فنجان قهوة

الأمازيغ - بقلم : أبو خلدون

31-02-2008

لا أعتقد أن عمنا ابن خلدون كان يفكر أمازيغيا، وإلا لانتهى به الأمر مختار حارة، أو زعيم قبيلة على أحسن الفروض، وما كان ليكتب تلك المقدمة التي خلدت اسمه في التاريخ. وابن حزم، مؤلف كتاب طوق الحمامة، الذي أصدرت إسبانيا طوابع تحمل صورته وأقامت له تمثالا في قرطبة، أمازيغي أيضا، ولكنه لم يكتب كتابه بإحدى اللغات الأمازيغية، وإنما باللغة العربية، ولم يستشهد في كتابه بأي شاعر أمازيغي، وكل الشعراء الذين وردت اسماؤهم في كتابه هم من الشعراء العرب، وطارق بن زياد الذي فتح الأندلس وأقام دولة إسلامية فيها استمرت عدة قرون من أصل أمازيغي، ولكنه لم يكن يحارب لإحياء أمجاد أمازيغن وإنما لنشر دين الله.

والأمازيغ قاوموا الفتح الإسلامي بشراسة في البداية، ولكنهم عندما تعرفوا جيدا إلى الدين الإسلامي أدركوا أنهم إذا أرادوا الاستقلال والعدل وحقوق الإنسان التي لا تميز بين شخص وآخر إلا بالتقوى فإن الإسلام هو الوحيد الذي يوفر لهم ذلك، فكانت النتيجة أنهم دخلوا الدين الجديد أفواجا ونشروه في شمال إفريقيا.

والأمازيغ أقلية الآن في شمال أفريقيا، وهم يطالبون بحقوقهم، ومطالبهم على الرأس والعين إذا حصروها في الإطار القومي العربي والإطار الإسلامي، أما إذا تعدت ذلك إلى المطالبة بالاستقلال فإن هذه المطالب تخرج عن نطاق المطالبة بالحقوق وتتحول إلى حركة انفصالية. وعندما كان الأكراد يخوضون حربا شرسة ضد النظام العراقي السابق للمطالبة بحقوقهم صدر الكتاب الأخضر لزعيم الثورة الليبية معمر القذافي، وفيه دعوة لإعطاء الأقليات في الوطن العربي حقوقهم، وفي عام 1982 قابلت العقيد عبد السلام جلود رئيس الوزراء الليبي آنذاك وسألته عن المقصود بعبارة حقوق الأقليات في الكتاب الأخضر فقال: ما تشعر الأقليات أنه يرضيها في إطار الوطن الذي تعيش فيه، أما إذا تعدى الأمر إلى الانفصال فإننا لا نوافق عليه، فقد كان اليهود أقلية في فلسطين قبل عام ،1948 وطالبوا بما أطلقوا عليه حقوقهم، وانتهى الأمر بإقامة دولة لهم في فلسطين، وطرد سكانها.

ويأخذ الأمازيغ على العرب أنهم يطلقون عليهم لقب البربر، والغريب أنهم يقبلون هذا اللقب من الأوروبيين دون اعتراض. وقصة إطلاق لقب البربر عليهم فيها شيء من الطرافة، إذ ان ابن خلدون الذي حقق نسب الأمازيغ يقول في مقدمته إن هؤلاء يعود نسبهم إلى جدين عظيمين هما: برنس، ومادغيس الذي يلقب بالأبتر، ولذلك يقال لشعوبه البتر، ويقال لشعوب برنس البرانس، والبرانس يعود نسبهم إلى مازيغ بن كنعان، والبتر بنو قيس بن عيلان ولذلك فإن اسم الأمازيغ لا يصح أن يطلق إلا على البرنس، أما بنو بر بن قيس بن عيلان، فيقال إن ملك التبابعة أفريقش هو الذي أطلق عليهم لقب البربر، بسبب اختلاف لغاتهم وتنوعها، ذلك الاختلاف الذي بقي سائدا إلى اليوم، ومن اللغات التي يتكلمون بها: الريفية، والشلحة والسوسية والقبايلية، والمزابية، والشاوية. وعندما علم أفريقش أنهم يتكلمون عدة لغات، وأنهم ينتسبون إلى بني بر، حبكت النكتة معه وحوّر بني بر إلى بربر، وهكذا فإن هذا الاسم يعود إلى ما قبل الإسلام، وإذا كان يؤذي البربر فإنه ليس للمسلمين ذنب فيه.

والبربر قدموا للامبراطورية الرومانية ثلاثة قياصرة هم: سبتيموس سفيروس ونجله كركلا (الذي عين حصانه قنصلا) وقريبه ماكرينوس، وقدموا للحضارة الإسلامية ابن خلدون وابن حزم والأندلس وطارق بن زياد، ولكنهم فعلوا ذلك في إطار حضارات كانت قائمة لا كحضارة مستقلة، وهذا ما ينبغي أن يفعلوه في العصر الحاضر.

 abukhaldoun@maktoob.com