جهود كارتر والمسارب الجانبية - عوني صادق

:الجمعة ,25/04/2008


المراجعة التاريخية للسياسة العربية خلال أكثر من نصف قرن، تؤكد أنها تعاني من ضعف بنيوي تجاه السياسة الأمريكية، وقد ازدادت ضعفا مع مرور الأيام، وأنها كانت في معظم مراحلها خاضعة للسياسة الأمريكية ومتجاوبة مع شروطها، وفي أفضل الأحوال ساعية إلى تحييدها عاملة على استرضائها بكل السبل، في الوقت الذي كانت فيه السياسة الأمريكية تؤكد مرة تلو اخرى عداءها للأمة العربية، دولا وشعوبا، وتصر على انحياز متزايد للصهيونية ولمشروعها، وللسياسة الإسرائيلية.



بعد حرب السويس وفشل العدوان الثلاثي على مصر في العام ،1956 بدأ التحرك الأمريكي المعلن للحلول محل بريطانيا وفرنسا اللتين ورثتا الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى طبقا لاتفاقية سايكس- بيكو. جاء الإعلان عن هذا التحرك تحت اسم (مشروع أيزنهاور) أو (مشروع ملء الفراغ) في العام 1957. في ذلك الوقت رفض الرئيس جمال عبدالناصر المشروع، وكان قد طور علاقاته مع الاتحاد السوفييتي، وبعد أشهر من فشل المشروع قامت الوحدة بين مصر وسوريا، وكانت الأمور تتجه إلى التصدي للطموحات الأمريكية. لكنه وبعد عقد من (مشروع ايزنهاور) وقعت حرب يونيو/حزيران 1967 وكان لنتائجها الكارثية، أثر كبير في السياسة الأمريكية فأسست لموقف أمريكي جديد جعل هذه السياسة في المنطقة تبدو تابعة للسياسة الإسرائيلية. وكان لهذه الهزيمة أثرها في النخب السياسية والثقافية العربية أخطر مما كان في الأنظمة المهزومة وظهر فيما أصبح يعرف باسم (ثقافة الهزيمة) أو (ثقافة الاستسلام) التي بدأت تنتشر حتى تحولت لدى بعض هذه النخب إلى (استراتيجية) غير قابلة للارتداد.



ففي مصر، وبالرغم من (لاءات الخرطوم)، خرج بعض كبار المفكرين والمثقفين والكتّاب والصحافيين ليدعوا إلى (تحييد أمريكا) ل (كسبها) لاحقاً، وبعضهم كان محسوباً على عبدالناصر الذي كان قد أطلق مقولته الشهيرة (ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) متزامنة مع تلك الدعوات. وقد استغل عبدالناصر ما بقي له من وقت في إعادة بناء الجيش المصري وخوض (حرب الاستنزاف) التي كانت التمرين الضروري لإنجاز ما تحقق من نصر عسكري في اكتوبر/تشرين الأول 1973 تهاوى لأن أنور السادات (اكتشف) أنه (يحارب أمريكا)، ولأنه رأى أن 9.99% من الأوراق هي في يد أمريكا! اليوم لن يكون من التجني على أحد أن يقال إن دعوات (تحييد أمريكا) هي التي فتحت الأبواب واسعة أمام النفوذ الأمريكي اللاحق في مصر وفي كل المنطقة.



بعد ذلك رأينا كيف أصبحت الولايات المتحدة هي (الراعي الأول) والأهم لما يسمى (عملية السلام في الشرق الأوسط)، وهي الوسيط (النزيه) بين أية دولة عربية لها مشكلة مع الإسرائيليين، وهي الحكم (العادل) بين الفلسطينين والإسرائيليين، مع أن كل ما فعلته واشنطن هو عرقلة القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة لمصلحة القضايا العربية وخصوصا قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة، إلى جانب حماية الكيان الصهيوني ودعمه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً والالتزام الدائم بضمان تفوقه العسكري وأمنه. وفي الأثناء كانت المسارب الجانبية تشق عبر الرؤساء والمسؤولين الأمريكيين السابقين أو عبر المسؤولين الأوروبيين، والهدف دائماً الجمع بين الفلسطينين والعرب والإسرائيليين سعياً لتحقيق المصالح والأهداف الإسرائيلية، ولنا في المفاوضات السرية التي أوصلت إلى (اتفاق أوسلو) أوضح دليل وبرهان.



والمصيبة الكبرى أن هذا (القبول) للنفوذ وللدور الأمريكيين لم يظهر فقط لدى الأطراف المعروفة بميلها التاريخي أو الطبيعي للولايات المتحدة، سواء كانوا دولاً أو جماعات أو أحزاباً، بل أيضاً لدى من يفترض أنهم يمانعون السياسة الأمريكية، دولاً وحركات تحرير، وممن تستهدفهم هذه السياسة! كل العرب، الدول والقوى والأحزاب والحركات، تتطلع كلها للبيت الأبيض وساكنه، حتى لو حمل صفة (سابق)، أو حتى (أسبق)، كلهم يعتبرون لقاء مسؤول أمريكي على رأس عمله أو سابق امتيازاً، وكأن لقاءه شهادة لهم بالأهمية! فمثلاً، ماذا يمكن أن يقدم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر لحركة (حماس) أو للفلسطينيين؟ المفارقة أن حكومة أولمرت رفضت منحه تصريحاً للدخول إلى القطاع، بل واستقبلته بعشر غارات وعشرين شهيداً في القطاع. ثم أليس هو نفسه عراب اتفاق (كامب ديفيد) ومعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية التي فتحت الباب إلى (اتفاق أوسلو) و(اتفاق وادي عربة)، ثم إلى ضمانات بوش وخريطة الطريق، وإلى كل الابتلاء الذي نحن فيه؟ لقد جاء كارتر، كما أعلن بنفسه، وكما أكدت ذلك تصريحات قادة (حماس) بعد لقاءاتهم معه، أنه تحدث في ثلاث قضايا: التهدئة، وإطلاق سراح الجندي جلعاد شاليت، وفك الحصار عن قطاع غزة. ولكن ماذا عن المقابل الذي يطلبه كارتر؟



بالطبع لسنا ضد لقاء أي كان، ولكن دون نسيان أن أمثال كارتر لا تدفعهم إنسانيتهم، ولا يسعون إلا لمصالحهم ومصالح إسرائيل، وهم بما يفتحونه من مسارب جانبية يرمون إلى إغراء العرب والفلسطينيين وإغوائهم لإقناعهم بالتنازل عن حقوقهم الوطنية والقومية.