورغم أن معظم الوزراء الإسرائيليين عادة ما يقومون بزيارات كثيرة إلى الولايات المتحدة إلا أنه الوزير الوحيد الذي لا يستطيع زيارتها خشية اعتقاله بموجب ما نشره الصحفي الإسرائيلي (يوسي مالمان) المختص بأخبار التجسس في صحيفة هآرتيس حين أصبح ايتان وزيراً.


وكان عدد من الصحف الأميركية وكذلك هآرتيس قد نشر في أواخر التسعينيات تحليلات كثيرة حول قلق المخابرات الأميركية وخشيتها من وجود جاسوس كبير يعمل لمصلحة إسرائيل داخل أميركا ولم تستطع الأجهزة الأمنية تعقبه منذ اعتقال (بولارد) وصدور حكم المؤبد عليه... وقد ظهر هذا القلق بشكل واضح من التقرير الذي قدمته أجهزة المخابرات الأميركية للرئيس كلينتون حين طلب منه رابين بعد اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة إصدار عفو عن بولارد فطلب كلينتون رأي أجهزة المخابرات، وكان تقرير المخابرات حاسماً في دعوته للرئيس بعدم إصدار أي عفو عن بولارد لأسباب كثيرة بل إن جميع أجهزة المخابرات الأميركية الرئيسة أجمعت على دعوة كلينتون بعد القيام بهذا الإجراء وخضع كلينتون لهذا الرأي فحاول نتنياهو بعد باراك عام 1996 و1998 ومنح بولارد الجنسية الإسرائيلية وهو داخل السجن وقام وزراء بزيارة بولارد داخل السجن لطمأنته بوجود جهود حثيثة للإفراج عنه ورغم ذلك لم يستطع كلينتون الذي بقي رئيساً حتى في عهد نتنياهو إصدار عفو عنه.


وظهر جلياً أن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية كانت تبذل جهوداً ضخمة للإفراج عن بولارد ربما يعود أحد أسبابها إلى إخراجه من السجن قبل أن يعترف عن الخيط السري والخفي الذي يربط (بن عامي كاديش) به فتنكشف فضيحة تجسس أكبر وأخطر من فضيحة بولارد.


ويذكر أن تقرير المخابرات الذي عرض على المحكمة حول أعمال التجسس التي قام بها بولارد تضمن: تزويد إسرائيل بـ800 وثيقة أميركية عسكرية في غاية السرية وتزويدها أيضاً بألف برقية تضمنت معلومات هائلة تتعلق ببعض الدول العربية الحليفة لواشنطن وبالتكنولوجيا العسكرية الأميركية لأن بولارد كان يعمل بصفة محلل للمعلومات السرية في مركز الإنذار المضاد للإرهاب التابع لمخابرات البحرية الأميركية.


وكان الملحق العلمي في القنصلية الإسرائيلية في نيويورك أحد المختصين باستلام المعلومات من بولارد وقد فر من الولايات المتحدة قبيل اعتقال بولارد في واشنطن، أما (كاديش) فقد توقف عن التحرك ونقل المعلومات واتخذ كافة الاحتياطات داخل الولايات المتحدة لكي لا تخسر وجوده المخابرات الإسرائيلية بعد خسارة بولارد.


وكشف تقرير مكتب التحقيقات الفدرالي الذي اعتقل كاديش وسجل اعترافاته أن (كاديش) استمر باتصاله مع ضابط الموساد المكلف بمتابعته حتى شهر آذار الماضي 2008.


وتكمن خطورة (كاديش) الذي يبلغ سن 85 عاماً في أنه كان يعمل في مركز أبحاث عسكري للهندسة والتطوير الحربي في الجيش الأميركي الذي يدعى (بيكاتيني) في (دوفير) في ولاية (نيوجيرسي)، ويستخدم هذا المركز 6500 فدان من الأراضي أقام فيها منشآت عسكرية ويقوم بدور فريد بموجب النشرة العسكرية الأميركية في قدرة الولايات المتحدة على شن الحرب ولا يوجد لهذا المركز مثيل في الولايات المتحدة كلها... وكشفت المعلومات التي نشرها مركز صحفي أميركي لشؤون التجسس أمس أن كاديش عمل في هذا المركز منذ تشرين الأول 1963 حتى كانون الثاني عام 1990 باختصاص الهندسة الميكانيكية والإشراف الهندسي في منشأة فيوز وكان الملحق العلمي الإسرائيلي في القنصلية الإسرائيلية في نيويورك هو ضابط الارتباط الذي يوجهه ويتسلم منه الوثائق والمعلومات وهو الذي كان مسؤولاً عن بولارد أيضاً ويدعى (يوسف ياغور) وظهر اسمه في لائحة الاتهام المقدمة ضد (كاديش) وجاء في لائحة الاتهام أيضاً أن (ياغور) كان يعمل في السبعينيات خبيراً وعالماً في الصناعات الجوية العسكرية الإسرائيلية ومعروفاً بصفته متعاقداً عسكرياً مع الحكومة الإسرائيلية وأنه أصبح منذ تموز 1980 حتى فراره عام 1985 بعد اعتقال (بولارد) الملحق للشؤون العلمية في قنصلية إسرائيل في نيويورك لكنه كان في الحقيقة المسؤول عن جميع المعلومات السرية العسكرية والعلمية من الجيش والمؤسسات العسكرية الأميركية لمصلحة وزارة الدفاع الإسرائيلية وخصوصاً لجهاز (لاكام) التابع للموساد الذي كان يرأسه رافي ايتان، ويذكر أن جهاز لاكام يختص بكل ما يتعلق بالسلاح النووي والتكنولوجيا النووية العسكرية وهو الذي ساهم بإنشاء مفاعل ديمونا وتطويره..


ومن التهم الموجهة لكاديش إرسال معلومات لإسرائيل عن طائرات (إف 15) الحربية الأميركية التي صدرتها واشنطن للسعودية ومعرفة خصائصها كاملة في بداية الثمانينيات إضافة لمعلومات سرية كانت المخابرات الأميركية ووزارة الدفاع الأميركية تحتفظان بها عن الأوضاع العسكرية والأمنية في عدد من الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة.


فما كانت واشنطن تعرفه وتنسق بشأنه مع بعض الدول كان يجد طريقه إلى ملفات وأدراج أجهزة المخابرات الإسرائيلية دون علم الولايات المتحدة!


ولعله من المؤكد أن تحمل فضيحة التجسس الخطيرة هذه أبعاداً ومضاعفات ستتوالى يوماً تلو آخر وسنة بعد أخرى خصوصاً أن (كاديش) كان ضابطاً في عصابة (الهاغاناه) تحت قيادة بن غوريون عام 1943- 1948 بعد أن كان يعمل في الجيش البريطاني ثم انتقل بعد إعلان إسرائيل إلى العمل في الجيش الأميركي.




تحسين الحلبي